المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ هل تستعد أوروبا لسيناريو مواجهة محتملة مع روسيا؟
تتباين التقديرات داخل حلف شمال الأطلسي بشأن طبيعة التهديد الروسي ومستوى احتمالات المواجهة العسكرية مع الحلف خلال السنوات المقبلة. وبينما تحذر قيادات عسكرية أوروبية من ضرورة الاستعداد لسيناريوهات التصعيد، يرى مسؤولون آخرون أن موسكو لا تسعى إلى الدخول في صراع مباشر مع حلف شمال الأطلسي. ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع تعزيز القدرات الدفاعية للحلف ورصد تحركات عسكرية روسية قرب حدوده الشمالية والشرقية.
روسيا لا تسعى إلى مواجهة مع الناتو
حذّر المفتش العام للجيش الألماني، كريستيان فرويدينغ، من النوايا العدوانية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال فرويدينغ: “يجب أن نكون مستعدين. يجب أن نكون جاهزين للقتال”، مشيرًا إلى تاريخ محدد: “عام 2029 ليس جدولًا زمنيًا ألمانيًا، بل هو تقييم استخباراتي متفق عليه من قبل حلف الناتو”. لكن القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي، أليكسوس جي. غرينكويتش، يخالف هذا الرأي. فبحسب التقارير، صرّح الجنرال الأمريكي في معرض برلين الدولي للفضاء الجوي (ILA) بأن روسيا “لا تسعى إلى صراع”، على الرغم من مخاوف الحلفاء الأوروبيين بشأن الثغرات الأمنية المحتملة التي قد تنجم عن خطط واشنطن لسحب قدرات عسكرية كبيرة. أضاف أليكسوس جي. غرينكويتش في برلين إن مهمته هي ضمان مصداقية ردع الناتو. وتابع الجنرال الأمريكي أليكسوس جي. : “لقد كنت أتابع المعلومات الاستخباراتية عن كثب”. وخلص إلى القول: “روسيا لا تسعى إلى الصراع إنهم يفهمون مفهوم التحالف الدفاعي، ويدركون أننا نمتلك عددًا من المزايا غير المتكافئة”.
توسعات روسية على طول حدود حلف “الناتو”
حذر مسؤولون عسكريون في حلف الناتو مرارًا وتكرارًا عقب بداية حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022، من هجوم روسي محتمل على أراضي الحلف. ومؤخرًا، أكدت صور الأقمار الصناعية أعمال توسعة في ثكنات روسية على طول حدود الناتو مع فنلندا والنرويج. وحذر خبير الأمن سامو بوكونين، من المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، قائلًا: “لنكن صريحين: لقد انتهكت روسيا جميع القواعد، وحتى تلك التي لم تنتهكها، فقد تهاونت فيها”. ردّ حلف شمال الأطلسي “الناتو” على التهديد العسكري لروسيا أن خلال ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 وغزو شرق أوكرانيا عام 2022، من خلال عدة إجراءات، من بينها إنشاء قوات رد فعل سريع، تُعرف في المصطلحات الفنية باسم قوة الرد السريع للحلفاء (ARRC). كما نشرت القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير” لواءًا على الحدود الشرقية للناتو في ليتوانيا.
تتميز ليتوانيا بموقع استراتيجي رئيسي، ولا يفصل ليتوانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، عن بيلاروسيا الحليف المقرب من روسيا وجيب كالينينغراد الروسي سوى مسافة قصيرة تقل قليلًا عن 70 كيلومترًا حول سوالكي. قرر حلف شمال الأطلسي “الناتو” في قمته التي عُقدت في لاهاي من العام 2025، زيادة الإنفاق الدفاعي إلى خمسة بالمئة من الناتج الاقتصادي السنوي. كما وافقت الحكومة الألمانية، على إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتزويد الجيش الألماني “البوندسفير” بمعدات جديدة.
قائمة بالأهداف العسكرية المحتملة داخل أوروبا
كشفت روسيا عن أهدافها المحتملة داخل أوروبا، حيث أعلن الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف في ابريل من العام 2026 ذلك بعبارات شديدة اللهجة حملت تحذيرًا مباشرًا إلى الدول الأوروبية. وجاء هذا التصعيد في أعقاب الاجتماع الذي جمع بين المستشار الألماني فريدريش ميرز، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العاصمة الألمانية برلين، وهو اللقاء الذي عكس مستوى متقدمًا من التنسيق السياسي والعسكري بين الجانبين الألماني والأوكراني في ظل استمرار الحرب مع روسيا. وفي هذا السياق، قدمت وزارة الدفاع الروسية قائمة بالأهداف العسكرية المحتملة داخل أوروبا، وهو تطور لافت يعكس انتقال الخطاب الروسي من مجرد التحذير العام إلى تحديد نطاقات جغرافية ومنشآت بعينها قد تدخل ضمن حسابات الاستهداف.
تحدث ميدفيديف، الذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، عن “قائمة أهداف محتملة” للجيش الروسي، مؤكدًا أن توقيت تنفيذ أي هجمات محتملة سيعتمد على تطورات المرحلة المقبلة. وأضاف في لهجة تحمل طابعًا تهديديًا واضحًا: “موعد تنفيذ هذه الهجمات يعتمد على ما سيحدث لاحقًا. ناموا قريري العين، أيها الشركاء الأوروبيون الأعزاء!”. وتعكس هذه العبارة محاولة لإيصال رسالة ردع نفسي وسياسي إلى العواصم الأوروبية، مفادها أن انخراطها في دعم أوكرانيا قد يجعلها عرضة لتبعات مباشرة.
بحسب ما ورد في التقارير، فإن القائمة الروسية تركز بشكل أساسي على المنشآت التي تلبي الاحتياجات العسكرية الأوكرانية، سواء من حيث الإنتاج أو الإمداد أو الدعم اللوجستي. وتشمل هذه القائمة فروعًا لإحدى عشرة شركة أوكرانية منتشرة داخل عدد من الدول الأوروبية، من بينها المملكة المتحدة، والدنمارك، ولاتفيا، وألمانيا، وهولندا، وليتوانيا، وبولندا، وجمهورية التشيك. كما تضم القائمة عشر شركات أخرى تعمل في مجال تصنيع المكونات العسكرية، وتتوزع في دول مثل جمهورية التشيك، وإسرائيل، وتركيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا.
رغم أن الأهداف المحددة لم يتم الكشف عنها بشكل تفصيلي، إلا أن المؤشرات العامة توضح أن روسيا تراقب عن كثب عملية نقل جزء من الصناعات العسكرية الأوكرانية إلى خارج الأراضي الأوكرانية. وتأتي هذه الخطوة من جانب كييف في إطار محاولة حماية قدراتها الإنتاجية من الضربات الجوية الروسية، التي استهدفت خلال الفترة الماضية العديد من المنشآت الحيوية داخل أوكرانيا. ومن خلال توزيع الإنتاج على عدة دول أوروبية، تسعى أوكرانيا إلى تقليل مخاطر التدمير الشامل لبنيتها الصناعية العسكرية، وضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى جبهات القتال.
ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه، إنشاء أول مصنع أوكراني داخل الاتحاد الأوروبي بالقرب من قاعدة سكريدستروب الجوية في الدنمارك، وهي منطقة لا تبعد سوى القليل عن مدينة فلنسبورغ الألمانية. ويعمل هذا المصنع على إنتاج وقود لصاروخ “فلامنغو” الجديد، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التعاون الصناعي العسكري بين أوكرانيا وبعض الدول الأوروبية. كما تمتلك شركة “فرونت لاين روبوتيكس” الأوكرانية طائرات مسيرة يتم إنتاجها بالتعاون مع شركة “كوانتوم سيستمز” الألمانية الناشئة في مجال الدفاع، وهو ما يعزز من قدرات أوكرانيا في مجال الطائرات غير المأهولة التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في طبيعة الحرب الحديثة.
في هذا الإطار، ترى موسكو أن نقل هذه الأنشطة إلى أوروبا لا يخرجها من دائرة الاستهداف، بل على العكس، قد يوسع نطاق العمليات المحتملة ليشمل أراضي دول أوروبية. ومن هنا جاء التهديد الروسي باتخاذ “إجراءات مضادة”، وهو تعبير فضفاض قد يشمل طيفًا واسعًا من الأدوات، بدءًا من الهجمات السيبرانية ومرورًا بعمليات التخريب غير المباشر، ووصولًا إلى احتمالات تصعيد عسكري محدود في ظروف معينة.
سياق سياسي وعسكري متصاعد
يأتي هذا التصعيد الروسي في وقت يشهد فيه التعاون بين ألمانيا وأوكرانيا تطورًا ملحوظًا. فقد اتفق المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على عدة اتفاقيات تعاون خلال مشاورات حكومية عُقدت في برلين خلال شهر أبريل 2026. وتشمل هذه الاتفاقيات جوانب متعددة، من بينها الدعم العسكري المباشر، وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، إلى جانب تنسيق أوسع في القضايا الأمنية. ومن أبرز ما تم الاتفاق عليه، التزام ألمانيا بتمويل صواريخ باتريوت إضافية لصالح أوكرانيا، وهو ما يعكس رغبة برلين في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكراني في مواجهة الهجمات الروسية.
كما اتفق الطرفان على توسيع نطاق التعاون في قطاع الدفاع، بما يشمل تطوير مشاريع مشتركة بين الشركات الألمانية والأوكرانية، وتعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا. وجاء في بيان مشترك صادر عن ميرز وزيلينسكي: “سنعمل على تعزيز المزيد من المشاريع المشتركة، ونتفق على توثيق التنسيق والتعاون في مجال الدفاع والصناعات الدفاعية، بما في ذلك تعزيز التعاون الدفاعي الألماني الأوكراني”. ويعكس هذا البيان توجهًا استراتيجيًا نحو تعميق الشراكة بين البلدين، بما يتجاوز الدعم العسكري التقليدي إلى بناء بنية صناعية دفاعية مشتركة.
دلالات التهديد الروسي
تحمل التحذيرات الروسية عدة دلالات مهمة على صعيد المشهد الجيوسياسي. فمن ناحية، تسعى موسكو إلى ردع الدول الأوروبية عن الاستمرار في دعم أوكرانيا، من خلال التلويح بإمكانية نقل الصراع إلى داخل أوروبا. ومن ناحية أخرى، تعكس هذه التهديدات إدراكًا روسيًا بأن نقل الصناعات العسكرية الأوكرانية إلى الخارج يمثل تحديًا جديدًا لقدرتها على إضعاف كييف عسكريًا. كما أن استخدام شخصيات بارزة مثل ميدفيديف في إطلاق هذه التصريحات يعكس رغبة في إيصال رسائل قوية دون التورط في إعلان رسمي مباشر من القيادة العليا، وهو أسلوب درجت عليه روسيا في إدارة التصعيد.
يتيح هذا النهج لموسكو هامشًا من المناورة، حيث يمكنها التراجع أو التصعيد بحسب تطورات الميدان دون الالتزام بمواقف رسمية نهائية. في المقابل، من المتوقع أن تثير هذه التهديدات قلقًا متزايدًا داخل الدول الأوروبية، خاصة تلك التي تستضيف منشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية الأوكرانية. وقد يدفع ذلك إلى تعزيز إجراءات الأمن والحماية حول هذه المنشآت، إلى جانب رفع مستوى التنسيق الاستخباراتي بين الدول الأوروبية لرصد أي تهديدات محتملة.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=119552
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
