المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الهجوم الأمريكي على إيران ـ الانعكاسات على المشهد الأمني الألماني
أبدى قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بيان مشترك ، استعدادهم لاتخاذ “خطوات دفاعية متكافئة” بهدف “تدمير مصدر قدرة إيران على إطلاق صواريخ ومسيرات”. وأورد البيان أن “قادة الدول الثلاث قلقون حيال الهجمات الصاروخية غير المتكافئة والعشوائية التي تشنها إيران على دول المنطقة” ردا على الضربات الأميركية والإسرائيلية التي تستهدفها. وأضاف البيان “اتفقنا على العمل مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة بشأن هذا الأمر”.وأشار البيان إلى أن الخطوات ربما تتمثل في تمكين اتخاذ إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة لتدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من مصدرها.
تسعى ألمانيا في أعقاب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إلى تحديد موقفها من هذه القضية. لا يستطيع المستشار إخفاء شكوكه، لكنه في الوقت نفسه لا يرغب في توجيه اللوم إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. أشار المستشار الألماني فريدريش ميرز في الأول من مارس 2026 إلى مخاطر الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران. وقال: “تهدف الضربات العسكرية إلى وضع حد للمناورات التخريبية لنظام منهك. وهذا لا يخلو من المخاطر”. متابعا: “من غير المعروف إلى أي مدى ستؤدي الهجمات الإيرانية المضادة العنيفة إلى تصعيد الوضع في المنطقة. ومن غير المعروف ما إذا كانت خطة إحداث تغيير سياسي من الداخل عبر الضربات العسكرية الخارجية ستنجح”. شنت إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية وصاروخية على أهداف في إيران، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى ورئيس الدولة آية الله علي خامنئي. وردت طهران بشن هجمات على إسرائيل وأهداف في منطقة الخليج، حيث تتواجد قواعد عسكرية أمريكية. دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشعب الإيراني إلى الإطاحة بالحكومة بعد بدء الهجمات. وقال مخاطبا 90 مليون شخص: “عندما ننتهي، تولوا زمام الأمور”.
ميرز يستذكر أفغانستان والعراق وليبيا
أعرب ميرز عن تشككه، مشيرا إلى التدخلات العسكرية السابقة. وقال: “من الصعب فهم الديناميكيات الداخلية في إيران”. وأضاف أن المقارنة مع التدخلات الغربية في أفغانستان والعراق وليبيا غير دقيقة تماما. لكنها تظهر مدى واقعية المخاطر على المدى المتوسط. وسنتحمل نحن في أوروبا وألمانيا أيضا عواقب ذلك”. أعقب التدخل العسكري الدولي في أفغانستان، الذي انتهى بعد عقدين من الزمن، عودة حركة طالبان إلى السلطة. وأعقب غزو العراق من قبل الولايات المتحدة والحلفاء صعود تنظيم داعش. كما انزلقت ليبيا هي الأخرى إلى سنوات من الحرب الأهلية بعد تدخل عسكري.
التصنيفات القانونية الدولية لها تأثير ضئيل نسبيا
أدلى ميرز بتصريحاته عقب اجتماع مجلس الأمن القومي في المستشارية. وكما في رد فعله الأولي، امتنع عن توجيه انتقادات مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدا رغبته في تجنب إلقاء المحاضرات عليهما. كما أوضح أن مسألة ما إذا كان الانتشار مشمولا بالقانون الدولي تعد حاليا ذات أهمية ثانوية بالنسبة له. وقال: “لن يكون للتصنيفات بموجب القانون الدولي تأثير يذكر، لا سيما إذا بقيت دون عواقب تذكر”. وأشار إلى أن إدانة انتهاكات إيران للقانون الدولي، وحتى فرض عقوبات واسعة النطاق، لم تحقق سوى القليل على مر السنين والعقود. وأضاف: “يعود ذلك كذلك إلى عدم رغبتنا في فرض مصالحنا الأساسية، حتى بالقوة العسكرية إن لزم الأمر. لذا، ليس هذا هو الوقت المناسب لتوجيه اللوم لشركائنا وحلفائنا”. وعلى الرغم من أي تحفظات، فإن ألمانيا تتشارك معهم في العديد من الأهداف.
تحدث لوكا ترينتا، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سوانسي بالمملكة المتحدة، إلى DW حول مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وسط هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيران. لا تزال الولايات المتحدة تفرض حظرا رسميا على عمليات الاغتيال. ومع ذلك، استخدمت واشنطن الدفاع عن النفس كمبرر لتحدي هذا الحظر منذ أواخر الثمانينيات في عهد رونالد ريغان. وأشار إلى أن “الحكومة الأمريكية تنسب لنفسها الفضل الكامل في هذا الاغتيال، وكذلك ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي”. وتابع: “يجب القول إنه حتى الآن، لم تُظهر إدارة ترامب، عندما نفذت ضربات عسكرية أو عمليات عسكرية، اهتماماً كبيراً بتبرير سلوكها وفقاً لمعايير القانون الدولي.”
أضاف ترينتا إن عملية القتل تتعارض مع نصيحة وكالة المخابرات المركزية بأن مثل هذه الاغتيالات ” قد تؤدي إلى ظهور قادة إيرانيين أكثر تطرفا” وأن التاريخ الماضي أظهر أن تغيير النظام نادرا ما يحقق النتائج التي يرغب بها أولئك الذين يقومون به. أوضح ترينتا: “أعتقد أنه ينبغي علينا أن نشعر بالقلق، فنحن نشهد تصعيدا في عمليات الاغتيال في السياسة الدولية. وأعتقد أننا نشهد كذلك ظهور شكل قاسٍ من التدخلات الأجنبية دون أي اعتبار للقيود القانونية المحلية أو الدولية”.
ميرز ينتقد إيران
انتقد ميرز إيران مجددا بعبارات لا لبس فيها، مؤكدا أن “نظام الملالي نظام إرهابي ـ حسب قوله ـ، مسؤول عن عقود من قمع الشعب الإيراني.”، في إشارة إلى القيادة الإيرانية الحالية. وتشعر الحكومة الألمانية “بالارتياح الذي يشعر به الكثير من الإيرانيين لاقتراب نهاية هذا النظام.”. كما تشارك الولايات المتحدة وإسرائيل الاهتمام بـ”إنهاء إرهاب هذا النظام ووقف برنامجه النووي والصاروخي الخطير”. لم تشارك ألمانيا في الضربات العسكرية. وقد أبلغت الحكومة الألمانية بالهجمات الإسرائيلية مسبقا. كما تحدث ميرز هاتفيا مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ولا توجد معلومات حتى الآن عن مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. مع ذلك، سيسافر ميرز إلى الولايات المتحدة خلال مارس 2026 للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد تم التخطيط لهذه الرحلة منذ فترة.
كلينغبايل لإنهاء حكم النظام الإيراني
أعرب العديد من السياسيين الألمان عن تأييدهم للتغيير في إيران. وصرح نائب المستشار لارس كلينغبايل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD قبل انتشار خبر اغتيال خامنئي: “نتفق مع شركائنا الدوليين على ضرورة عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، وأن ينتهي الاستبداد للنظام الإيراني عاجلا لا آجلا”. كتب ماركوس سودر، زعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU، على منصة إكس في الأول من مارس 2026، أن التدخل الحازم من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل يتيح أخيرا التغيير المأمول في إيران. وأضاف: “بعد عقود من الحكم القمعي لنظام إرهابي، باتت هناك فرصة للحرية واحترام حقوق الإنسان”. وقالت زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر، كاتارينا دروج، إن أفكارها مع الشعب الإيراني، الذي لديه “رغبة مبررة تماما في إنهاء النظام والحق في حياة آمنة وحرة.”.
انتقادات من حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار بشأن الهجمات
انتقد حزب اليسار الهجمات. وقال سورين بيلمان، رئيس الكتلة البرلمانية، إن الولايات المتحدة وإسرائيل بذلك “تشعلان فتيل حرب ستكون لها عواقب وخيمة على الشرق الأوسط وخارجه.”. وأعلنت أليس فايدل وتينو خروبالا، رئيسا الكتلة البرلمانية لحزب البديل من أجل ألمانيا: “إن زعزعة استقرار الشرق الأوسط مجددا ليست في مصلحة ألمانيا، ويجب إيقافها”.
انعكاس التصعيد على الوضع الأمني
ردا على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، استهدفت إيران قواعد عسكرية في العراق والأردن حيث تتمركز القوات المسلحة الألمانية. وذكرت مجلة دير شبيغل أن إيران أطلقت عدة صواريخ وطائرات مسيرة على قاعدة متعددة الجنسيات قرب مطار أربيل شمال العراق ، وعلى معسكر ميداني عسكري ألماني في الأزرق شرق الأردن. تم تحييد جميع الصواريخ والطائرات المسيرة بواسطة الدفاعات الجوية. حتى قبل اندلاع الحرب، كانت القوات المسلحة الألمانية قد استعدت لهجمات انتقامية من إيران. وبشكل خاص في شمال العراق، حيث يدعم الجيش الألماني تدريب قوات الأمن المحلية، تم تقليص عدد الأفراد الألمان إلى الحد الأدنى. وبمجرد توفر خيار آمن، سيتم تقليص عدد الجنود في الأردن.
سادت عقب اندلاع الحرب الجديدة مع إيران مخاوف من انعكاس هذا التصعيد على الوضع الأمني في ألمانيا. وحذر فيليكس كلاين، مفوض الحكومة الألمانية لمكافحة معاداة السامية، من خطر وقوع هجمات، قائلا: “بعد الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يجب أن نفترض وجود تهديد متزايد للحياة اليهودية في ألمانيا”. وأضاف كلاين أنه يرى أن من المتوقع أن “تستخدم إيران شبكاتها داخل البلاد لتنفيذ هجمات إرهابية ضد منشآت يهودية وإسرائيلية خاصة بعد مقتل الزعيم الديني رأس النظام الإيراني علي خامنئي”، وفق تعبيره. وأردف: “لقد شهدنا مرارا في الماضي الآلية التي تربط بين تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وزيادة الهجمات على الحياة اليهودية في أوروبا”.
دعا مارك هنريشمان، رئيس لجنة البرلمان الألماني للرقابة على الاستخبارات، إلى توخي الحذر. وقال السياسي المنتمي لحزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي: “لا يمكن استبعاد اتخاذ إجراءات انتقامية، بما في ذلك عبر خلايا إيرانية نائمة في أوروبا”. وزعم أن “النظام الإيراني أظهر مرارا في الماضي أنه يمارس إرهابه خارج حدوده أيضا”، مشيرا إلى أن “المنشآت الإسرائيلية واليهودية والأمريكية تحديدا تعد منذ سنوات هدفا لمثل هذه التهديدات”، لكنه رأى في الوقت نفسه أنه “ليس هناك ما يدعو إلى الذعر بفضل إجراءات الحماية القائمة.”.
صرحت وزارة الداخلية الاتحادية ردا على استفسار بهذا الشأن بأن “الأجهزة الأمنية على الصعيد الاتحادي وصعيد الولايات تقوم بتقييم وضع التهديد باستمرار بناء على التطورات الحالية، وهي في حالة يقظة شديدة وتعمل على تعديل تدابير الحماية عند الضرورة”. وأوضح متحدث باسم الوزارة أن حماية المنشآت اليهودية هي مهمة تقع بشكل أساسي على عاتق الولايات الألمانية.
النتائج
تشير المعطيات السياسية إلى أن تداعيات الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران لن تبقى محصورة في بعدها العسكري، بل ستفتح مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط، مع انعكاسات مباشرة على أوروبا وألمانيا بشكل خاص. فالسيناريو الأقرب على المدى القصير يتمثل في استمرار حالة الردع المتبادل، مع احتمالات تصعيد محدود ومحسوب لتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة، خاصة إذا أدركت جميع الأطراف كلفة المواجهة المفتوحة.
بالنسبة لألمانيا، ستتجه الأولوية نحو تعزيز الأمن الداخلي ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي، تحسبا لأي تداعيات غير مباشرة، سواء في شكل تهديدات أمنية أو اضطرابات مرتبطة بالسياسات الإقليمية. كما ستسعى برلين إلى الحفاظ على تماسك الموقف الأوروبي، لأن أي انقسام داخل الاتحاد سيضعف قدرته على التأثير في مسار الأحداث أو لعب دور وساطة محتمل في مرحلة لاحقة.
اقتصاديا، يبقى ملف الطاقة عاملا حاسما. فأي اضطراب طويل الأمد في الخليج أو في طرق الملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط التضخمية في أوروبا، وهو ما سيؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي الداخلي. لذلك من المرجح أن تدفع ألمانيا نحو تحركات أوروبية لتأمين الإمدادات وتنويعها بشكل أكبر.
أما على المدى المتوسط، فسيتوقف المسار على تطورات الداخل الإيراني. فإذا أدت الضربات إلى إضعاف بنية النظام وفتح المجال لتحولات سياسية داخلية، فقد تدخل المنطقة مرحلة انتقالية غير مستقرة تحمل فرصا ومخاطر في آن واحد. أما إذا تمكنت طهران من إعادة ترتيب صفوفها، فقد يتكرس نمط جديد من التوتر المزمن، قائم على الردع والتصعيد المتقطع.
تبدو المرحلة المقبلة انتقالا إلى بيئة استراتيجية أكثر هشاشة، حيث ستختبر قدرة أوروبا على الجمع بين الالتزام الأطلسي والسعي إلى دور مستقل يوازن بين الردع والدبلوماسية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115722
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
