خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ ما احتمالية قيادة المانيا للحلف في ظل تراجع الدور الأمريكي؟
على مدى عقود، شغل جنرال أو أميرال أمريكي منصب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي. إلا أن مؤشرات متزايدة من واشنطن تُظهر احتمال حدوث تغيير في المستقبل. فقد عبّر السفير الأمريكي لدى الناتو ماثيو ويتاكر عن رغبته في أن تتولى ألمانيا المنصب العسكري الأعلى في الحلف، في إشارة إلى احتمال تراجع الدور الأمريكي في قيادة الأمن الأوروبي. أكد ويتاكر: “أتطلع إلى اليوم الذي تأتي فيه ألمانيا إلى الولايات المتحدة وتقول إنها مستعدة لتولي منصب القائد الأعلى للقوات المتحالفة، المعروف اختصارًا بـ SACEUR”. وأضاف: “أنه يدرك أن الطريق لا يزال طويلًا لتحقيق ذلك، لكنه يتطلع إلى مناقشات إضافية بهذا الشأن”.
وبحسب تصريحات ويتاكر، ترغب واشنطن في أن تصبح القدرات العسكرية الأوروبية مساوية لتلك التي لدى الولايات المتحدة، واصفًا ذلك بأنه هدف طموح يجب التطلع إليه. أفاد مصدر أمريكي مطلع: “إن ويتاكر يمثل وجهات النظر الأمريكية التقليدية حول الناتو، ما يجعل تصريحاته أكثر إثارة للدهشة”. وأضاف المصدر: “أن إدارة ترامب ألمحت إلى هذا التوجه خلال العام 2025”. كما ذكر مصدر آخر في الناتو إن تصريحات السفير تأتي في سياق ما تقوله واشنطن منذ فترة، بشأن وجوب أن تكون المسؤولية الأمنية الأوروبية في يد الأوروبيين أنفسهم. غير أن مسؤولًا دفاعيًا في إحدى دول الحلف رأى أنه من غير الواضح كيف أو لماذا ستتخلى الولايات المتحدة عن منصب SACEUR، لأنه جزء محوري من النفوذ الأمريكي العالمي. لكنه أقر في الوقت ذاته بأن واشنطن تتجه بوضوح إلى تقليص دورها في الأمن الأوروبي. وأضاف المسؤول أن التخلّي عن هذا المنصب سيكون صعبًا للغاية من الناحية العملية.
مخاطر الانسحاب المبكر في ظل حرب روسيا
اعتُبر تسريب الخطة الأمريكية-الروسية ذات الـ 28 نقطة، التي تطرح تصورًا لإنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، مؤشرًا آخر على رغبة واشنطن في تقليص دورها القيادي في الناتو على المدى الطويل. تقول خبيرة الأمن الألمانية الدكتورة كلاوديا مايور: “إن الخطة تمثل عملية نزع الطابع الأمريكي عن الناتو، إذ تظهر الولايات المتحدة فيها كوسيط بين الحلف وروسيا أكثر من كونها طرفًا فاعلًا داخل الحلف”. ذكر مصدر أمريكي آخر: “إنه من الصعب معارضة هذا الطرح من الناحية النظرية، إذ إنه قد يكون منطقيًا، لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن تقلبات الحرب في أوكرانيا تجعل هذا التراجع غير مناسب في الوقت الراهن”. رأى الخبير الأمني الألماني في جامعة بوندسفير، الدكتور كارلو ماسالا: “أن الفكرة الأساسية هي رغبة الأمريكيين في الانسحاب التدريجي من دورهم القيادي، مشيرًا إلى أن تصريحات ويتاكر كانت استشرافية وليست دعوة لتسليم المنصب فورًا”.
هل من قائد ألماني للقوات المتحالفة؟
تقليديًا، يتولى منصب القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا ضابط أمريكي، ليس بنص قانوني، بل باعتباره تقليدًا سياسيًا وتاريخيًا. يشغل المنصب الجنرال أليكسوس جي. غرينكيفيتش من القوات الجوية الأمريكية، الذي يقود القوات الأمريكية في أوروبا. يرى ماسالا: “أن سبب اختيار الأمريكيين لهذا المنصب يعود إلى طبيعته المزدوجة، إذ يشرف القائد على القوات الأمريكية في أوروبا وعلى قوات الناتو، بما فيها القوات الأمريكية ضمن الحلف”. أضاف ماسالا: “أنه في حال تولى ضابط ألماني المنصب، فلن تكون له قيادة على القوات الأمريكية”. تشير بيانات القيادة الأمريكية في أوروبا إلى وجود نحو 78 ألف جندي أمريكي متمركزين في القارة. وقد خُفض الشهر الماضي عدد القوات في رومانيا من أربعة آلاف إلى نحو ألف فقط.
وتعود خطط خفض القوات الأمريكية في أوروبا إلى فترة ترامب الأولى. إلا أن الجنرال الأمريكي المتقاعد بن هودجز أوضح أن عدد القوات في ألمانيا ازداد في تلك الفترة بشكل غير متوقع. وأضاف أن الإدارة الحالية تبدو أكثر تصميمًا على المضي في الخفض، معتبرًا أن الموارد قد تُحوّل إلى مناطق أخرى.
ألمانيا محرك إعادة التسلّح الأوروبي
منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022 وعودة ترامب إلى السلطة في يناير 2025، تواجه أوروبا موجة كبيرة من إعادة التسلح. وبات الإنفاق الدفاعي الألماني، الذي يتجاوز واحدًا في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، معفى من القيود المالية. كما ستعود الخدمة العسكرية الإلزامية للشباب الذكور اعتبارًا من يناير 2026. يؤكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: “أن الهدف هو جعل الجيش الألماني جاهزًا للقتال”. ويعتقد ماسالا: “أن ألمانيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة القادرة على قيادة مشروع إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية بفضل إمكاناتها المالية”. أشار ماسالا: ” إلى أن ألمانيا بدأت بالفعل دخول دور عسكري سياسي جديد، رغم أن برلين لم تستوعب ذلك بالكامل بعد”.
إن سيناريو تولي ألمانيا منصب SACEUR غير مطروح للنقاش داخل الناتو، أكد أحد المصادر: “نحن لا نناقش كيف سيُطبّق هذا الأمر لأنه غير مطروح أساسًا”. يرى ماسالا: “أن مجرد تغيير الشخص الذي يقود قوات الحلف لن يحقق أي تقدم في مسار أوروبيّة الناتو، لأن الوظائف الإدارية الأساسية في الحلف، خصوصًا تلك المتعلقة بإدارة القوات الأوروبية، يقوم بها الأمريكيون بشكل كبير”. أضاف ماسالا: “أن التغيير الحقيقي يتطلب دولة تحل محل الولايات المتحدة في هيكل الحلف، ويرى أن بريطانيا وألمانيا فقط تمتلكان القدرة على ذلك”.
ختم ماسالا بالقول إن تصريحات ويتاكر تمثل نظرة إلى المستقبل، حيث سيقلص الأمريكيون مشاركتهم، وهو أمر يتوقع حدوثه. أما مصادر وزارة الدفاع الليتوانية فترى أن انسحابًا كاملًا للولايات المتحدة من الناتو غير مطروح، لأن واشنطن تحتاج إلى الحفاظ على نفوذها العالمي، لكن الضغط على أوروبا لتعزيز دفاعاتها سيستمر.
النتائج
تشير تصريحات السفير الأمريكي لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، إلى بداية نقاش محتمل حول مستقبل الهيكل القيادي للحلف، وخصوصًا منصب القائد الأعلى للقوات المتحالفة (SACEUR)، الذي شغله تقليديًا ضابط أمريكي. هذا الطرح يعكس رغبة واشنطن في تقليص دورها المباشر في الأمن الأوروبي على المدى الطويل، مع التركيز على تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية وجعلها أكثر استقلالية. ويبدو أن الهدف هو نقل جزء من المسؤولية الأمنية إلى أوروبا، بما يتوافق مع الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لتوزيع الأعباء وتقليل الالتزام المباشر في الصراعات الأوروبية، خاصة في ظل الحرب الروسية في أوكرانيا.
من الناحية العملية، تواجه هذه الفكرة تحديات كبيرة. أولها البُعد التاريخي والسياسي لمنصب SACEUR، الذي يمنح الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا في إدارة قوات الحلف، بما في ذلك القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا. أي تولي ألماني للمنصب سيضعف السيطرة المباشرة على القوات الأمريكية، الأمر الذي قد يثير تحفظات واشنطن، رغم أن التوجه الاستراتيجي الحالي يشير إلى تقليص الحضور الأمريكي، كما يظهر من خفض القوات في رومانيا وتوجه إدارة ترامب السابقة نحو إعادة توزيع الموارد العسكرية.
ألمانيا بدورها تبدو الدولة الأوروبية الأكثر قدرة على استلام دور قيادي ضمن الناتو، نظرًا لإمكاناتها المالية والعسكرية المتنامية، واستعدادها لتعزيز جيشها، بما في ذلك العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية وزيادة الإنفاق الدفاعي. كما أنها تقود بالفعل جهود إعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، ما يجعلها محركًا طبيعيًا لأي مشروع لتعزيز “أوروبية الناتو”. مع ذلك، ما يزال التحول الكامل يتطلب تغييرات هيكلية وإدارية عميقة، لأن الوظائف الإدارية والسياسية الحيوية داخل الحلف ما زالت تسيطر عليها الولايات المتحدة بشكل كبير.
على صعيد التوازن الاستراتيجي، من غير المرجح أن تشهد السنوات القريبة انسحابًا كاملًا للولايات المتحدة من الناتو، نظرًا للحاجة للحفاظ على النفوذ العالمي. لكن الاتجاه المستقبلي يبدو واضحًا: ضغط متزايد على أوروبا لتعزيز قدراتها الدفاعية، مع انتقال تدريجي لدور قيادي أكثر نشاطًا للدول الأوروبية الكبرى، مثل ألمانيا وبريطانيا. هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة توزيع السلطة داخل الحلف، وإعادة تعريف العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في المجال العسكري، بما يعكس مرحلة جديدة من “أوروبية الناتو” وتركز على استقلالية القارة في الدفاع عن نفسها، دون التخلي الكامل عن الدعم الأمريكي.
في ظل الصراعات الإقليمية، خصوصًا الحرب الروسية في أوكرانيا، ستظل هذه العملية حساسة، حيث تتطلب توازنًا دقيقًا بين تقليص الاعتماد على واشنطن وضمان الاستقرار والأمن الأوروبيين، مع إدارة ديناميات القوة داخل الحلف بشكل يضمن استمرار فعاليته ومرونته الاستراتيجية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112158
