دراسات

الوضع الميداني السوري يدفع بروسيا الى اعادة رسم إستراتيجيتها العسكرية

synnnالوضع الميداني السوري يدفع بروسيا الى اعادة رسم إستراتيجيتها العسكرية في سوريا
بقلم ـ صفوان داؤد ، باحث مختص بالشأن السوري
المركز الاوربي العربي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبار
تمهيد

لايخفى على اي متابع للشارع السوري مدى ملامح القلق العميق والخوف تكريس للانقسام السوري السوري السياسي والديموغرافي والاجتماعي يقسم الجغرافيا السورية بين القوى القومية واليسارية والعلمانية على جبهة، والقوى الفاشية وعلى رأسها “تنظيم الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” من الجبهة المقابلة، إن العمليات العسكرية الاخيرة رفعت من حالة غياب الامان، وخلقت مشاعر خوف حقيقية دفعت بقسم كبير من المواطنين السوريين الى الهجرة غير الشرعية واللجوء، وهناك انتشار كبير لفكرة وضرورة التعبئة والتسليح الذاتي المحلي سواء على خط النار او في المناطق الآمنة.

عسكرياً يلاحظ استمرار نهج المعارضة الاصولية المسلحة في النزعة الهجومية لقضم كامل الجغرافيا السورية واسقاط الدولة بالقوة, سلطة ومؤسسات. وعلى الرغم من التناقضات (المصالحية) بين مكونات المجموعات المسلحة، إلا أنها جميعا مع الاطراف الخارجية التي تدعمها لاتزال على اتفاق هدف واحد هو اسقاط النظام السوري. ومنذ شهر مارس آذار الماضي، نجحت هذه المجموعات برعاية وضمانات دول اقليمية على تطبيق سوية مرتفعة من التنسيق فيما بينها، وقامت بأعمال عسكرية ذات طابع تسارعي، تركزت بصورة أساسية في محافظة ادلب، والجنوب السوري، ومع تعثر الأمر جنوباً، تبدو محافظة ادلب هي الاكثر احتمالية لخروجها كلياً من كنف الدولة السورية.  
في ظل هذا الوضع الميداني المعقد تبدو روسيا وكأنها بدأت تقتنع ان النظام السوري قد وصل الى طريق مسدود وهو في وضع صعب فقررت الدخول في المعركة على الارض بأساليب مختلفة, منها بيع سوريا منظومات دفاع جوي متطورة, واعلان روسيا اجراء مناورات عسكرية قبالة السواحل السورية قبل نهاية سبتمبر ايلول الجاري.

الشمال السوري

في محافظة ادلب بقيت عدة مواقع عسكرية ذات طابع دفاعي بحت على شكل مواقع محدودة شبه معزولة أو معزولة بالكامل أهمها بلدتي الفوعة وكفريا,. طرق اتصالها غير آمنة، مقطوعة ومعزولة أو هي في طور العزل. ومنذ معركة مشفى جسر الشغور تركزت ميدانيات الجيش السوري على منع احتمالات وقوع مجازر في تلك النقاط، بالتالي إعادة تجميعها بصورة آمنة لاستخدام طاقتها المجمعة في مواقع أخرى. ومنذ عدة شهور تركّز المجموعات الاصولية على احتلال كامل محافظة ادلب بحكم أهميتها اللوجستية للقرب من حدود تركيا ودور حزب العدالة والتنمية الحاكم لتركيا في كل مايجري في الشمال السوري، كنظام له مطامع فعلية. غير أن هذا الموضوع ليس بهذه البساطة, اذ في اسلوب مشابه لما فعله في الجنوب, استطاع الجيش السوري امتصاص الصدمة الاولى لكن بصعوبة وأن يستعيد عدد محدود من المناطق في المحافظة(1). بالمقابل استطاعت «جبهة النصرة» مع نهاية 2014 وبداية 2015 هزيمة اثنين من أكبر الجماعات المسلحة في الشمال السوري والمدعومتين مباشرة من الولايات المتحدة، وهما «جبهة ثوار سوريا» و«حركة حزم», “اللتان تلقّتا دعماً أمريكياً كبيراً…وأزيلتا بقوة من المعادلة العسكرية” بحسب جيفري وايت من معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى(2).
في الشمال والشمال الشرقي السوري تبقى للديموغرافيا الدور الحاسم في تطور الاحداث نظراً لحضور قوي للأكراد, وبشكل اساسي الدور العسكري النافذ لحزب “الاتحاد الديموقراطي الكردي” هناك. وماتزال المعارك العسكرية مستمرة بين التظيمات الكردية بقيادة حزب الاتحاد الديموقراطي مع “تنظيم الدولة الاسلامية” الذي يشكل خطر وجودي حقيقي على التركيبة القومية والاثنية في الشمال السوري. ومن المعلوم أن المكون الكردي هو الاكثر خبرة واستعداداً في مواجهات عسكرية وصياغة التوازنات المطلوبة لمثل هكذا معركة مصيرية، بحكم علاقته مع حزب العمال الكردستاني والنظام السوري والمكونات الكردية الفاعلة في كردستان العراق.

الوسط والغرب السوري

في الوسط السوري كانت معركة تدمر- السخنة ذات طابع تسارعي ايضاً، الهدف منه إخراج جغرافيا البادية من يد الجيش السوري, والتسهيل العملياتي لحركة عناصر “تنظيم الدولة” نحو جبل الدروز في الجنوب ونحو القلمون في الغرب لذلك قام عناصر التنظيم بدخول بلدة القريتين التي تقع على الطريق الواصل بين تدمر ودمشق, ومحاولاتهم المُستميتة والتي فشلت حتى الساعة في دخول بلدة مهين الاستراتيجية التي تربط القلمون الشرقي بالقلمون الغربي. ايضا كان هدف “تنظيم الدولة” العامل اللوجستي بما فيه تأمين نقل النفط, والسيطرة على حقول الغاز الاستراتيجية, والمعنوي النفسي في السيطرة على اثار تدمر التاريخية.
أهم المناطق المشتعلة حالياً والتي حقق فيها النظام تقدم كبير هي منطقة القلمون، فهذه المنطقة والمحاور المتعددة فيها هي الحاسمة على أكثر من مستوى عسكري ولوجستي, بشكل خاص المعارك المحتملة تجاه دمشق مستقبلاً (مدينتي دوما وجوبر)، والهدف لقطع الطرق الرئيسية على العاصمة، وعزل الغرب السوري عن الجنوب المتصل لوجستياً مع اسرائيل والاردن(3). ويسعى الجيش السوري تأمين هذه المنطقة كلياً قدر الامكان، كما يسعى حزب الله للهدف ذاته، يحايثه هدف سياسي داخلي لبناني بحت, وهو ان لايتطور التمايز الطائفي في لبنان إلى حدود المواجهة المباشرة مع الوضع السوري.

الجنوب السوري

بعد خسارته لمناطق واسعة نسبياً في محافظتي درعا والقنيطرة من قبل المجموعات الاصولية المسلحة المدعومة من اسرائيل والاردن, استطاع الجيش السوري أن يُجهض الهجوم ويُفشل القوات المهاجمة دخول مدينة درعا مرات عدة(4). ولابد ان نشير هنا الى ان لإسرائيل دور كبير في تطور الاحداث في الجنوب السوري، إذ تعمل اسرائيل على الامساك قدر الامكان بالميدان السوري، أو في الحد الادنى خلق وقائع جديدة أكثر تعقيداً تجعل من موضوع الجولان وأهميته في مرتبة متدنية عن السابق.
يمكن القول بشكل عام أن بقية الجبهات في ريف حمص الشرقي ريف اللاذقية الشمالي, الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك في دمشق، دير الزور، وحلب هي شبه مستقرة من حيث عدم تقدم واضح لأي من الاطراف المتصارعة وتحقيق انتصارات أو هزائم كبيرة وملفتة. لكن هذا الستاتيكو في هذه المناطق لن يستمر طويلاً، اذ يفترض كاتب هذه الدراسة انه أولاً سيتم توتير عسكري بمحيط دمشق للتخفيف عن منطقة الزبداني. ثانياً: في حال نجحت المجموعات الاصولية المسلحة من انتزاع محافظة ادلب من الجيش السوري, فإن الوجهة القادمة لها ستكون سريعة نحو الهجوم على احد المحورين, محور الغاب في القطاع الشمالي في محافظة حماه, أو محور بلدة سلمى- جبل التركمان في القطاع الشمالي من محافظة اللاذقية. وهو مادفع القيادة الروسية الى دق ناقوس الخطر والتفكير جدياً بالدخول العسكري المباشر بحسب ماذكرته الصحف الاميركية والعربية(5) ومااعلنه صراحة الرئيس الاميركي باراك اوبااما في انتقاده لروسيا بقوله ان اي دخول مباشر لروسيا في سوريا قد يؤثر على نهج مكافحة الارهاب في المنطقة.

الهوامش

1- أنظر على سبيل المثال: الجيش السوري يستعيد بلدة الزيادية وتل اعور وبلدة زيزون وسد زيزون, (قناة الميادين, 2 أغسطس 2015). قرية فريكة على استراد اريحا-اللاذقية (قناة روسيا اليوم, 3 اغسطس 2015). تل حمكة وبلدة فورو في ريف ادلب الجنوبي الغربي (قناة ان بي ان, 4 اغسطس 2015).
2- حول الاعتراف الصريح بدعم الولايات المتحدة لمجموعات اصولية مقاتلة أنظر مقالة جيفري وايت والمتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية لدول المشرق العربي وإيران في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى: http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-new-syrian-force-down-but-not-necessarily-out
3- “المجموعات العنقودية”, اسلوب جديد للمعارضة يقلب مسار الصراع في الجنوب السوري. المركز الأوربي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبار. 30 حزيران 2015.
http://www.europarabct.com/index.php/edu/1563-2015-06-30-09-43-36
4- أنظر على سبيل المثال: “فصائل معارضة تهاجم مواقع لقوات النظام السوري في مدينة درعا” صحيفة الوسط البحرينية. 25 يونيو تموز 2015 . http://www.alwasatnews.com/4674/news/read/1003033/1.html

انظر على سبيل المثال صحيفتي النيويورك تايمز 5 سبتمبر ورأي اليوم اللندنية 7 سبتمبر

الباحث صفوان داؤد

pers2  

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق