خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ كيف أصبحت القواعد النووية للحلف أهدافًا روسية؟
يخشى الاتحاد الأوروبي أن تهاجم روسيا دولة عضوًا في حلف الناتو قبل عام 2030، بل وحتى خلال العامين 2026 -2027 . ومن المرجح أن تكون دولة البلطيق هدفًا للتهديدات الروسية فلاديمير بوتين. هذا هو التحذير الذي أصدره في نوفمبر 2025 مفوض الدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، المشارك في مؤتمر “الدفاع عن دول البلطيق في عام 2025: دروس من الحرب في أوكرانيا لمنطقة البلطيق”. أضاف المفوض الليتواني: “تشير أجهزتنا الاستخباراتية، بما في ذلك تلك الموجودة في ألمانيا والدنمرك وفنلندا وهولندا وتلك الموجودة في منطقتنا في إشارة إلى دول البلطيق، إلى أن بوتين قد يكون مستعدًا لاختبار المادة الخامسة خلال العامين إلى الأربعة أعوام المقبلة، قبل عام 2030”. تنص المادة الخامسة التي أشار إليها كوبيليوس على أن “أي هجوم مسلح على عضو في حلف شمال الأطلسي يُعتبر هجومًا عليهم جميعًا”. وهذا يعني أن على الحلف ككل أن يدافع عن ذلك البلد ويصد العدوان، مما قد يؤدي إلى حرب على أراضي الاتحاد الأوروبي.
الأطر الزمنية للتهديد جديرة بالملاحظة
الأطر الزمنية التي ذكرها مفوض الدفاع جديرة بالملاحظة، فحتى نوفمبر 2025، كان يُقال إن بوتين قد يبدأ هجومًا قبل عام 2030، لكن الفترة التي ذكرها الليتواني “من سنتين إلى أربع سنوات” توحي بأن هذا الوضع قد يكون وشيكًا، في الواقع، بحلول عام 2027. لطالما كان كوبيليوس من أكثر الأصوات التي حذرت من خطط بوتين، ليس فقط بصفته مفوض الدفاع، بل لأصله الليتواني. فهذه الدولة، إلى جانب لاتفيا وإستونيا، من بين أكثر الدول تضررًا من التهديدات الروسية. ليس هذا فحسب، إذ تُبلغ بولندا عن “انتهاكات شبه يومية” على حدودها، كما شهدت رومانيا والدنمارك دخول طائرات بدون طيار إلى مجالهما الجوي في مناسبات عديدة، وقد حلقت هذه الطائرات المسيرة نفسها فوق مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت نووية في بلجيكا خلال أكتوبر 2025.
محاولات لإظهار ضعف الديمقراطيات الأوروبية
تُصعّد روسيا من استفزازاتها وأفعالها، وصولًا إلى أوروبا الوسطى. وتكتسب حالة بلجيكا أهمية خاصة، إذ تضم بروكسل، عاصمتها، مقر الاتحاد الأوروبي والمجلس والبرلمان، بالإضافة إلى مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد أدت الطائرات المسيرة، القادمة من “جهة حكومية” “مرتبطة بروسيا”، إلى تعطيل الخدمات في مطار زافينتيم، المطار الرئيسي للمدينة وفي البلاد ككل. ويُعدّ هذا المطار هدفًا مثاليًا لمحاولة بوتين إظهار ضعف الديمقراطيات الأوروبية. وفقًا لكوبيليوس، تتجاوز الأهداف الروسية الجناح الشرقي. حذّر مفوض الدفاع الأوروبي في أكتوبر 2025 من أن “إسبانيا ودول الجنوب تواجه تحديات وتهديدات قد تأتي كذلك من خلال الطائرات البحرية المسيّرة”. وأكد قائلًا: “يجب أن نضع هذا في اعتبارنا”.
إرسال قوات أوكرانية للدفاع عن الحدود الشرقية للتكتل
أكد مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس: “إنه إذا انتهت حرب أوكرانيا باتفاق سلام، فمن الممكن إرسال قوات أوكرانية للمساعدة في الدفاع عن الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي ضد روسيا”. تابع كوبيليوس في فيلنيوس: “سيكون من الجيد أن يكون الجيش الأوكراني الذي اختبر القتال، بعد إحلال السلام في أوكرانيا، جاهزًا للتواجد في جميع بلدان منطقتنا الحدودية، بدءًا من منطقة البلطيق وفي ليتوانيا، إلى جانب اللواء الألماني والكتائب الأمريكية المتناوبة”. إن هذا الاحتمال بعيد للغاية في الوقت الحالي، حيث يواصل الجيش الروسي تقدمه في شرق أوكرانيا، ولم يظهر الزعيم الروسي فلاديمير بوتن أي علامة على اهتمامه بالتوصل إلى حل وسط يمكن أن ينهي الفرار.
تمتلك أوكرانيا جيشًا هو الأكثر خبرةً في أوروبا، وهو ما سيكون ذا قيمةٍ لا تُقدّر بثمنٍ للحلفاء الآخرين. تأتي دعوة كوبيليوس في وقتٍ تتلاشى فيه الوعود السابقة بانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو بسبب مقاومة الولايات المتحدة وحلفاء آخرين. أكد كوبيليوس، رئيس الوزراء الليتواني السابق: “أن أي نشر أوكراني لن يقوض إرسال ألمانيا لواء مدرع إلى ليتوانيا، أو وجود القوات الأميركية في المنطقة، أو أحكام الدفاع المشترك المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي”. يوضح مفوض الدفاع الأوروبي: “نحن الليتوانيون تعلمنا في تاريخنا أنه من الأفضل أن يكون لدينا ضمانات متعددة لأمننا”، وأن المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي ينبغي أن تكون مدعومة بأحكام الأمن الخاصة بالاتحاد الأوروبي مع آلية واضحة لكيفية تنفيذها”.
النتائج
يشير التحذير الذي أطلقه مفوض الدفاع والفضاء الأوروبي الليتواني أندريوس كوبيليوس في نوفمبر 2025 إلى تصعيد حادًا في مستوى القلق الأوروبي من النوايا الروسية، حيث تحولت التوقعات العامة بحدوث هجوم محتمل على دولة عضو في الناتو قبل عام 2030 إلى إطار زمني أكثر إلحاحًا يتراوح بين عامين وأربعة أعوام، أي بحلول عام 2027. هذا التقييم، المدعوم بتقارير استخباراتية من دول أوروبية متعددة، يركز بشكل خاصًا على دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) كأهداف مرجحة، ويهدف إلى اختبار مدى جديةً تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو.
تتجاوز الاستفزازات الروسية الحدود الشرقية التقليدية، كما يتضح من الانتهاكات شبه اليومية على حدود بولندا ورومانيا والدنمارك، وصولًا إلى الأهمية الخاصة لحادث الطائرات المسيرة “المرتبطة بروسيا” فوق منشآت حيوية في بلجيكا، بما في ذلك مطار بروكسل ومقري الاتحاد الأوروبي والناتو. يرى كوبيليوس أن هذه الأفعال تمثل محاولة متعمدة من بوتين لإظهار “ضعف الديمقراطيات الأوروبية” وتوسيع نطاق التهديد ليشمل حتى دول جنوب أوروبا، مثل إسبانيا، عبر الطائرات المسيرة البحرية.
من المرجح أن يؤدي هذا التحذير القوي والإطار الزمني الوشيك إلى تسريع وتيرة التعزيزات الدفاعية داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، خاصةً في الجناح الشرقي. ستصبح المنطقة الحدودية، وتحديدًا دول البلطيق، نقطة ارتكاز للوجود العسكري الغربي (مثل اللواء الألماني والقوات الأمريكية المتناوبة). ومع ذلك، فإن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هي اقتراح كوبيليوس، الذي يبدو مستقبليًا وبعيد المنال حاليًا، حول إمكانية نشر قوات أوكرانية “مختبرة بالقتال” للدفاع عن حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية في حال التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب.
على الرغم من أن هذا الاحتمال يواجه عقبات كبيرةً (استمرار التقدم الروسي وغياب إشارات التسوية من بوتين)، فإنه يعكس وعيًا أوروبيًا متزايدًا بالقيمة الاستراتيجية للجيش الأوكراني الأكثر خبرة في أوروبا. هذا الاقتراح، الذي لا يُقصد به أن يحل محل المادة الخامسة أو القوات الحليفة الأخرى، يندرج ضمن توجه ليتواني أوسع نحو “ضمانات متعددة للأمن”، ويدعو إلى تعزيز أحكام الأمن الخاصة بالاتحاد الأوروبي بآلية تنفيذ واضحة. يواجه الاتحاد الأوروبي سيناريو أمنيًا متوترًا يفرض عليه الانتقال من مرحلة التخطيط طويل الأجل إلى الاستعدادات الفورية والملموسة داخل العامين المقبلين، مع بقاء أمن إستونيا ولاتفيا وليتوانيا هو المحور الرئيسي للمخاطر.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111782
