المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو ـ هل يهدد الانقسام عبر الأطلسي الالتزام بالدفاع الجماعي ؟
مع تصعيد الرئيس الأمريكي لتهديداته بتدمير إيران، هل ينتهي تماسك حلف الناتو؟، يقول سفير أمريكي سابق إن الحلف “لم يمت” ولكنه “متضرر بشدة” من الانقسامات عبر الأطلسي. حيث أكد إيفو دالدر، دون مواربة: “حلف الناتو مُنهار”. ويعتقد السفير الأمريكي السابق لدى الحلف عبر الأطلسي أن التوترات بين دونالد ترامب والحلفاء الأوروبيين بشأن حرب إيران قد دفعت حلف الناتو، الذي بلغ من العمر 77 عاما هذا الشهر، إلى “أسوأ أزمة” في تاريخه. لكن أجراس الإنذار تدق منذ فترة. فقبل عام، نشر دالدر مقالا يوضح فيه كيف يمكن للدول الأعضاء الأوروبية إعادة هيكلة حلف الناتو ليعمل بدون الولايات المتحدة، التي بُنيت المنظمة حول قيادتها.
كيف وصلنا إلى هنا؟
يوضح دالدر، الباحث البارز في مركز بيلفر بجامعة هارفارد، إن عدة عوامل أوصلت حلف الناتو إلى هذه الحالة المتدنية. ولا يقتصر الأمر على الإهانات التي يوجهها ترامب للحلف وأعضائه الأوروبيين، والتي باتوا معتادين عليها. فقد كرر ترامب في السادس من أبريل 2026 رأيه بأن الناتو “نمر من ورق” ولن يدعم الولايات المتحدة في حربها ضد إيران. تابع السفير السابق كذلك إن الأمر لا يتعلق حتى بتهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب من حلف الناتو، والتي يصاحبها قلق عملي أكثر يتمثل في أنه لن يكون على استعداد للمشاركة في الدفاع الجماعي إذا تعرض حليف آخر للهجوم، وهو الضمان الذي تعهدت به المادة 5 من حلف الناتو. أضاف دالدر إن الأمر يتعلق بمزيج من كراهية ترامب وحقيقة أن العديد من الحكومات الأوروبية قد تجاوزت مجرد رفض المساعدة في حرب واشنطن على إيران، مع وجود حالات من حرمان ترامب من الحق في استخدام القواعد أو رفض منح حقوق المجال الجوي للقيام بأعمال هجومية.
تابع السفير السابق: “إن التحرك الأوروبي يعكس حقيقة أن حلف الناتو يعاني من أضرار جسيمة، ويؤكد الواقع الأساسي المتمثل في أن أوروبا لم تعد تثق بالولايات المتحدة، وتعتبرها حليفا غير موثوق به، وبالتالي لم تعد راغبة في المشاركة في هذا النوع من العمليات. ولهذا السبب تُعد هذه أسوأ أزمة يمر بها حلف الناتو”. أيد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، التحرك الأمريكي الإسرائيلي وقلل من شأن الخلاف. وقال في 26 مارس 2026: “في الحلف، ستختلف الآراء دائما. لكن عندما يتعلق الأمر برفض امتلاك إيران قدرات نووية وصاروخية، فإننا جميعا متفقون ما تفعله الولايات المتحدة الآن هو تقويض هذه القدرات. وأنا أؤيد ذلك تماما”.
هل يستطيع ترامب أن ينسحب ببساطة؟
كثيرا ما يتأمل ترامب نفسه علنا في الانسحاب، قائلا مؤخرا إن هذا الاحتمال “لا مجال لإعادة النظر فيه”. لكن لا أحد يعلم على وجه اليقين ما إذا كان سيحاول يوما ما الانسحاب من التحالف. ما هو معروف هو أن الأمر لن يكون سهلا، ويعود ذلك جزئيا إلى وزير خارجيته الحالي، ماركو روبيو، الذي قدم كسيناتور تشريعا تم إقراره في عام 2023 يتطلب دعم ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ للمغادرة. بعد ثلاث سنوات، يصر ترامب على أنه كان سيتمكن من فعل ذلك على أي حال، ويوافقه دالدر الرأي، قائلا إن التحدي الدستوري الذي قد يثيره هذا الأمر من شأنه أن يرجح كفة سلطة الرئيس. في غضون ذلك، يبدو أن روبيو قد تحول إلى مُشكك في حلف الناتو.
من جانب حلف الناتو، توجد مادة في معاهدة واشنطن لعام 1949 تحدد إجراءات الانسحاب، لكنها لم تُستخدم من قبل. تنص المادة 13 على ما يلي: “بعد مرور عشرين عاما على سريان المعاهدة، يجوز لأي طرف أن يتوقف عن كونه طرفا فيها بعد عام واحد من تقديم إشعار الانسحاب إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدورها تُبلغ حكومات الأطراف الأخرى بإيداع كل إشعار انسحاب”. بالطبع، هناك العديد من الطرق التي يمكن لترامب من خلالها إضعاف حلف الناتو دون الانسحاب ودون الحصول على موافقة الكونغرس. بإمكانه ببساطة أن يقرر إعادة القوات إلى الوطن، والتوقف عن تزويد قيادات ومؤسسات الناتو بالأفراد – وهو ما يحدث بالفعل جزئيا بل وحتى، في خطوة دراماتيكية للغاية، أن يقرر عدم تعيين قائد أعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، وهو منصب عسكري يشغله دائما أمريكي.
كيف سيكون رد فعل حلف الناتو؟
سيواجه حلف الناتو صعوبة بالغة في بسط نفوذه بشكل فعال دون الولايات المتحدة، التي تمتلك أكبر ترسانة أسلحة وأكثرها تطورا، فضلا عن ميزة واضحة تتمثل في قوة عسكرية ضخمة نسبيا. لكن الخبراء يرون أن الحلف لن ينهار بالضرورة، بل قد يواصل عملية التحول الجارية نحو مزيد من القيادة الأوروبية والاعتماد المتزايد على القدرات الأوروبية. أجرى المعهد الدولي للدراسات الأمنية (IISS) بحثا حول الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه هذا الأمر، وحث “صناع القرار الأوروبيين على النظر في الاستثمارات العسكرية والمالية والصناعية الدفاعية اللازمة لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وفي أقصى الحالات، الاستعداد لحلف شمال الأطلسي بدون أي دور أمريكي”. الصورة ليست وردية. فقد خلص تقييم أجراه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في العام 2025 إلى وجود نقص حاد ليس فقط في استبدال “المنصات العسكرية الأمريكية الرئيسية والقوى العاملة”، بل كذلك في مجال الفضاء وفي أصول الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. وأضاف التقييم: “سيحتاجون كذلك إلى تعويض المساهمة الأمريكية الكبيرة في ترتيبات القيادة والسيطرة لحلف الناتو، وشغل العديد من المناصب العسكرية العليا في منظمات الناتو التي يشغلها حاليا أفراد أمريكيون”.
قدّرت الدراسة أن هذا سيتطلب تمويلا إضافيا من قبل الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو بقيمة تريليون دولار بالإضافة إلى ميزانيات الدفاع المتزايدة بالفعل. يقول نيك ويتني، الموظف السابق في وزارة الدفاع البريطانية والذي يعمل مع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “رأيي القاطع هو أننا لسنا بحاجة إلى أمريكا”. وأضاف ويتني أنه “كلما زاد عدد القوات الأمريكية في أوروبا لأطول فترة ممكنة، كلما زاد شعوري بالسعادة، وشعر جميع الأوروبيين بالسعادة”، إلا أنه لا يعتقد أنه “إذا انقلب ترامب غدا وقال: حسنا، سنعود جميعا إلى الوطن، لقد انتهى أمرنا معكم، ويمكنكم نسيان ضمانتي النووية، فلا أعتقد أن كل شيء سيضيع”. وأوضح أن جزءا من ذلك يعود إلى المبادرات الأخيرة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العديد من الحلفاء الآخرين بشأن زيادة التعاون النووي خارج حلف الناتو، حيث إن فرنسا لا تتيح حاليا قدراتها الخاصة للحلف.
أجواء مضطربة، وموقف حازم
ربما يكون وزير خارجية إستونيا، مارغوس تساخنا، الزعيم الأوروبي الوحيد الذي أعلن استعداد بلاده لمساعدة إدارة ترامب في إيران حتى قبل انتهاء الحرب. لكن على الرغم من كل الاتهامات الأمريكية بعدم تقديم الدعم، فقد صرّح بأنه لم يتلق أي طلب رسمي بذلك. قال تساخناإن دافعه من تقديم هذه المساعدة هو رد الجميل. وأضاف في حديثه: “بالطبع، هذا الخطاب المناهض لحلف الناتو ليس في صالحنا. فالشعب الإستوني يسألني، وكثيرا من السياسيين الآخرين، يوميا عما إذا كانت المادة الخامسة من حلف الناتو فعالة أم لا”. وينصح تساخنا جميع دول أوروبا بـ”التحلي بالهدوء، والتركيز على ما يمكننا فعله، وبالتأكيد علينا مواصلة الحوار مع الإدارة الأمريكية”، مذكرا إياهم بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى أوروبا كذلك. من المؤكد أن هذا سيكون محورا رئيسيا لنقاش روتّه خلال زيارته للبيت الأبيض خلال أبريل 2026، آملا، كما فعل سابقا، في الحصول على رد فعل إيجابي من ترامب بشأن حلف الناتو. وفي تصريحاته يوم الاثنين، وصف ترامب روتّه بأنه “شخص عظيم”، لكنه انتقد مجددا الأوروبيين والدول الأخرى لعدم انضمامهم إلى الحرب على إيران. اختتم ترامب مؤتمره الصحفي بتصريح غامض، وربما ينذر بالسوء: “نريد غرينلاند. إنهم لا يريدون منحها لنا. وقلت لهم: مع السلامة”.
النتائج
تصاعد التهديدات الأمريكية تجاه إيران يضع حلف الناتو أمام اختبار دقيق قد يعيد رسم موازين التحالفات عبر الأطلسي. توضح تصريحات ترامب التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بدعم واشنطن في حرب محتملة ضد إيران، أظهرت هشاشة الثقة المتبادلة بين الأطراف وأدت إلى شكوك أوروبية حول التزامات الدفاع الجماعي المنصوص عليها في المادة 5 من معاهدة واشنطن.
من المتوقع أن تدفع هذه الأزمة الدول الأوروبية إلى التفكير في تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤدي إلى تحولات استراتيجية كبيرة داخل الحلف. الدراسات تشير إلى ضرورة استثمارات ضخمة لتعويض النقص في القدرات الأمريكية في مجالات الفضاء والاستخبارات والمراقبة، إلى جانب تولي الأوروبيين مناصب قيادية في الناتو كانت تشغلها الولايات المتحدة.
هذا التحول قد يستغرق عقودا ويتطلب تمويلا إضافيا يقدر بتريليون دولار، لكنه يعكس رغبة أوروبا في تحقيق استقلالية نسبية في قراراتها الأمنية. في الوقت نفسه، تظل أجواء التوتر والضغط الأمريكي مستمرة، مع وجود مبادرات فردية لبعض الدول الصغيرة، مثل إستونيا، التي قد تقدم دعما محدودا رغم عدم وجود طلب رسمي، ما يعكس ديناميكية متشابكة بين التعاون والاعتراض داخل الحلف.
على المدى المتوسط، ستزداد أهمية الحوار الأوروبي الأمريكي في الحفاظ على التوازن بين الدفاع الجماعي ومصالح كل طرف، مع احتمال ظهور نموذج قيادة أكثر أوروبية في الناتو مع استمرار الحاجة للقدرات الأمريكية كعامل ردع استراتيجي.
المستقبل القريب لحلف الناتو يبدو معقدا، حيث سيتعين على أوروبا إدارة توازن دقيق بين تعزيز القدرات الذاتية، الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة، والتعامل مع التحديات الأمنية الإقليمية والعالمية، مع احتمال ظهور تغييرات هيكلية في دور القيادة الأمريكية داخل التحالف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117004
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
