المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
النووي الإيراني ـ هل تقترب المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة؟
انتهت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف دون التوصل إلى نتيجة ملموسة. وكانت المحادثات، التي توسطت فيها سلطنة عمان، قد بدأت في السادس من فبراير 2026. ويُرجّح أن انعقاد الجولة جديدة في جنيف يعود إلى قيام المفاوضين الأمريكيين في الوقت نفسه بإجراء محادثات إضافية هناك مع ممثلين عن أوكرانيا وروسيا. أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قبل بدء المحادثات إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي سافر إلى جنيف برفقة وفد من الخبراء الفنيين، كان مستعدا للبقاء في المدينة “لبضعة أيام أو حتى بضعة أسابيع” لمواصلة المفاوضات حتى يتم التوصل إلى نتيجة. بعد المفاوضات غير المباشرة مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، في مبنى السفارة العمانية، وصف أراغتشي الأجواء بأنها بناءة. أعلن وزير الخارجية أن الجانبين توصلا إلى اتفاقات أساسية، وأعرب عن تفاؤله.
الصراع الجوهري بين الجانبين لايزال قائما
أفادت تقارير بأن إيران تعتزم تقديم مقترحات مفصلة خلال فبراير ومارس 2026 لتقريب وجهات النظر في الصراع النووي مع الولايات المتحدة. وصرح مسؤول أمريكي، طلب عدم الكشف عن هويته، بأن الوفد الإيراني تعهد بذلك خلال محادثات جنيف. ورغم إحراز تقدم، لا تزال هناك تفاصيل كثيرة بحاجة إلى مناقشة. يقول محمد قائدي، وهو عالم سياسي متخصص في العلاقات الدولية في الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن: “عادة ما يكون التفاؤل في المفاوضات جزءا من الخطاب السياسي وقد رافق جولات المحادثات السابقة”. ويؤكد قائلا: “لا يزال الصراع الجوهري بين الجانبين قائما: فالولايات المتحدة لا تقبل بتخصيب اليورانيوم الإيراني ، وهذا خط أحمر بالنسبة لها. أما طهران، بدورها، فلا ترغب في التخلي عن التخصيب. وطالما أن أجهزة الطرد المركزي تعمل، يبقى خيار امتلاك إيران لقدرة ردع نووي قائما. وإذا توقفت هذه الأجهزة، ستفقد إيران هذه القدرة”.
استدعاء للسفير الألماني في إيران
استدعت إيران السفير الألماني المعين، وفقا لبيانها، احتجاجا على ما وصفته بـ”الأنشطة المعادية لإيران” في ألمانيا و”المواقف الهدامة” التي يتبناها سياسيون ألمان، وخلال اجتماع في وزارة الخارجية بطهران، أبلغ أكسل ديتمان، بحسب التقارير، باحتجاج الحكومة الإيرانية. وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية في برلين الاستدعاء، لكنه امتنع عن الإدلاء بمزيد من التعليقات.
هل الهجوم على إيران بات وشيكا؟
أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن الولايات المتحدة ملتزمة التزاما راسخا بمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. وقال رايت على هامش اجتماع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في باريس: “إنهم لا يخفون ما سيفعلونه بالأسلحة النووية”. وأضاف أن هذا “أمر غير مقبول بتاتا”. وستقوم الولايات المتحدة “بإيقاف وردع مسيرة طهران نحو امتلاك أسلحة نووية، بأي طريقة كانت”. تشير تحركات القوات الأمريكية في الشرق الأوسط ، على الأقل مبدئيا، إلى احتمال وقوع هجمات وشيكة على إيران. وبحسب ما ورد في موقع “أكسيوس” الإخباري الأمريكي، نقلا عن عضوين لم يسمهما من حكومة بنيامين نتنياهو، فإن الحكومة الإسرائيلية تستعد لحرب واسعة النطاق ضد إيران.
تشير التقارير إلى أن الاستعدادات ستكتمل خلال 19 و20 فبراير 2026. وتخطط إسرائيل لأكبر صراع ممكن، حيث لا تكتفي الولايات المتحدة بمهاجمة مواقع الصواريخ الإيرانية، بل تسعى أيضا إلى تغيير النظام. بحسب موقع أكسيوس، من المرجح أن تحتاج الولايات المتحدة إلى وقت طويل للاستعداد لهجوم كبير. فيما في غضون ذلك، أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية عن مناورات عسكرية بحرية مشتركة إضافية. مع روسيا في خليج عُمان وشمال المحيط الهندي. وأوضح قائد القوات البحرية حسن مقصودلو أن الهدف من هذه المناورات هو تعزيز التنسيق في مكافحة “الإرهاب البحري” وغيره من التهديدات.
يقول قائدي إنه لا يمكن استبعاد هجوم أمريكي مفاجئ ، على غرار الهجوم الذي وقع في صيف عام 2025. أوضح قائدي إن وزير الخارجية عباس عراقجي أكد في مقال لصحيفة وول ستريت جورنال: “إذا بدأت الولايات المتحدة حربا، فإن إيران ستقاتل بكل الوسائل المتاحة”. من وجهة نظر إيرانية، سيتعين على الولايات المتحدة حينها أن تأخذ في الحسبان احتمالية وقوع هجمات على حقول النفط وما يترتب عليها من ارتفاع في أسعار النفط، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وقد يؤدي هذا إلى تفاقم السخط السياسي الداخلي في الولايات المتحدة والإضرار بالحزب الجمهوري. علاوة على ذلك، فإن مقتل جندي أمريكي واحد في مثل هذا الصراع سيترتب عليه تكاليف سياسية باهظة. فبدء الحرب يقع على عاتق الولايات المتحدة، أما مدة الصراع فهي خارجة عن سيطرتها وتنطوي على مخاطر جسيمة. ومن المرجح أن يكون لهذه الحقيقة تأثير كبير على قرارات الرئيس ترامب. أشارت مصادر حكومية أمريكية إلى أنه على الرغم من إحراز تقدم في محادثات جنيف التي توسطت فيها عُمان، إلا أن العديد من التفاصيل لا تزال عالقة.
النتائج
سيبقى مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال المرحلة القريبة محكوما بمنطق إدارة التصعيد لا حسم الصراع. فاستمرار الخلاف الجوهري حول تخصيب اليورانيوم يعني أن أي تقدم سيكون جزئيا ومؤقتا، ويرجح أن يأخذ شكل تفاهمات مرحلية تهدف إلى كسب الوقت ومنع الانزلاق الفوري نحو مواجهة عسكرية.
من المتوقع أن تواصل طهران تقديم مقترحات تقنية تفصيلية لامتصاص الضغوط الدولية، مع الحفاظ على خطوطها الحمراء المتعلقة بالبنية التحتية النووية. في المقابل، ستسعى واشنطن إلى تشديد أدوات الردع السياسي والعسكري دون الذهاب مباشرة إلى حرب شاملة، خاصة في ظل حسابات داخلية مرتبطة بالانتخابات وكلفة أي انخراط عسكري واسع في الشرق الأوسط.
إقليميا، قد نشهد تصاعدا في الرسائل غير المباشرة، سواء عبر تحركات عسكرية محسوبة أو عبر ساحات نفوذ مختلفة، بهدف تحسين شروط التفاوض. كما أن إسرائيل ستبقى عاملا ضاغطا يدفع نحو تشديد الموقف، مع احتمال تنفيذ عمليات محدودة إذا رأت أن المسار الدبلوماسي لا يحقق أهداف كبح البرنامج النووي الإيراني.
اقتصاديا، سيظل عنصر الطاقة حاسما. فأي تهديد لإمدادات النفط أو للممرات البحرية سيؤدي إلى اضطرابات في الأسواق العالمية، ما قد يفرض على القوى الكبرى التدخل لمنع انفلات الوضع. لذلك يرجح أن يبقى الصراع ضمن سقف مضبوط، حيث يتم تجنب الحرب الشاملة مع استمرار حافة الهاوية كأداة ضغط متبادل.
بصورة عامة، المستقبل القريب مرشح لسيناريو “لا حرب ولا اتفاق نهائي”، بل مسار طويل من التفاوض المتقطع، تتخلله أزمات تكتيكية وتصعيد محدود، إلى أن تتغير موازين القوى أو تتوافر إرادة سياسية قادرة على تقديم تنازلات جوهرية من الطرفين.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115187
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
