المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ لماذا ألمانيا “مركز محوري” داخل الحلف؟
يُجري حلف شمال الأطلسي تدريبات واسعة النطاق لنشر القوات استعدادًا للصراع. ويجري إرسال سفن من إسبانيا باتجاه ألمانيا، ولا تشارك الولايات المتحدة في هذه التدريبات، لكن مشاركتها مطروحة للنقاش. ,يتولى الجنرال إينغو غيرهارتز، الطيار المقاتل السابق، قيادة أكبر مناورة لحلف الناتو خلال العام 2026. تهدف هذه المناورة إلى إظهار قدرة الحلف على حشد القوات بسرعة داخل أوروبا، وإعادة نشرها من الجنوب والغرب إلى الشمال والشرق، لردع إي هجوم محتمل على أراضي الناتو.
خدمات النقل واللوجستيات
يتم نشر آلاف الجنود والمعدات والمركبات العسكرية من مختلف الدول الأوروبية في ألمانيا؛ تصل السفن الحربية وسفن الشحن إلى الموانئ الألمانية، حيث تُفرّغ حمولتها من المركبات العسكرية وناقلات الوقود وسيارات الجيب والإمدادات. وتصل قوافل عسكرية إلى ألمانيا من إيطاليا وجمهورية التشيك. كما يتم نقل القوات جوًا من تركيا واليونان. ووفقًا لحلف الناتو، يتم استخدام أكثر من 1500 مركبة عسكرية، بما في ذلك دبابات القتال وقاذفات الصواريخ، وأكثر من 20 طائرة مقاتلة.
“رأس حربة الناتو” في العمل
تُجري قوة الرد السريع التابعة لحلف الناتو، وهي قوة ردّ فعل سريع قوامها حوالي 40 ألف جندي، وتُعتبر رأس حربة الناتو (القوات المسلحة الألمانية)، هذا التمرين واسع النطاق. وتشارك إحدى عشرة دولة من دول الناتو في التمرين حتى شهر مارس، بمشاركة نحو 10 آلاف جندي. تتجمع ست سفن من إسبانيا وتركيا مبدئيًا في روتا، ومنها ستتجه نحو كيل. وستنضم إليها سفن أخرى من ألمانيا وفرنسا وهولندا وبولندا. وخلال الرحلة، سيتم تأمين القافلة عبر الدعم الجوي، تحسّبًا لمحاولة أي عدو عرقلة تحركات القوات في حال نشوب نزاع.
دور ألمانيا كمركز محوري
يركز التمرين بشكل خاص على دور ألمانيا كمركز محوري. لماذا مركز محوري؟ في حال نشوب صراع مع روسيا، على سبيل المثال في دول البلطيق، ستكون ألمانيا، بحكم موقعها الجغرافي، بمثابة قاعدة عبور. في غضون مهلة قصيرة جدًا، قد يُضطر إلى نقل ما يصل إلى 800 ألف جندي ومعدات وأنظمة أسلحة من مختلف دول حلف الناتو شرقًا عبر ألمانيا. يجب ضمان النقل عبر الطرق والجسور والسكك الحديدية، بما في ذلك المؤن والوقود والإمدادات الطبية والدعم الفني. في الواقع، تمر جميع طرق الإمداد عبر ألمانيا، كما صرّح المفتش العام للجيش الألماني، كارستن بروير.
يتألف التمرين الجاري لحلف الناتو من مرحلة انتشار ومرحلة تدريب. وسيكون موقع التدريب الرئيسي في فبراير/شباط في منطقة بيرغن التدريبية في لونيبورغ هيث، ساكسونيا السفلى، وهي إحدى أكبر مناطق التدريب العسكري في أوروبا. ومع ذلك، ستُجرى التدريبات أيضًا في مواقع أخرى، مثل ساحل بحر البلطيق في شليسفيغ هولشتاين. وفي منطقة بوتلوس التدريبية، على سبيل المثال، يخطط الجيش لعرض عملية إنزال برمائي.
الولايات المتحدة لا تشارك في التمرين
لا تشارك الولايات المتحدة في التمرين. ووفقًا لحلف الناتو، فإن ذلك لا يعود لأي أسباب سياسية، بل لسبب آخر، وهو أن الدول المشاركة في منتدى القوات المسلحة الآسيوية تتناوب بانتظام. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة حاضرة، كموضوع للنقاش.
هل لا يزال بالإمكان الاعتماد على دولة يُسيء رئيسها مرارًا وتكرارًا إلى شركاء الناتو؟ هل لا يزال التعاون الطبيعي ممكنًا في عهد ترامب؟ نعم، هذا هو الجواب بالإجماع. يقول غيرهارتز، أحد كبار جنرالات الناتو، خلال زيارة إلى حاملة الطائرات الإسبانية “كاستيا”: “على المستوى العملياتي، لا يُلاحظ أي شيء”. ووفقًا له، فإن العمل مع زملائه الأمريكيين على مستوى قيادة الناتو يسير بسلاسة. ويضيف: “إنهم أصدقائي”. ستبقى الولايات المتحدة في الناتو، وعلى مستواه، فهو يتعامل مع الأمريكيين يوميًا، لا شك في ذلك.
“الآخرون مسؤولون عن السياسة.”
يقول خوان باوتيستا بيريز بويغ، قائد البحرية الإسبانية على متن حاملة الطائرات “كاستيا”، على هامش عرض لتحميل المركبات العسكرية، إن العمليات اليومية لم تتغير. ويقول البحارة العاديون على متن السفينة، الذين سيبحرون قريبًا إلى ألمانيا، إنهم أقل قلقًا بشأن وضع ترامب. يقول أحد البحارة: “نحن نؤدي واجبنا؛ السياسة شأن آخر”. ويعبّر آخرون عن مشاعر مماثلة.
النتائج
تعكس المبادرة تحوّلًا نوعيًا في مقاربة حلف شمال الأطلسي لمفهوم الردع، إذ لم يعد يقتصر على امتلاك القدرات العسكرية، بل بات يركّز على اختبار سرعة الحشد والجاهزية اللوجستية والقدرة على التحرك العابر للحدود داخل القارة الأوروبية. فجوهر الرسالة الموجّهة ليس عسكريًا فحسب، بل سياسيًا واستراتيجيًا، مفادها أن الناتو قادر على نقل قواته ومعداته في زمن قياسي، حتى في ظل تعقيدات البنية التحتية المدنية والقيود القانونية الوطنية.
تُبرز المناورة الأهمية المتزايدة لألمانيا بوصفها العمود الفقري اللوجستي للحلف. فتركيز التمرين على الموانئ والسكك الحديدية والجسور وخطوط الإمداد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي مواجهة محتملة في الجناح الشرقي، ولا سيما في دول البلطيق، ستُحسم بقدرة الحلف على الاستدامة والدعم طويل الأمد، وليس فقط بالانتشار الأولي. ومن هنا، تتحول الجغرافيا الألمانية إلى عنصر ردع بحد ذاته، ما يضع برلين أمام مسؤوليات أمنية وسياسية متزايدة خلال السنوات المقبلة.
غياب الولايات المتحدة عن التمرين، رغم التطمينات الرسمية، يفتح بابًا واسعًا للتأويل. فحتى وإن كان السبب تقنيًا أو دوريًا، فإن السياق السياسي المرتبط بالرئيس دونالد ترامب يعمّق تساؤلات الأوروبيين حول موثوقية المظلة الأمريكية مستقبلًا. وهذا ما يفسّر الإصرار الأوروبي المتزايد على إظهار القدرة على العمل الجماعي دون حضور أمريكي مباشر، في إطار ما يمكن وصفه بتمرين الاستقلالية الاستراتيجية داخل الحلف، لا خارجه.
من المرجّح أن تشهد مناورات الناتو تركيزًا أكبر على سيناريوهات النقل والحماية اللوجستية والهجمات الهجينة، بما في ذلك تعطيل البنية التحتية وسلاسل الإمداد. كما يُتوقع أن تتسع مشاركة الدول الأوروبية وأن تتزايد الاستثمارات في البنية التحتية العسكرية-المدنية المشتركة. وفي المحصلة، لا تبدو هذه المناورات مجرد تدريب عابر، بل خطوة في مسار إعادة تشكيل الردع الأطلسي في مرحلة تتسم بتصاعد التهديدات وعدم اليقين السياسي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114344
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
