المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ هل يصبح الدور الألماني حجر الزاوية داخل الحلف؟
يأتي التأكيد على أن التحولات الاستراتيجية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تسعى ألمانيا إلى تعزيز دورها القيادي في الحلف في مواجهة مشهد دولي يتسم بانسحاب أمريكي نسبي، وتوترات أمنية تتصاعد بسبب التهديدات الروسية في الجوار الأوروبي، إضافة إلى ضبابية التزامات واشنطن الدفاعية في القارة الأوروبية. شاركت قوات حلف شمال الأطلسي في مناورات عسكرية واسعة خلال العام 2025 في إشارة واضحة إلى أن أوروبا ليست بمنأى عن التوترات الأمنية في النظام الدولي. وتشير هذه المناورات العسكرية إلى أن الحلف لا يزال يسعى إلى إبراز جهوزيته، بينما لا تشارك بشكل بارز القوات الأمريكية في هذه التدريبات، ما أثار أسئلة حول مستوى الالتزام العسكري الأمريكي داخل أوروبا. هذه المناورات هي جزء من تدريبات أكبر تهدف إلى ردع روسيا في أوروبا، لكن غياب القوات الأمريكية مع تكرار التصريحات من واشنطن عن ضرورة أن “يتولى الأوروبيون مسؤولياتهم الدفاعية” يعكس تحورا ملموسا في النظرة الأمريكية تجاه التزامات الناتو في القارة.
الانسحاب الأمريكي، واقعية أم مجرد خطاب؟
في يناير 2026، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن سحب نحو 200 من الضباط الأمريكيين من بعض هياكل الناتو، في خطوة أثارت جدلا كبيرا بين الحلفاء الأوروبيين، معتبرين إياها علامة على تراجع متوقع للدور العسكري الأمريكي. وكان من بين تصريحات المسؤولين الأمريكيين دعوة إلى حلفاء الناتو الأوروبيين لكي “يدخلوا الساحة ويتحملوا مسؤولية الأمن التقليدي في القارة”، وهي دعوة جاءت في سياق توصيف المشاركة الأمريكية في عمليات الحلف. رغم أن هذا الانسحاب لا يشكل “خروجا كاملا” من الناتو، إلا أنه يرمز إلى تحول في دور الولايات المتحدة من الشريك العسكري التقليدي الأساسي إلى شريك أكثر تركيزا على الأولويات الخاصة بها، في وقت تتجه فيه إدارة واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية في مناطق أبعد مثل آسيا أو المواجهات الاستراتيجية الكبرى مع منافسين عالميين.
ألمانيا، بين التحديات الأمنية والرهان الاستراتيجي
تسعى ألمانيا في هذا السياق، لتعزيز دورها داخل الحلف ليكون أكثر وضوحا ووزنا، لتتماشى مع حجم الاستثمار العسكري الذي بدأت فيه منذ بداية حرب أوكرانيا في عام 2022. فقد أعلنت برلين عن استثمار مئات المليارات من اليوروهات لإعادة تسليح جيشها (Bundeswehr)، وهو استثمار غير مسبوق منذ عقود في تاريخها العسكري الحديث. ومع هذه الاستثمارات الضخمة، تريد ألمانيا أن تلعب دورا محوريا في قيادة العمليات والمبادرات داخل الناتو، بما يتماشى مع حجم الإنفاق والتجهيز العسكري الذي شرعت فيه، بدلا من الاقتصار على دور داعم أو ثانوي. وفي سياق مماثل، صرح فريدريش ميرز، المستشار الألماني، بأن الناتو “يجب أن يعزز داخل أوروبا” مع التأكيد على الحاجة إلى التعاون الدائم مع الولايات المتحدة، ما يظهر رغبة في وجود قيادة أوروبية قوية دون قطع العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن.
أهداف التغيير الألماني في بنية الدفاع الأوروبية
يمكن تلخيص الأهداف التي تسعى ألمانيا إلى تحقيقها في إطار تعزيز دورها داخل الناتو في، أولا تحسين الجاهزية العسكرية الأوروبية من خلال رفع مستوى الإنفاق الدفاعي وتحديث المعدات، وذلك استجابة لتحديات أمنية مباشرة في الجوار الأوروبي. ثانيا تشجيع التكامل الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي، أن تكون هناك خطة أوروبية موحدة للدفاع تعزز القدرات الوطنية لكل دولة دون الاعتماد الكلي على واشنطن. ثالثا زيادة الالتزامات العسكرية والميزانيات الدفاعية عبر الأعضاء الأوروبيين للحلف، لاسيما أن الهدف الذي تم الاتفاق عليه في قمة سابقة هو تخصيص نحو 5 % من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع بحلول 2035.
ردود فعل وآراء حول هذه الاستراتيجية
رغم أهمية هذه الخطوات، لا تزال هناك تحديات كبيرة منها، تفاوت القدرات داخل أوروبا، فتركيا، فرنسا، وإيطاليا لديها مواقع وقدرات مختلفة، ما يصعب بناء قوة أوروبية متكاملة بسرعة. كذلك البحث عن رؤية أوروبية موحدة، يضع البعض تأكيدا على أن أوروبا غير جاهزة بالكامل للاستغناء عن القوة الأمريكية في كل أبعادها، وخاصة في المجال النووي أو القدرات الاستراتيجية الكبيرة. كما أن التحديات السياسية الداخلية، داخل ألمانيا نفسها، يعد هو التحدي الأكبر، فهناك نقاشات جدلية حول زيادة الاعتماد على القوة العسكرية بما يتوافق مع تاريخ البلاد بعد الحرب العالمية الثانية.
ينظر بعض المحللين في خضم هذه التحولات، إلى أن أوروبا قد تدخل مرحلة من “الأمن ما بعد الولايات المتحدة”، وهي مرحلة تبحث فيها الدول الأوروبية عن موقع أكثر استقلالية داخل بنية الناتو، دون الانفصال الكامل عن الشراكة الأمريكية، بل من أجل إعادة توازن القواسم الدفاعية بين الجانبين. وفي هذا الإطار، ترى ألمانيا أن عليها أن تلعب دورا قياديا داخل أوروبا لضمان أن يكون للناتو قدرة عسكرية قوية وفعالة قادرة على التصدي للتحديات المستقبلية، وإرساء أسس تعاون مستدام ومتوازن مع واشنطن في آن واحد.
النتائج
يقف حلف شمال الأطلسي أمام مرحلة إعادة تعريف أدواره وتوازناته الداخلية، في ظل تراجع نسبي في الانخراط الأمريكي التقليدي في أوروبا. وإذا استمرت واشنطن في إعادة توجيه أولوياتها نحو آسيا والمنافسة مع الصين، فمن المرجح أن تتعزز الديناميكيات الأوروبية الساعية إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية، سواء داخل إطار الناتو أو بالتوازي معه عبر آليات الاتحاد الأوروبي.
تبدو ألمانيا مرشحة للعب دور محوري خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من الزيادة غير المسبوقة في إنفاقها الدفاعي ومن التحول في خطابها السياسي تجاه استخدام القوة. إلا أن هذا الدور لن يكون خاليا من التحديات، إذ ستواجه برلين اختبار القدرة على تحويل التعهدات المالية إلى جاهزية عسكرية فعلية، وعلى بناء توافق أوروبي حول رؤية دفاعية مشتركة. كما أن حساسية التاريخ الألماني، والانقسامات السياسية الداخلية، قد تبقى عاملا مؤثرا في سرعة هذا التحول وعمقه.
من المتوقع على المستوى الأطلسي، عدم حدوث قطيعة كاملة بين أوروبا والولايات المتحدة، بل الأرجح هو نشوء صيغة “تقاسم أعباء” أكثر وضوحا، يكون فيها الأوروبيون مسؤولين عن الأمن التقليدي في جوارهم المباشر، بينما تحتفظ واشنطن بدور الضامن الاستراتيجي، خاصة في الردع النووي والقدرات بعيدة المدى. غير أن نجاح هذه الصيغة سيعتمد على مدى التزام العواصم الأوروبية برفع إنفاقها الدفاعي وتحقيق تكامل فعلي في الصناعات العسكرية.
في حال تصاعد التهديدات الروسية أو اندلاع أزمات أمنية جديدة، قد تتسارع خطوات التكامل الدفاعي الأوروبي. أما إذا تراجع منسوب التوتر، فقد تعود الخلافات التقليدية حول تقاسم الأعباء إلى الواجهة. وبين هذين المسارين، سيبقى مستقبل الأمن الأوروبي مرهونا بقدرة أوروبا على الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة الاستراتيجية.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115500
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
