اختر صفحة

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

الناتو يشهد تراجعا داخل اوروبا،امام موجة التيارات الشعبوية

يوليو 17, 2018 | أمن دولي, دراسات, دفاع

هل ستكتسح الموجة الشعبوية حلف الناتو والاتحاد الأوروبي؟

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الناتو ـ إن صعود التيارات الشعبوية المناهضة للنظام في مختلف أنحاء العالم الغربي هو واقع لا يمكن إنكاره. بدءًا من الوعد الذي تعهد به “دونالد ترامب” خلال الانتخابات بـ “تجفيف المستنقع” في واشنطن، مرورًا بتصويت المملكة المتحدة على خروجها من الاتحاد الأوروبي، إلى صعود بعض الحركات مثل حركة “النجوم الخمسة” في إيطاليا على اليسار وحركة “البديل من أجل ألمانيا” في ألمانيا على اليمين، يبدو جليًا أن هناك ميلاً قويًا إلى رفض المعتقدات القديمة وكذلك النخب السياسية والمؤسسات.

يمكن للمرء مناقشة الأسباب، وهناك بلا شك تفاصيل دقيقة مختلفة تحكم اللعبة في أوروبا بالمقارنة بالولايات المتحدة، بل ومقارنةَ بأجزاء مختلفة من أوروبا. الحقيقة الواضحة، بالرغم من ذلك، هي أن موسكو تشجّع هذه الموجة بكل قوة ليس فقط لأنها تمثل تحديًا لدعائم النظام العالمي الليبرالي الذي يتبنى قيم ما بعد عام 1945، بل أيضًا لأنها تشكل تهديدات أمنية حقيقية لأوروبا.

انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي

بالرغم من أنه من السهل انتقاد الاتحاد الأوروبي بسبب الإجراءات المتباطئة والسياسات العقيمة التي ينتهجها، إلا أنه يمثل أيضًا ركيزة أساسية من ركائز منظومة الأمن في القارة. يكمن جزء من التحدي الخاص الذي يواجه الاتحاد الأوروبي في كونه ليس مجرد ضحية للموجة الشعبوية، بل أيضًا أحد الأسباب التي دفعت إلى ظهور هذه الموجة.

يرى أشد المتعصبين للاتحاد الأوروبي في بروكسل أن تصويت المملكة المتحدة على خروجها من الاتحاد الأوروبي يعني أن هذا هو الوقت المناسب لتعزيز الاندماج في الاتحاد الأوروبي وتسريع وتيرته؛ أما بالنسبة للمتشككين في جدواه بالفعل، فإن الأمر يتيح لهم التفكير في المزيد من “سبل الخروج”. حقوق الطبع والنشر © لوكالة رويترز للأنباء

يتمثل أحد الدوافع القوية للمشكلة في وجود اعتقاد راسخ -لا يعتمد على مبررات مكتملة- بأن نخبة بروكسل ملتزمة بمشروع وحدة سياسية لا يتماشى مع مصالح وطموحات جماهير الناخبين القومية. وبالرغم من أن تحولات وانعطافات السياسة البريطانية في مرحلة ما بعد الاستفتاء لا تحمل معالم واضحة (لا يوفر شعار “الالتزام بنتائج التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي” برنامج عمل مفصل)، فقد أدت احتمالية انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي مع ذلك إلى تفاقم المشكلة. بالنسبة إلى أشد المتعصبين للاتحاد الأوروبي في بروكسل، يعني انسحاب خصمهم الألد من تلقاء نفسه أن هذا هو الوقت المناسب لتعزيز الاندماج وتسريع وتيرته. أما بالنسبة للمتشككين في جدواه بالفعل، فإن الأمر يتيح لهم التفكير في المزيد من “سبل الخروج”.

إن الأمر لا يقتصر على كونه مجرد مشكلة سياسية واقتصادية فحسب. إذا كان هناك درس مهم مستفاد من المناقشات الحالية حول طريقة روسيا في الحرب—سواءً كنا نطلق عليها حربًا مختلطة، أو غير مباشرة، أو غير متكافئة— فهو أن الصراع في القرن الحادي والعشرين لا يقل شراسةً في عالم السياسة والروح المعنوية والاقتصاد والحكم عنه في ميدان المعركة. في حين يظل حلف الناتو التحالف العسكري الذي لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال من الأحوال، يستطيع الاتحاد الأوروبي الاضطلاع بدور بالغ الأهمية في جميع تلك المجالات الواقعة خارج اختصاص حلف الناتو.

يعكف الاتحاد الأوروبي في المرحلة الراهنة بالفعل على تطوير دوره الأمني، بالرغم من أن عملية التطوير هذه لا تزال منحصرة، إلى حد كبير، في مرحلة التصريحات أكثر من التنفيذ. إن هياكل القيادة الأوروبية الموازية ليست بحاجة إلى تكرار الدور الذي يضطلع به حلف الناتو أو تقويضه—رغم أن بإمكانها القيام بذلك، وبالتالي الحصول على تأييد موسكو. لكنها تمثل كذلك مبادرة طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تأكيد نزعات الوحدة أكثر من تعزيز القوات الموجودة على الأرض.

يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى التركيز على أولويتين متوازيتين، لا سيما في ظل خروج المملكة المتحدة التي تمتلك أكبر ميزانية عسكرية في أوروبا: الأولوية الأولى هي زيادة الأمن “غير الحركي” وتحسين إجراءات الحماية المالية والسياسية وإجراءات مكافحة التجسس المشتركة؛ والأولوية الثانية هي تشجيع الدول الأعضاء على تخصيص موارد كافية لجيوشها الوطنية. بيد أنه في حالة تفكك الاتحاد الأوروبي أو تضاؤل أهميته، فستكون الدول المنفردة في الأغلب أقل استعدادًا وقدرةً بكثير على تلبية هذه الاحتياجات.

حلف الناتو في قلب المشكلة

يواجه حلف الناتو تحديات مختلفة عن تلك التي يواجهها الاتحاد الأوروبي. بالرغم من أن حلف الناتو يمثل باستمرار هدفًا مفضلاً لفئات الشعبويين، بما في ذلك السياسية الفرنسية “مارين لوبان”، فإن الأمر لا يرقى عمومًا إلى وجود حركة تدعو إلى انسحاب الدول أو حل التحالف.

بل تركز النقاشات الدائرة على حاجة الأعضاء الجدد المحتملين، لا سيما السويد وفنلندا، إلى الانضمام، ومدى استعداد الدول لزيادة ميزانياتها المخصصة لمجال الدفاع إلى نسبة 2% من الناتج الإجمالي المحلي، وهي النسبة التي يعتبرها حلف الناتو الحد الأدنى الأساسي. في الواقع، فإن بعض الشعبويين اليمينيين مثل حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا يؤيدون الحلف بشدة. (وصلت بولندا بالفعل إلى نسبة 2%، بل وتعهدت بتجاوز هذه النسبة.)

على ضوء ما تقدم، فإن التحدي الشعبوي الأوروبي الذي يواجه حلف الناتو يرتبط في الغالب بالجانب التنفيذي أكثر من كونه مرتبطًا بوجود الحلف وبقائه. يرى البعض، لا سيما أولئك في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، أن التهديد الأكبر ينبع من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وليس من روسيا، ويتشككون في جدوى التركيز الحالي على قوات الشرطة الجوية بمنطقة البلطيق وعمليات نشر القوات المزمعة على طول

الحدود الشرقية

في غالبية الأحيان، تميل الدول إلى الاكتفاء الذاتي. فقد أفاد استطلاع للرأي صادر عن مركز أبحاث “بيو” في عام 2016 أن الأغلبية العظمى في العديد من الدول الأوروبية— 83٪ في اليونان، و77٪ في المجر، و67٪ في إيطاليا، و65٪ في بولندا ـ ترى أنه ينبغي ترك مطلق الحرية للدول الأخرى في التعامل مع مشكلاتها الخاصة. لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن تصل الحكومات الشعبوية إلى سدة الحكم في ثلاث من هذه الدول الأربعة، في حين أصبحت حركة النجوم الخمسة في إيطاليا، في وقت كتابة هذا التقرير، منافسًا نديًا للحزب الديمقراطي في استطلاعات الرأي. تقوم رسالة التيارات الشعبوية في جوهرها على العداء للتحالفات والالتزامات المشتركة.

بطبيعة الحال، يبقى أن نحلل طبيعة التحدي الشعبوي النابع من الولايات المتحدة. خلال حملته الانتخابية، وجه “دونالد ترامب” انتقادات لحلف الناتو واصفًا إياه بأنه “حلف عتيق” ومشككًا على وجه الخصوص في أي التزام من جانب الولايات المتحدة بحماية الدول الأعضاء التي تحجم عن تقديم ما اعتبره إسهامات كافية للدفاع عنها. على الجانب الآخر، فقد أعرب عن التزامه تجاه حلف الناتو في مناسبات أخرى، وأنه ملتزم بسياسة الكونجرس والأجهزة الحكومية التي تدعم بشكل كبير دور الولايات المتحدة المستمر والإيجابي في الحلف. على أرض الواقع، لا يُمثل التهديد الشعبوي الذي يواجه حلف الناتو من منطقة عبر الأطلسي انسحابًا بل هو حالة من عدم الاهتمام: فحكومة الولايات المتحدة ترى أن مصلحتها الحقيقية تكمن في العلاقات الثنائية، ربما حتى مع روسيا، وليس في المشاركة متعددة الأطراف.

الجوانب الإيجابية للمشكلة

مع اكتشاف البريطانيين لجوانب المشكلة، سيكون التعهد بعدم المشاركة أسهل من تنفيذ التعهد على أرض الواقع. علاوة على ذلك، فلن تتحول جميع التعهدات الانتخابية إلى سياسات يتم تنفيذها، لا سيما إذا كانت تلك التعهدات تهدد بنسف سياسات مطبقة منذ عقود. وفي كل الأحوال، فمن المهم عدم الاستسلام للشعور بالعجز المتراكم: إن السبيل الوحيد لتفادي ذلك هو نقل محور النقاش من التركيز على ما إذا كانت هذه التحالفات تواجه خطر حلها إلى التركيز على تحديد أفضل السبل لإدارة هذه العملية.

إلى جانب ذلك، فمن الممكن، على النقيض، أن تكون التحديات الجديدة مثمرة على المدى الطويل. إن التحدي الذي يواجه حلف الناتو يجبر الحلف على شحذ رسالته بشأن القيمة التي يمثلها لجميع أعضائه. إضافةً إلى ذلك، مع غياب الضمانات السهلة التي تقدمها الولايات المتحدة، سيكون على الدول الأوروبية انتهاج استراتيجية أكثر جدية بشأن الدفاع عن نفسها. (من بين الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 28 دولة، هناك 22 منها أعضاءً كذلك في حلف الناتو).

يعادل الناتج الإجمالي المحلي لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة أقل من 17 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يقل عن الناتج الإجمالي المحلي للولايات المتحدة بقيمة تربو قليلاً على تريليون دولار. لكن الفرق في الميزانيات العسكرية غير متناسب: يبلغ إجمالي نفقات الاتحاد الأوروبي 219 مليار دولار أمريكي تقريبًا مقارنةً بنفقات الولايات المتحدة التي تعادل 618.7 مليار دولار أمريكي.

من الواضح أن أوروبا ستكون قادرة على تعويض العجز الناتج عن أي تخفيض لحجم الدعم المقدم من الولايات المتحدة، ولكن لن يكون ذلك ضروريًا، لا سيما مع عدم التعامل مع روسيا التي لن تستطيع إنفاق سوى 43 مليار دولار أمريكي على جيشها. (بطبيعة الحال، فإن المقارنة غير مباشرة، لأسباب أقلها أن النظام الاستبدادي يستطيع القيام بالكثير باستخدام ميزانية أقل، ولكن ليس إلى هذا الحد.)

بأي حال من الأحوال، فإن القضية لا تتعلق بمجرد التكافؤ في أعداد الجنود والعتاد. كما سبقت الإشارة أعلاه، فإن التحديات الأمنية الحديثة “غير المباشرة” تتعلق بشكل أكبر بالحكم على أساس امتلاك القوة القتالية. تسعى موسكو في الوقت الراهن إلى فتح الثغرات الموجودة حاليًا في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من الأساليب غير الحركية تشمل التجسس والاختراق، والتضليل الإعلامي، والتمويل السري للحركات السياسية المهمة. وغالبًا ما يقع اختيارها على الحركات الشعبوية كحلفاء وأدوات تُستخدم لهذا الغرض، نظرًا لرفض هذه الحركات للمؤسسات والمعايير القائمة، بل وحتى للمفاهيم الأساسية التي يقوم عليها النظام العالمي الحديث.

إذا اختار الاتحاد الأوروبي التظاهر بأن بقائه هو مجرد مسألة الهدف منها تحسين العلاقات العامة، أو مضاعفة جهود الاتحاد، فإنه سيواجه مستقبلاً شائكًا. ومع ذلك، فإن إحدى الطرق التي يستطيع من خلالها الاتحاد الأوروبي إعادة التأكيد على أهميته هي أن يصبح قوة نافذة في مساعدة الدول الأعضاء على الدفاع عن نفسها في مواجهة التحديات غير الحركية. إذا تم التعامل مع هذه القضية بالشكل السليم، فإنها قد تمثل دراسة حالة عن مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على خلق أوجه تضافر ودعم أعضائه بدلاً من السعي إلى فرض وجهة نظر بروكسل. ولن يسهم ذلك في تعزيز الأمن الأوروبي وردع العدوان الروسي فحسب، بل سيحرم التيارات الشعبوية كذلك من بعض أدواتها التي تهدف إلى النيل من الاتحاد الأوروبي.

لا شك أن التيارات الشعبوية تمثل تحديًا لمؤسسات العالم الغربي، بما في ذلك حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك فإن المفهوم السائد القائل بأن التحدي هو أيضًا فرصة للتغيير هو مفهوم صحيح في هذه الحالة. من خلال التصدي للانتقادات الصادرة عن التيارات الشعبوية، تستطيع كلتا المنظمتين القيام بالمزيد من الإجراءات لتجديد نفسها، وتعزيز الأمن الغربي في عصرٍ أصبحت فيه التهديدات السياسية لا تقل خطورة عن التهديدات العسكرية.

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك