المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ ما دلالات انتشار الجيش الألماني في ليتوانيا؟
تواصل ألمانيا تعزيز وجودها العسكري في ليتوانيا ضمن استراتيجية الناتو لردع التهديدات المحتملة على حدوده الشرقية في ظل تصاعد التوترات الأمنية في أوروبا. ومع انطلاق أول مناورة للواء المدرع الألماني المتمركز هناك، تتزايد التساؤلات حول أبعاد هذا الانتشار العسكري والعلاقات مع روسيا.
تعزيز دفاع الجناح الشرقي للناتو
يتوجه وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) في 22 يونيو من العام 2026 إلى ليتوانيا للاطلاع على أول تدريب للواء المدرع 45 التابع للجيش الألماني والمتمركز هناك. وجرى حشد نحو 2900 جندي، من بينهم 2300 جندي ألماني، إضافة إلى حوالي 800 آلية عسكرية من 8 دول أعضاء في حلف الناتو للمشاركة في مناورة “درع الحرية 2026” على الجناح الشرقي للحلف. وتقام التدريبات في ميدان تدريب بابراده العسكري الذي يبعد نحو 20 كيلومترا فقط عن الحدود مع بيلاروسيا. وكانت الحكومة الألمانية قد تعهدت بنشر اللواء المدرع في ليتوانيا ردا على ما تصفه بتزايد التهديد الروسي. ومن المقرر أن يصبح اللواء جاهزا للعمل الكامل بحلول عام 2027 بقوام يبلغ نحو 4800 جندي و200 موظف مدني. وحتى الآن، يتمركز نحو 1800 فرد من الجيش الألماني في ليتوانيا.
خطوة غير مسبوقة للجيش الألماني
يمثل نشر هذا اللواء مرحلة جديدة وغير مسبوقة للجيش الألماني. فعلى عكس جميع المهام الخارجية السابقة، يتعلق الأمر هذه المرة بتمركز دائم لتشكيل عسكري كبير خارج الأراضي الألمانية. ويسعى الجيش الألماني إلى تغطية احتياجاته البشرية للواء عبر متطوعين قدر الإمكان، مع تقديم حوافز وشروط خدمة جاذبة. كما ينظم رحلات تعريفية للجنود للاطلاع مباشرة على ظروف الخدمة والحياة على الجناح الشرقي للناتو. إلا أن وتيرة استقطاب الأفراد لا تزال بطيئة.
بيستوريوس لا يستبعد إلزام بعض الجنود بالخدمة
يرى بيستوريوس أن الاعتماد الكامل على المتطوعين قد لا يكون ممكنا. وصرح وزير الدفاع الألماني قائلا: “إن الغالبية العظمى من الجنود ستتقدم طوعا للخدمة في الدولة البلطيقية العضو في الناتو، لكن من المرجح أن تكون هناك نسبة من الأفراد ستضطر الوزارة إلى تكليفها بالخدمة إلزاميا”. وأضاف: “الأمر الحاسم بالنسبة لي هو أن يكون اللواء مكتملا وقادرا على تنفيذ مهمته”. وقد تظهر الاختناقات بشكل خاص في المجالات التخصصية مثل التكنولوجيا واللوجستيات والدفاع ضد المخاطر النووية والبيولوجية والكيميائية، حيث يكون عدد المرشحين المحتملين أقل بكثير مقارنة بالقوات القتالية. وإذا لم تكن أعداد المتطوعين كافية، فستجرى أولا مقابلات مع الأفراد، وفي نهاية المطاف قد يتم إصدار أوامر إلزامية بالخدمة، بحسب بيستوريوس.
تطوير البنية التحتية العسكرية بوتيرة متسارعة
سيكون المقر الرئيسي للواء في منطقة رودنينكاي القريبة من الحدود البيلاروسية. وتقع الثكنة العسكرية الجديدة في منطقة غابات أُعلنت ميدانا للتدريب العسكري للجيش الليتواني بموجب قانون خاص في مايو 2022، بعد وقت قصير من بدء الهجوم الروسي واسع النطاق على أوكرانيا. وعلى بعد نحو 35 كيلومترا من العاصمة فيلنيوس، يجري بناء مدينة عسكرية متكاملة للقوات الألمانية بالقرب من قرية صغيرة. وتشمل المنشآت الجديدة ثكنات عسكرية ومستودعات للأسلحة والذخيرة ومرافق لوجستية وحظائر لإيواء وصيانة الدبابات والمركبات القتالية الأخرى.
تتواصل أعمال البناء في أكبر مشروع للبنية التحتية العسكرية في تاريخ ليتوانيا بوتيرة سريعة، وقد أُنجزت بالفعل بعض المنشآت الأولى. وأكدت الحكومة في فيلنيوس مرارا أن البنية التحتية الممولة من الجانب الليتواني ستكون جاهزة في الوقت المحدد لاستقبال اللواء. يقول وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس لصحيفة “فيلت” إن المرحلة الأولى من المشروع تسير حتى قبل الموعد المحدد بعشرة أشهر، مضيفا: “هذا يعني أننا أحرزنا تقدما كبيرا في بناء البنية التحتية ويمكننا البدء في المرحلة الثانية مبكرا”.
رغم التسليح المكثف لدول البلطيق، لا يزال الحديث مستمراً عن احتمال هجوم محتمل من موسكو، حتى أن هناك خطة إخلاء جديدة وضعتها سلطات مدينة فيلنيوس. منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022، تزايد القلق في دول شمال وشرق أوروبا بشأن من سيكون الهدف التالي لفلاديمير بوتن. غالبا ما تُذكر مولدوفا وجورجيا كدول محتملة لأن تكون هدفا لهجوم روسي، في حين انضمت فنلندا والسويد إلى حلف الناتو استجابة لهذا التهديد القادم من الشرق. أما دول البلطيق الثلاث “ليتوانيا، إستونيا، ولاتفيا” فهي أعضاء في كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ومع ذلك لا يشعر المسؤولون في فيلنيوس بالأمان التام.
يرجع هذا جزئيا إلى أن لا أحد يعرف ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيلتزم، في حال وقوع هجوم روسي، بالمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تلزم جميع أعضاء الحلف بمساعدة أي دولة عضو تتعرض للهجوم. ولم تُغير جهود إعادة التسلح الضخمة التي تبذلها ليتوانيا هذا الواقع، كما لم تُغيره النداءات المستمرة التي وجهتها الحكومة إلى المجتمع الدولي لأخذ التهديد الروسي على بلدان أخرى غير أوكرانيا على محمل الجد.
أوضح نائب وزير الدفاع الليتواني كاروليس أليكسا: “روسيا تُجري استعداداتها وتُوسّع قدراتها العسكرية”. ويضيف أليكسا: “أن العالم الغربي يجب أن يدرك ما يسعى إليه بوتين، وهو استعادة روسيا الكبرى”. وتابع: “عشتُ في بروكسل ثلاث سنوات حتى عودتي العام 2024، ورأيتُ بنفسي أن المجتمعات هناك تؤمن بإمكانية التوصل إلى حل سلمي مع موسكو”. يقتنع أليكسا بأن الأمر ليس كذلك، وأن روسيا لن تستسلم حتى تحقق هدفها. ويؤكد: “من مسؤوليتنا منع نشوب صراع كبير، وأنه سيكون هناك المزيد من التصعيد إذا لم نُظهر قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا”.
قرر مجلس الدفاع الليتواني في يناير 2025، الذي يتألف من ممثلين عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، زيادة ميزانية الدفاع من حوالي 3% إلى 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا من عام 2026 إلى عام 2030، أي ما يعادل 10 مليارات يورو إضافية إلى 14 مليار يورو. انضمت ليتوانيا إلى إستونيا ولاتفيا وبولندا وفنلندا في الانسحاب من معاهدة أوتاوا التي تحظر الألغام المضادة للأفراد. برّر الخبراء خطوتهم بالتهديد العسكري الذي تُشكّله روسيا المجاورة، مُشيرين إلى أن موسكو لم تُوقّع قط على معاهدة أوتاوا، وأنها استخدمت ألغاما مضادة للأفراد في حرب أوكرانيا.
السبب هو أن الألغام ستشكل جزءا من ” خط دفاع البلطيق ” المتفق عليه بين إستونيا ولاتفيا وليتوانيا في يناير 2024. وسيؤدي ذلك إلى نشر الألغام والمتفجرات بسرعة على الحدود في حالات الطوارئ، بالإضافة إلى بناء حواجز خرسانية وأسوار وخطوط إمداد وحوالي 600 ملجأ.
نقطة ضعف الناتو
رغم كل التحركات والتعزيزات العسكرية، لا تزال هناك نقطة ضعف استراتيجية واضحة تُقلق قادة حلف شمال الأطلسي، وهي ما يُعرف بـ”نقطة ضعف الناتو”. هذه النقطة تتمثل في فجوة “سووالكي“، ذلك الشريط الضيق من الأرض الذي لا يتجاوز طوله 65 كيلومترا، والذي يربط دول البلطيق ببولندا، وبالتالي بسائر أراضي حلف الناتو. ووُصِفَت هذه المنطقة بإنها “أخطر مكان في العالم”، وهو وصف لا يبدو مبالغا فيه بالنظر إلى موقعها الجغرافي الحرج، فهي تقع بين منطقة كالينينغراد الروسية غربا، وبيلاروسيا الموالية لموسكو شرقا. فإذا قرر بوتين مهاجمة هذه المنطقة، فسيكون بإمكانه، نظريا، عزل دول البلطيق عن باقي أعضاء الناتو بسرعة نسبية، مما يصعّب مهمة تقديم الدعم العسكري لها، ويضع التحالف الغربي أمام اختبار خطير وغير مسبوق.
حذّر معهد دراسات الحرب الأميركي من أن موسكو بدأت بالفعل في الاستعداد بشكل تدريجي لاحتمال شن هجوم على دول البلطيق. وقد استند المعهد إلى تقرير مشترك نُشر في الثاني من مايو 2025عن الوكالتين الروسيتين المستقلتين “ميدوزا” و”أجنستفو”، وجاء فيه أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كتب مقدمة لكتاب عن تاريخ ليتوانيا، ادّعى فيها أن دول البلطيق تتبنى “روايات تاريخية مزورة” تهدف إلى تأجيج المشاعر المعادية لروسيا بين مواطنيها.
ونقل معهد دراسات الحرب عن وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودري، قوله إن هذا الكتاب يُعد أداة دعائية بامتياز، تهدف إلى تزويد الكرملين بأدبيات علمية تدعم إنكاره لوجود دولة مستقلة وتاريخ لجيران روسيا. وحذّر بودري من أن مثل هذه السردية قد تُستخدم لاحقا كذريعة لروسيا للمطالبة بحقها في السيطرة على جميع الدول التي كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي السابق، بما في ذلك ليتوانيا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120015
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
