المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ ماذا سيحدث لأوروبا إذا انسحبت الولايات المتحدة من الحلف؟
قد يتخذ دونالد ترامب القرار الذي هدد به هو وأقرب معاونيه خلال العام 2026، وهو سحب الولايات المتحدة من حلف الناتو، مع أن الأمر، كما قيل، ليس بهذه البساطة من الناحية القانونية. بإمكانه بالفعل تقديم إخطار رسمي، لكن النقطة محل النقاش هي ما إذا كان بإمكان الرئيس القيام بذلك دون موافقة الكونغرس، إذ يوجد منذ عام 2023 قانون يمنع الانسحاب الأحادي دون موافقة مجلس الشيوخ أو الكونغرس في الدولة الطالبة. هذا يجعل الأمر أشبه بـ “نعم ولا” في آن واحد، وهو قرار صعب وطويل الأمد، ولكنه مع ذلك يترك معضلة لم يكن من الممكن التكهن بها، على الأقل مع احتمال تحويل هذا السيناريو إلى واقع. إن انسحابا محتملا أو ابتعادا حقيقيا للولايات المتحدة سيكون له تداعيات هيكلية على التحالف، وآثار محددة على أوروبا من حيث الإنفاق والدفاع.
يحظر قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA 2024) صراحة على الرئيس سحب البلاد من حلف شمال الأطلسي (الناتو) دون موافقة أغلبية ساحقة من ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أو بموجب قانون يقره الكونغرس. إضافة إلى ذلك، توجد لوائح أخرى، مثل قانون دعم الناتو، تحظر استخدام الأموال العامة لتمويل أي عملية انسحاب. على الرغم من أن ترامب قد يحاول الطعن في هذه القوانين أمام المحكمة العليا، بحجة أن الرئيس لديه سلطة حصرية على المعاهدات الدولية، إلا أن الإطار القانوني الحالي مصمم لمنع الخروج الأحادي الجانب. بإمكانه وهذا أمر معتاد منه أن يتجاهل الكونغرس، ويبدأ الإجراءات الرسمية، ليظهر غضبه، وفي هذه الحالة سنجد أنفسنا أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الانسحاب الكامل
سيرسل ترامب إشعارا رسميا بموجب المادة 13 من معاهدة شمال الأطلسي، مما يبدأ فترة عام واحد للانسحاب الفعلي. وخلال تلك الفترة، ستظل الالتزامات بما في ذلك المادة 5 سارية المفعول. وفقا للمادة 13 المذكورة، بعد مرور عشرين عاما على سريان المعاهدة، يجوز لأي من الأطراف أن يتوقف عن كونه جزءا منها بعد عام واحد من إخطار حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء عضويتها، والتي بدورها ستبلغ حكومات الأطراف الأخرى بإيداع كل إخطار بالإنهاء. سيخسر حلف الناتو 70% من قدراته العسكرية التقليدية والاستخباراتية والردع النووي، مما يجعل أوروبا عرضة لروسيا والصين وإيران، مع احتمال انهيار التماسك بين الحلفاء.
تعليق المشاركة في القيادات المتكاملة
يمكن للولايات المتحدة أن تظل دولة موقعة على المعاهدة، ولكن يمكنها تعليق مشاركتها في القيادات المتكاملة مثل قيادة القوات المشتركة في أوروبا، على غرار فرنسا في عام 1966. وقد ألمح ترامب بالفعل إلى هذا الأمر للضغط على الدول الأعضاء لزيادة الإنفاق. في هذه الحالة، ينجو حلف الناتو، لكنه يضعف بشكل كبير في العمليات، تتولى أوروبا القيادة، واللوجستيات، والتدريبات، مع وجود ثغرات في الاستخبارات، وإسقاط القوة العالمية. قد يستخدم ترامب التهديدات (التعريفات الجمركية، وسحب القواعد العسكرية) لإجبار الحلفاء على زيادة الإنفاق إلى ما بين 3 و5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز التعاون، كما فعل مع إسبانيا بشأن مضيق هرمز وإيران. في هذه الحالة، لا يوجد انسحاب قانوني، لكن ذلك يضعف ثقة الحلفاء.
ما هي التداعيات التي قد تترتب على خروج الولايات المتحدة من حلف الناتو بالنسبة لأوروبا؟
إن خروج الولايات المتحدة من حلف الناتو سيمثل زلزالا استراتيجيا لأوروبا، مما سيجبرها على إعادة تشكيل أمنها بالكامل في غضون عام من الإخطار الرسمي. ستخسر أوروبا ثلثي إجمالي إنفاق حلف الناتو (حوالي 250 مليار يورو سنويا من الولايات المتحدة وحدها)، بالإضافة إلى معلومات الأقمار الصناعية، والتفوق الجوي، والردع النووي التقليدي، مما يجعل القارة عرضة لروسيا شرقا، والتهديدات الهجينة جنوبا. وسيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تجنيد 300 ألف جندي إضافي، ومضاعفة الاستثمارات في التعاون الهيكلي الدائم في مجال الدفاع (PESCO) ثلاث مرات لسد الثغرات، مع قيادة ألمانيا وفرنسا لقيادة أوروبية مؤقتة.
سيتفكك حلف الناتو سياسيا، حيث يسعى الحلفاء الشرقيون إلى الحصول على ضمانات ثنائية مع واشنطن، بينما ستسرع أوروبا من استقلالها (الجيش الألماني، والقوة النووية الفرنسية) في انتظار الانسحابات المتبقية لكندا وتركيا. بعد التأثير ستحدث كارثة مالية، حيث سيتم إعادة توجيه الميزانيات الوطنية بشكل كبير إلى الدفاع (من 2% الحالية إلى 4-6% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الرئيسية)، مما يؤدي إلى خفض الأموال المخصصة للصحة والمعاشات التقاعدية أو التحول الأخضر، مع انخفاض قيمة اليورو بسبب فقدان ثقة المستثمرين. وفي الوقت نفسه، ستنخفض أسواق الأسهم بنسبة أولية تتراوح بين 10 و20%، وسينهار التوافق التشغيلي للأسلحة العديد منها من أصل أمريكي دون استبدال أو صيانة.
ولا ينبغي إغفال أن روسيا ستتقدم في أوكرانيا ودول البلطيق دون خشية تفعيل المادة الخامسة بشكل فعلي، بينما ستكتسب الصين نفوذا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال تشتيت انتباه أوروبا. أما فرنسا، فستوسع نطاق نفوذها النووي، ولكن وسط انقسامات داخلية (المجر وبولندا مواليتان للولايات المتحدة). سيعمل الاتحاد الأوروبي على تسريع إنشاء “حلف ناتو أوروبي” عبر معاهدة دفاع مشتركة، لكن سيستغرق الأمر ما بين خمس وعشر سنوات ليصبح فعالا، مع مخاطر التفكك نتيجة لاختلاف الرؤى الوطنية. إنه سيناريو معقد، ومع ذلك، ينبغي لأوروبا أن تتجه نحوه لتجنب الاعتماد على أهواء دونالد ترامب أو خلفائه، بعد أن رأينا أن هذا الخيار قابل للتطبيق بالفعل في واقع مستقبلي لا ينبغي أن يفاجئنا.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن البيئة الأمنية الدولية تتجه نحو مرحلة أكثر سيولة وتعقيدا خلال العقد القادم، حيث يتراجع وضوح التحالفات التقليدية لصالح ترتيبات مرنة ومؤقتة تحكمها المصالح الآنية. وفي هذا السياق، يمثل احتمال تراجع الدور الأمريكي داخل حلف الناتو نقطة تحول مفصلية، قد تدفع أوروبا إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي بعيدا عن الاعتماد التاريخي على واشنطن.
من المرجح أن تسارع الدول الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، إلى بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالا، سواء عبر تعزيز برامج التصنيع العسكري المشترك أو توسيع مبادرات مثل التعاون الهيكلي الدائم. إلا أن هذا التحول لن يكون سلسا، إذ ستواجهه تحديات تتعلق بتباين الأولويات الاستراتيجية بين دول شرق وغرب أوروبا، إضافة إلى القيود الاقتصادية والضغوط الداخلية.
ستستغل قوى دولية مثل روسيا والصين أي فراغ استراتيجي محتمل لتعزيز نفوذها، سواء عبر أدوات القوة الصلبة أو من خلال الحروب الهجينة التي تشمل الهجمات السيبرانية والتأثير المعلوماتي. ومن المتوقع أن تصبح هذه الأدوات أكثر حسما من المواجهات العسكرية التقليدية، خاصة في ظل صعوبة الوصول إلى حروب شاملة بين القوى الكبرى.
قد يؤدي إعادة توجيه الموارد نحو الإنفاق الدفاعي إلى إبطاء مسارات التحول الأخضر والتنمية الاجتماعية داخل أوروبا، مما يخلق توترات سياسية داخلية ويغذي صعود التيارات الشعبوية. وفي الوقت ذاته، ستسعى الصناعات الدفاعية الأوروبية إلى سد الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة، وهو مسار طويل يتطلب استثمارات ضخمة وتنسيقا عابرا للحدود.
يبدو أن العالم يتجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، أقل استقرارا وأكثر اعتمادا على موازين قوى متغيرة، حيث تصبح المرونة الاستراتيجية والقدرة على التكيف السريع عاملين حاسمين في بقاء الدول وتأثيرها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116957
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
