المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة ـ إلى أين تتجه سياسات اللجوء في ألمانيا؟
انخفض عدد طلبات اللجوء المقدمة لأول مرة في أبريل 2026. وكشف وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت عن “تحول إيجابي في ملف الهجرة”. ففي أبريل 2026، انخفض عدد المتقدمين بطلبات اللجوء الأولى في ألمانيا بشكل ملحوظ مقارنة بالشهر نفسه من العام 2026. ووفقًا لبيانات وزارة الداخلية الاتحادية، تلقى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين 6144 طلبًا للحماية في أبريل من العام 2026 الماضي، أي أقل بنحو الثلث مقارنة بشهر أبريل من العام 2025، حين سجل المكتب 9108 طلبات لجوء أولى.
آخر انخفاض في عدد طلبات اللجوء في العا2013
بحسب مجلة دير شبيغل، كان آخر انخفاض في عدد طلبات اللجوء الجديدة مقارنة بشهر أبريل في يونيو من العام 2020. في ذلك الوقت، وخلال أزمة فيروس كورونا، انخفض عدد اللاجئين الوافدين إلى ألمانيا بشكل ملحوظ. وباستثناء أزمة فيروس كورونا، سجل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) آخر انخفاض في عدد طلبات اللجوء الجديدة في عام 2013. يعكس التطور في ألمانيا اتجاهًا أوروبيًا واسع النطاق: ففي عام 2025، تم تسجيل ما يقرب من 780200 طلب لجوء في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو الخمس مقارنة بالعام 2025.
شدد وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي CSU الرقابة على الحدود في مايو العام2025، وهي الرقابة التي كانت وزيرة الخارجية السابقة نانسي فايزر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD قد وسعتها لتشمل جميع الحدود البرية الألمانية. كما أصدر تعليماته للشرطة الاتحادية الألمانية بإعادة طالبي اللجوء، باستثناء المرضى والنساء الحوامل وغيرهم ممن يحتاجون إلى مساعدة خاصة.
تحول في طلبات الهجرة
يرى الوزير أن انخفاض أعداد طالبي اللجوء قد أثبت صحة نهجه، إذ يقول: “لقد حوّلنا موجة الهجرة إلى انقلاب في مسارها”. وتركز الحكومة الفيدرالية على ضبط الهجرة، وهي بصدد إبرام اتفاقية هجرة جديدة في أوروبا “للحدّ من أعداد المهاجرين غير الشرعيين”. يدخل قانون إصلاح اللجوء الأوروبي حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026. وقد كان هذا القانون موضوع مفاوضات استمرت لسنوات. وفي خلال عامي 2025 و2026، اتفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على قواعد إضافية أكثر صرامة. وتشمل هذه القواعد، على سبيل المثال، تسهيل ترحيل الأفراد إلى دول ثالثة لا تربطهم بها أي صلة.
كان يُشترط على طالبي اللجوء وجود صلة وثيقة بالدولة الثالثة، كأن يكون ذلك من خلال أفراد الأسرة أو الإقامة لفترة أطول. أما في المستقبل، فسيكون كافيًا وجود اتفاقية بين دولة عضو والدولة الثالثة. تم اعتماد قائمة بما يُسمى ببلدان المنشأ الآمنة، وهي قائمة سارية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. تشمل هذه القائمة دول شمال أفريقيا، بالإضافة إلى كوسوفو، وكولومبيا، ودول جنوب آسيا: الهند، وبنغلاديش. وستُصبح عمليات الترحيل إلى هذه الدول من ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى أسرع في المستقبل، وإن لم تكن تلقائية بالضرورة؛ إذ ستظل طلبات اللجوء قيد الدراسة.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن ملف الهجرة واللجوء في ألمانيا والاتحاد الأوروبي يدخل مرحلة إعادة ضبط هيكلي تتجاوز الحلول المؤقتة نحو سياسات أكثر صرامة واستدامة. الانخفاض الملحوظ في طلبات اللجوء لا يمكن قراءته فقط كمؤشر ظرفي، بل كجزء من تحول أوسع يرتبط بتشديد الرقابة الحدودية، وتوسيع أدوات الردع، وإعادة تعريف مفهوم الحماية الدولية ضمن السياق الأوروبي.
من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه التنازلي في أعداد طلبات اللجوء، خاصة مع دخول قانون إصلاح اللجوء الأوروبي حيز التنفيذ في يونيو 2026. هذا القانون يمثل نقطة تحول مهمة، إذ يمنح الدول الأعضاء أدوات قانونية أوسع لتسريع إجراءات الترحيل، وتقليص فرص الوصول إلى إجراءات اللجوء داخل أراضي الاتحاد.
إن توسيع مفهوم “الدول الثالثة الآمنة” سيؤدي إلى تقليص عدد المقبولين في نظام الحماية، حتى في الحالات التي لا تربط فيها طالبي اللجوء روابط مباشرة بهذه الدول.
من المرجح أن يواجه هذا النهج تحديات قانونية وحقوقية، خاصة من قبل منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الأوروبية، التي قد ترى في بعض الإجراءات تجاوزا للمعايير الدولية الخاصة بحماية اللاجئين. كما أن تطبيق سياسات الترحيل إلى دول ثالثة قد يثير إشكالات دبلوماسية، خصوصًا إذا لم تكن تلك الدول مستعدة أو قادرة على استقبال أعداد كبيرة من المرحلين.
قد تستفيد بعض الدول الأوروبية من تقليص أعداد طالبي اللجوء على المدى القصير من حيث تخفيف الضغط على أنظمة الرعاية الاجتماعية. لكن على المدى الطويل، قد تظهر فجوة في سوق العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد تقليديا على العمالة المهاجرة.
هذا قد يدفع الحكومات إلى تبني سياسات هجرة انتقائية تستهدف الكفاءات، مما يخلق ازدواجية بين تشديد اللجوء وتسهيل الهجرة الاقتصادية.
من المتوقع أن يعزز هذا التوجه موقع الأحزاب المحافظة واليمينية التي تدعو إلى تشديد سياسات الهجرة. في المقابل، قد تتزايد حدة الانقسام الداخلي في بعض الدول بين التيارات الداعمة لحقوق الإنسان وتلك التي تركز على الأمن والسيادة الوطنية. هذا الانقسام قد يؤثر على استقرار الائتلافات الحكومية في عدة دول أوروبية.
أما على المستوى الدولي، فإن تقليص فرص اللجوء في أوروبا قد يؤدي إلى إعادة توجيه مسارات الهجرة نحو مناطق أخرى، أو زيادة الاعتماد على طرق غير نظامية أكثر خطورة. كما قد يضع ضغوطًا إضافية على دول العبور، خاصة في شمال أفريقيا، التي قد تتحول إلى مناطق احتجاز غير رسمية للمهاجرين.
يبدو أن أوروبا تتجه نحو نموذج أكثر انغلاقا في ملف اللجوء، يقابله انفتاح انتقائي في ملف الهجرة الاقتصادية. نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرته في تحقيق توازن بين الأمن والالتزامات الإنسانية، وهو توازن سيظل محل اختبار مستمر في السنوات القادمة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118008
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
