خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ لماذا يختلف “الصراع المباشر” بين موسكو والحلف عن حرب أوكرانيا؟
يقول مستشار عسكري إن سعي ألمانيا لجعل جيشها الأقوى في أوروبا أمر ضروري في ضوء التهديد الذي تشكله روسيا على القارة، حيث سيختلف الصراع مع موسكو بشكل كبير عن حرب الاستنزاف التي تشهدها أوكرانيا. كان المستشار الألماني فريدريش ميرز قد تعهّد في مايو 2025 بتحويل الجيش الألماني القوة العسكرية الأكبر في أوروبا، وبالإضافة إلى التشريع المقترح لتعزيز أعداد القوات، والذي تم الكشف عنه خلال نوفمبر 2025، أظهرت برلين نواياها لتعزيز جيشها في السنوات القادمة.
يؤكد نيكولاس دراموند، الخبير الاستراتيجي الدفاعي المقيم في المملكة المتحدة: “إن الجيش الألماني الأكبر حجمًا يمكن أن يحوّل المشهد الأمني في أوروبا، التي حذر قادتها من أن موسكو قد توسع عدوانيتها إلى ما هو أبعد من أوكرانيا بحلول نهاية العقد”. تابع دراموند في إشارة إلى التقدم البطيء على خط المواجهة: “من السهل للغاية استخلاص استنتاجات خاطئة من الحرب في أوكرانيا”، أضاف دراموند: “أن الصراع المستقبلي مع القوات المسلحة الروسية المعاد تشكيلها سيكون سريع الخطى مع استخدام أكبر للقوة الجوية في الأسابيع الأولى”.
تحذير أوروبا من روسيا
تُبرز خطة الاتحاد الأوروبي للاستعداد الدفاعي لعام 2030 الاستعداد لأي صراع محتمل بحلول نهاية العقد، ومقترحات المشرعين الألمان لتعزيز الإنفاق العسكري للبلاد وأعداد قواتها القلق إزاء التهديد الذي تُشكّله روسيا. كان قائد الجيش البولندي، فيسلاف كوكولا، آخر مسؤول رفيع المستوى يصف هذا التهديد، قائلاً: “إن روسيا بدأت بالفعل الاستعداد للحرب مع بولندا بعد أوكرانيا. صرح دراموند: “أن من المرجح التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا خلال الاثني عشر إلى الثمانية عشر شهرًا القادمة، إذ لا يستطيع أي من الطرفين الاستمرار، نظرًا لتراجع قدراته على خط المواجهة.
لكن هذا سيثير تساؤلات حول المدة التي ستستغرقها روسيا لإعادة تسليح نفسها، ومتى قد تشن هجومًا جديدًا”. وتوقع بعض المحللين أن يستغرق الأمر ما يصل إلى عشر سنوات. يعتقد دراموند أن ذلك قد يحدث بسرعة أكبر إذا قررت الصين وكوريا الشمالية وإيران مساعدة موسكو. مؤكدًا: “الصين تنتج مركبات مدرعة وصواريخ بمعدلات هائلة”.
أشار دراموند إلى أن الحرب في أوكرانيا وُصفت بأنها “الحرب العالمية الأولى بالطائرات بدون طيار”، أي حرب استنزاف ثابتة تنطوي في كثير من الأحيان على خنادق، أضاف دراموند: فإننا سوف نمتلك قدرة مناورة سريعة للغاية ضد روسيا إذا هاجمت دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، التالي، فإننا سوف نشهد استخدامًا أكبر بكثير للقوة الجوية، وسوف نشهد استخدامًا أكبر بكثير للقوة في الأسابيع الأولى من أي صراع”.
الدور الدفاعي المستقبلي لألمانيا
من المتوقع أن تنفق ألمانيا 153 مليار يورو (178 مليار دولار) سنويًا على الدفاع بحلول عام 2029، أو 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يجعلها ثالث أعلى دولة منفقة على الدفاع في العالم بعد الولايات المتحدة والصين.توقع دراموند أن تركز الميزانية الألمانية على الاستثمار في مجالات تشمل المدفعية والذخائر والصواريخ المجنحة “على نطاق واسع، ومن المتوقع كذلك أن تستثمر في الدفاع الجوي. قد يؤدي هذا إلى تولي القوات المسلحة الألمانية المسؤولية الرئيسية عن الأمن ضد التهديدات المستقبلية لحلف شمال الأطلسي في القارة، وخاصة فيما يتصل بروسيا، في أعقاب حربها على أوكرانيا.
أكد دراموند: “ستعتمد العديد من الدول الأوروبية على ألمانيا لما تتمتع به من موارد مالية ضخمة واقتصاد ضخم”. وبينما سيقاتل حلف الناتو كتحالف يضم فرقًا بريطانية ألمانية وقوات متعددة الجنسيات، “ستكون ألمانيا وحدها مسؤولة عن توفير كميات كبيرة من الأسلحة”. بموجب خطط المشرعين الألمان، قد يرتفع عدد أفراد الجيش الألماني إلى 260 ألف جندي خلال العقد المقبل، من 182 ألف جندي. سيدرس المشرّعون الألمان في ديسمبر 2025 تشريعًا يُلزم جميع الرجال البالغين من العمر 18 عامًا بالإجابة على أسئلة حول إمكانية خدمتهم ابتداءً من عام 2026، والخضوع لفحص طبي لتقييم لياقتهم البدنية ابتداءً من العام الذي يليه. أما بالنسبة للنساء فوق سن 18 عامًا، فستكون هذه الاستبيانات طوعية.
ثلاثة مجالات لتلبية أهداف قدرات حلف شمال الأطلسي
يوضح رافائيل لوس، زميل السياسة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “إن الحكومة الألمانية تسعى إلى تحقيق ثلاثة مجالات لتلبية أهداف قدرات حلف شمال الأطلسي وتنفيذ حصة ألمانيا من خطط دفاع الحلف”. تشمل هذه المجالات التوظيف والاحتفاظ بالموظفين، والمشتريات، والبنية التحتية. وصرح لوس قائلاً: “إن ما تقرره ألمانيا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بخطط الناتو الدفاعية وأهدافه المتعلقة بالقدرات”. تابع لوس: “يدعم الألمان عمومًا هذا النوع من مسار النمو للقوات المسلحة. كما يدعمون بشدة الدور القيادي لألمانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لن تقود ألمانيا أوروبا، بل مجموعة من الدول المهمة، بما فيها ألمانيا، لتقود دولًا أخرى”.
النتائج
تشير التحركات الألمانية المتسارعة نحو بناء أكبر قوة عسكرية في أوروبا إلى تحوّل استراتيجي عميق في التفكير الأمني لبرلين، يتجاوز الإطار التقليدي لسياسة الدفاع الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالتعهدات التي أطلقها المستشار فريدريش ميرز، والدعم الذي يقدمه خبراء عسكريون، يعكسان قناعة متنامية بأن البيئة الأمنية الأوروبية دخلت مرحلة جديدة تتطلب استعدادًا مختلفًا، خصوصًا مع استمرار التهديد الروسي وتوقعات إعادة بناء الجيش الروسي خلال السنوات القادمة. يبدو أن برلين تنظر إلى الحرب في أوكرانيا بوصفها نموذجًا أوليًا لصراع أوسع محتمل، وليس حالة استثنائية.
تقييم هذه الاستراتيجية يكشف أن ألمانيا تسعى إلى سد فجوات واضحة في القدرات الدفاعية الأوروبية، سواء في الميادين البرية أو الجوية أو في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي. وإذا وصلت الإنفاقات الدفاعية الألمانية إلى 153 مليار يورو بحلول 2029، فإن برلين ستقترب من تموضع غير مسبوق على الخريطة العسكرية العالمية، ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي. غير أن هذا المسار يثير تساؤلات حول قدرة ألمانيا على تفعيل خطط التجنيد والاحتفاظ بالكوادر، خاصة أن رفع عدد القوات إلى 260 ألف جندي يتطلب بنية تحتية ضخمة وإصلاحات إدارية عميقة لتحسين منظومة التوظيف والدعم اللوجستي.
تبقى المخاطر ماثلة، إذ يحذر محللون من أن روسيا، رغم إنهاكها قد تستعيد قدرتها العسكرية أسرع مما يُتوقع، خاصة إذا تلقت دعمًا تقنيًا وعسكريًا من الصين أو كوريا الشمالية أو إيران. وفي حال تم التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا خلال الفترة المتوقعة بين 12 و18 شهرًا، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تمنح موسكو فرصة لإعادة التسلح، ما يزيد من احتمالات صدام مستقبلي في نهاية العقد، ومن هنا تأتي أهمية استعدادات الناتو، التي يبدو أن ألمانيا ستتولى فيها دورًا محوريًا، خصوصًا في الدفاع البري والجوي.
تشير التطورات إلى أن أوروبا تتجه نحو إعادة رسم هندسة أمنية جديدة، تتصدرها ألمانيا بمشاركة فرنسا وبولندا ودول شمال أوروبا. وفي ظل تنامي الإنفاق الدفاعي وتعدد المبادرات الأوروبية المشتركة، من المتوقع أن تنتقل برلين من موقع الشريك الأمني إلى موقع القائد الفعلي في التخطيط الدفاعي للناتو داخل القارة. لكن النجاح في ذلك سيعتمد على مدى قدرة ألمانيا على تحقيق التوازن بين التزاماتها المالية، وفاعلية منظومة المشتريات العسكرية، والتحديات السياسية الداخلية المرتبطة بإعادة التجنيد الإجباري. وفي حال نجحت برلين في بناء جيش قادر على الاستجابة السريعة وامتلاك قدرات ردع متقدمة، فقد تتحول إلى ركيزة الاستقرار الأوروبي في مرحلة تتسم بتقلبات جيوسياسية متصاعدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111910
