خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أصبحت ألمانيا في موقع القيادة فيما يتعلق بالهجرة، كما أوضح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت من الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) في بيانه. فقد دعا وزير الداخلية الاتحادي خمسة من نظرائه الأوروبيين لمناقشة القضايا الملحة المتعلقة بسياسة الهجرة. كانت النتيجة إعلانًا مشتركًا حثّت فيه ألمانيا والنمسا والدنمارك وبولندا وجمهورية التشيك وفرنسا على مواصلة عمليات الترحيل وتشديد سياسة الهجرة. أشاد دوبريندت بالإعلان ووصفه بأنه “إشارة إلى الوحدة والوضوح والالتزام المشترك”. وشارك في المحادثات مفوض الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر.
تمكين الترحيل إلى سوريا وأفغانستان
ينص البيان المشترك على أن “العودة الفعّالة شرط أساسي للثقة في سياسة هجرة أوروبية متوازنة”. ويشمل ذلك عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان. أكد الوزراء على ضرورة أن تكون هذه العمليات “ممكنة”. ارتبطت مغادرة طالبي اللجوء المرفوضين إلى هذين البلدين بعقبات كبيرة حتى يوليو 2025.
غادرت رحلة ترحيل تقل 81 مجرمًا أفغانيًا من لايبزيغ إلى العاصمة الأفغانية كابول في 18 يوليو 2025. صرح دوبريندت: “هؤلاء الرجال مجرمون خطيرون وخطيرون للغاية”. وأضاف أن هناك “مصلحة مشروعة تمامًا للمواطنين في تنفيذ هذه العمليات”. كان هذا أول ترحيل من هذا النوع منذ تولي حكومة الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) الائتلافية السلطة، برئاسة المستشار فريدريش ميرز. نظرًا لحكم طالبان لأفغانستان ونظامها، انتقدت منظمات اللاجئين، مثل “برو أزول”، بشدة عمليات الترحيل إلى أفغانستان.
لا تربط الحكومة الألمانية أي علاقات رسمية بطالبان، وقد تم ترتيب رحلة الترحيل الحالية بوساطة قطرية. أكد دوبريندت: “ألمانيا يجب أن تكون قادرة على تنفيذ عمليات الترحيل في المستقبل حتى من دون شركاء استراتيجيين مثل قطر”. أضاف مجددًا: “لا يحق للمجرمين الخطيرين البقاء في بلدنا”.
العودة إلى البلدان خارج الاتحاد الأوروبي
اتفق وزراء الداخلية على أن ما يُسمى بالدول الثالثة، أي الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ينبغي أن تكون أكثر قدرة على مساعدة من يُطلب منهم مغادرة البلاد. وهذا يعني إمكانية نقل طالبي اللجوء المرفوضين إلى مراكز آمنة خارج الاتحاد الأوروبي في المستقبل.
يجري العمل بالفعل على مستوى الاتحاد الأوروبي على ما يُسمى “مراكز العودة”، وهي جزء من مقترح المفوضية لإصلاح توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العودة. وتُعدّ هذه المراكز مرافق تُنسّق فيها السلطات الوطنية، بالتعاون مع وكالات الاتحاد الأوروبي مثل “فرونتكس”، عمليات العودة وتُعدّها.
يدعو وزراء الداخلية إلى منح تفويض أقوى لوكالة حماية الحدود “فرونتكس”: “في المستقبل، ينبغي منح فرونتكس تفويضًا لتنفيذ عمليات العودة من دول ثالثة مثل دول غرب البلقان”، كما ورد في البيان.
أكد الوزراء على ضرورة التعاون البنّاء مع دول المنشأ والعبور للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية، وشددوا على ضرورة تنفيذ إصلاح نظام اللجوء الأوروبي (CEAS)، المتفق عليه على مستوى الاتحاد الأوروبي، بسرعة وثبات. كما أكدوا ضرورة توفير الاتحاد الأوروبي موارد مالية كافية لهذا الغرض.
مكافحة المهربين وتجار البشر
من المطالب المشتركة الأخرى اتخاذ إجراءات صارمة ضد المهربين والمتاجرين بالبشر. وفي هذا السياق، يدعو وزراء الداخلية مفوضية الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور أكثر فاعلية في إبرام اتفاقيات دولية بشأن تبادل البيانات الشخصية بين “اليوروبول” والدول المعنية، مثل تركيا. يرى وزراء الداخلية أن على سلطات إنفاذ القانون في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التعاون بشكل أوثق مع هذه الدول، كما يطالبون بملاحقة التدفقات النقدية غير المشروعة بشكل أكثر حزمًا.
أكد مفوض الاتحاد الأوروبي برونر أن أوروبا هي التي تقرر من يدخل القارة، وليس المهربون والمتاجرون بالبشر. وأوضح قائلًا: “يجب أن نعيد للناس الشعور بأننا نتحكم بما يحدث في أوروبا”، مشيرًا إلى أن ذلك أمر مهم لمنع الشعبويين من اكتساب المزيد من الزخم. وسيُسرّع إصلاح قانون اللجوء في الاتحاد الأوروبي من إجراءات البت في طلبات اللجوء.
وأشار إلى أنه من غير المقبول أن يُعاد واحد فقط من كل أربعة أشخاص يقيمون بشكل غير قانوني في أوروبا، ومن المتوقع أن يتحسن هذا الوضع مع إصلاح لائحة العودة. كما أكد وزراء الداخلية المدعوون على ضرورة اتباع سياسة تقييدية للجوء والهجرة. وصرح برونو ريتيلو، وزير الداخلية الفرنسي: “أن مكافحة الهجرة غير النظامية أمر بالغ الأهمية للديمقراطية، وأن الشعوب تطالب بذلك”.
بولندا تؤكد رغبتها في أوروبا بدون ضوابط حدودية
أكد وزير الداخلية البولندي، توماس سيمونياك: “إن المهاجرين يُستخدمون كسلاح”. وأضاف: “بيلاروسيا وروسيا تحاولان التأثير على الوضع لتشجيع المهاجرين على القدوم، لذلك ثمّة حاجة إلى تشديد الرقابة على الحدود. وفي الوقت نفسه، أعرب عن رغبته في عودة حرية السفر داخل منطقة شنغن، التي تنتمي إليها معظم دول الاتحاد الأوروبي.
كان سيمونياك يُلمّح إلى تشديد الرقابة على الحدود من الجانب الألماني، والذي أمر به وزير الداخلية دوبريندت بعد توليه المنصب بفترة وجيزة. ومن غير المُرجّح أن يتراجع عن هذا المسار، بل على العكس تمامًا. وأكد دوبريندت: “هذا هو التغيير في السياسة في ألمانيا. هذا هو التغيير في السياسة الذي أعلنته الحكومة الفيدرالية الجديدة”.
تقييم وقراءة مستقبلية
تعكس التطورات في سياسة الهجرة الألمانية تحوّلًا واضحًا نحو نهج أكثر تشددًا، مع سعي برلين لتولي زمام المبادرة الأوروبية في ملف الهجرة.
التوافق الذي أُعلن بين ألمانيا وخمس دول أوروبية أخرى يشير إلى رغبة جماعية في إعادة فرض السيطرة على الحدود ومواجهة التحديات المتزايدة للهجرة غير النظامية.
أصبح الترحيل إلى دول مثل أفغانستان وسوريا، رغم المخاوف الحقوقية، جزءًا من خطاب واقعي جديد يركّز على “الردع” وتعزيز الثقة في النظام.
يُنظر إلى الدعوة لتفعيل مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي وتوسيع صلاحيات “فرونتكس” كمؤشرات على تحول جذري في منطق التعامل مع اللاجئين من نهج الاستقبال إلى نهج الحماية الخارجية.
تُظهر التصريحات المشتركة تركيزًا متصاعدًا على محاربة شبكات التهريب وتعزيز التعاون مع دول العبور والمنشأ.
من المرجح أن هذا الاتجاه سيقود إلى مزيد من التوتر بين المواقف الحقوقية والمصالح الأمنية، خاصة مع تزايد الضغوط السياسية الداخلية في الدول الأوروبية.
بالنظر إلى الديناميات الحالية، يبدو أن سياسة اللجوء الأوروبية ستشهد خلال السنوات المقبلة مزيدًا من التقييد والانضباط تحت شعار “التحكم بدلاً من الفوضى”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106302
