المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : هند ناصر السويدي ، أبو ظبي ، دولة الإمارات العربية المتحدة
عالمية ميثاق المدينة المنورة : نظرة في النزاعات الدولية
إنتشار الصراعات حول العالم ، صراعات قائمة وصراعات ذات إحتماالية نشوب عالية ، من بحر الصين الجنوبي ، فرغبة الصين في السيطرة على تايوان تطغوا على المشهد ، منذ العام 2022 والصراع الروسي الأوكراني ذهب نتيجة أعداد لا تحصى من الأرقام من البشر اللذين فقدوا حياتهم ، ماراً بمنطقة الشرق الأوسط والصراع القائم في منطقة الشام بصفة عامة .
في سوريا فقد مليون شخص حياته وملاييين غيره صاروا لاجئين تركوا دورهم وأموالهم وهاموا في الدنيا بحثاً عن الآمان ، وفي السودان تستمر الحرب في الدوران ، ناهيك عن الانقلابات والانفلاتات الأمنية في منطقة وسط أفريقيا ومنطقة الغرب الأفريقي والنزاع بين الهند وباكستان ، والنزاع بين أفغانستان وباكستان والصراع في بحر العرب ومنطقة باب المندب والبحر الأحمر ، ناهيك عن النزاعات العرقية والطائفية داخل الدول ذاتها بين فئة وغيرها فألآف الأرواح ذهبت أدراج الرياح . أمن دولي ـ ما حقيقة المحور العسكري الروسي الصيني؟ بقلم هند ناصر السويدي
ألآف المراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية وقوانين الأمم المتحدة ، وقوات لحفظ السلام تُكلف العالم مليارات الدولارات سنوياً ، فلاسفة ومُفكرين من مختلف الأعراق والجنسيات ساسة وصُناع قرار ، مئات الكتب والمجلدات على رفوف الكتب كلها تناقش كيفية القضاء على النزاعات والصراعات والنتيجة ، نزاعات عسكرية تتصاعد ليس هذا وحسب بل تنبؤات بنشوب نزاعات أخرى ، صراع مرير متزايد في التسلح العسكري ، فالجميع يسعى إلى إمتلاك السلاح الذي يلحق أكبر الضرر بعدوه ، ناهيك عن تراجع أهمية الردع النووي بعد توصل العالم إلى الأسلحة النووية التكتيكية .
المدينة المنورة
المدينة المنورة، التي كانت تعرف قبل الإسلام بـ”يثرب”، لعبت دوراً محورياً في التاريخ الإسلامي منذ هجرة النبي محمد ﷺ إليها عام 622م، والتي تُعد نقطة تحول رئيسية في تأسيس الدولة الإسلامية. استقبل أهل يثرب النبي ﷺ وساهموا في تأسيس مجتمع متماسك يقوم على العدل والتعاون بين المسلمين واليهود، واتفاقيات السلم والمواثيق التي وضعت أسس الحياة المدنية والسياسية. أصبحت المدينة مركزاً للدعوة الإسلامية والإدارة السياسية، حيث أقيم مسجد الرسول ﷺ كرمز للوحدة والتوجيه الروحي، ونُظمت فيها أحكام المعاملات، والعقوبات، ونظام الدفاع عن المجتمع، ما جعلها أول دولة إسلامية متكاملة ذات مؤسسات سياسية، اجتماعية، وعسكرية، كما شكلت مركزاً للتخطيط العسكري والدعوي خلال حياة النبي ﷺ، وما زالت تحتفظ بمكانتها التاريخية والدينية حتى اليوم. مكافحة الإرهاب – تمدد النشاط الإرهابي في أفريقيا، تحديات المواجهة. بقلم هند ناصر خلفان السويدي
مفهوم التعايش السلمي في الإسلام
لقد تجسّد مفهوم التعايش السلمي في الإسلام خلال حياة النبي محمد ﷺ بوضوح في تعاملاته مع مختلف المجموعات الدينية والقبلية في المدينة المنورة. فقد أقام النبي ﷺ نظاماً اجتماعياً وسياسياً يعتمد على العدل والاحترام المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين، وخاصة مع اليهود والمشركين، من خلال ما يُعرف بـ”صحيفة المدينة” التي نصّت على حقوق وواجبات جميع سكان المدينة بغض النظر عن انتمائهم الديني، وضمنت الأمن والحماية للجميع، وشجعت على التعاون في الدفاع عن المدينة وحل النزاعات بطريقة سلمية. كما كانت مبادئ التسامح والاعتدال والتفاهم هي القاعدة في العلاقات اليومية، حيث رعى النبي ﷺ حريات العبادة وحماية الممتلكات، وشجع على الحوار واحترام العقائد المختلفة، مما جعل المدينة نموذجاً عملياً للتعايش السلمي بين مختلف الثقافات والأديان في مجتمع متنوع ومترابط. وفق ما سبق تظل هناك العديد من التساؤلات المطروحة :
هل أصبح الفكر الإنساني والبشري عقيماً عن توليد الحلول التي تساهم في القضاء على هذه النزاعات ؟
نحن نعلم جميعاً أن الصراعات ستكون قائمة ما دامت الحياة تسير ، لكن بالعودة قليلاً في تاريخ البشرية وتحديداً إلى المدينة المنورة سنجد أن هناك طاقة أمل ظهرت في كيفية التعامل بين الإختلافات البشرية في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والدينية ، إلا على الرغم من ذلك نجد بروز شخصية ليست أكاديمية أو تملك من المؤهلات العلمية ما يمتلكه عتاة السياسة والإدارة في هذه الأيام بل النص الصريح ” أنه أُمي ” .
كيف تمكن هذا الشخص الأمي من تحقيق ما يطمح إليه العالم من تحقيقه في هذه الأيام على الرغم من ذلك التعدد الذي كان متواجد حينذاك ، وكيف تمكن من تحقيق معادلة التعايش بتسامح بين الجميع .في يوم الجمعة 12 ربيع الأول للعام الأول للهجرة الموافق 27 سبتمبر من العام 622 ميلادية وصل النبي محمد ( ﷺ( إلى المدنية المنورة واضعاً أمامه إستراتيجية للتعايش بين الجميع ذات محورين ، أولهما التعامل بين الوافدين الجدد وأهل المدينة من المسلمين ، ثانيهما التعامل بين المسلمين بصفة عامة وذوي الديانات الأخرى .
ولا سيما وأن مجتمع المدينة أنذاك كان ذو صبغة عربية يهودية فمن القبائل العربية الأوس والخزرج ومن القبائل اليهودية بنو قريظة وبنو قينقاع وبنوالنضير .فيما يتعلق بالمحور الأول ، فقد عمد رسول الله (ﷺ) إلى تحقيق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وحدث بينهم المشاركة التي تعد مضرب للمثل إلى وقت الناس هذا ، فتشاركوا في المال والتجارة وقد ساهمت هذه الخطوة في تماسك المجتمع وتحقيق الترابط بين مكوناته بين الوافد والقائم. أمن دولي ـ التجربة الصفرية، تداعيات التحركات الروسية على تماسك حلف الناتو
المحور الثاني في استراتيجية النبي محمد (ﷺ) هو تحقيق التعايش بين المسلمين بصفة عامة وغيرهم من ذوي الديانات الأخرى وعلى رأسهم أصحاب الديانة اليهودية ، فقد قام بوضع ما يعرف تاريخياً بــــــــ ” ميثاق المدينة ” .
من خلال هذا الميثاق والذي تطرق في البداية إلى:
- مفهوم الأمة والذي لم يجعلها قاصرة على المسلمين وحسب بل إمتد مفهوم الأمة ليشمل الجميع فهي تضم المسلمين من مهاجرين وأنصار وأيضاً المتحالفين بحيث يكونوا الوحدة السياسية التي تميزهم عن غيرهم .
- مسألة الحقوق والواجبات فقد نص الميثاق على أن كل طائفة أو قبيلة مسؤولة المسؤولية التامة عن شؤونها الداخلية سواء في الدية أو في الأسر وأيضاَ في حل المشكلات الداخلية ما لم يثبت تعاون جماعي .
- ضمان الحرية الدينية ، فلكل طائفة مثل اليهود أن تحتفظ بدينها مع احترام التعايش بين الجميع .
- المواطنة والمساواة : نص الميثاق على أنه لا تمييز بين أحد في الحقوق الأساسية الدفاع أو المال أو الدماء بل أن الجميع في ” صحيفة واحدة”.
- الالتزام بالدفاع المشترك وحماية المدينة ، ففي حالة وقوع هجوم على المدين فيكون الجميع مشترك في الدفاع عن المدينة.
- التحاكم إلى حكم مشترك في حالة النزاع الداخلي : في الخلافات أو القضايا ، يتم الرجوع إلى شريعة العدالة والمساواة وليس إلى القوانين القبلية.
أن نموذج التعايش الذي شهدته المدينة المنورة لا نقصد أن نصفه بالمدينة الفاضلة ، فقد هناك التجاذبات والقبائل المختلفة والمصالح المختلفة ففي النهاية النفس البشرية واحتياجات البشر هي المحرك الأساسي فهناك الراغب في توسيع تجارته والراغب في توسيع نفوذه السياسي ، إلا أن الجديد في الأمر حينذاك هو قدرة القائد على السيطرة على كل هذه الرغبات من خلال وضع القانون الواجب اتباعه من قَبل الجميع ، وهذا القانون هو الذي مكن من ترسيخ التعايش والتسامح والمؤاخاة بين الجميع .
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=112709

