خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ دمج الأسلحة والتعاون مع الحلف، تحدٍ للأمن الألماني
رفضت الحكومة الأمريكية طلب وزارة الدفاع الألمانية لدمج صواريخ نظام إطلاق الصواريخ الموجهة المتعدد (GMLRS) التي اشترتها برلين من واشنطن مع منصات إطلاق صواريخ أوروبية. قدمت الحكومة الألمانية عدة طلبات من هذا النوع على مدى السنوات الماضية، ومع ذلك لم يظهر أي من إدارتي بايدن أو ترامب أي استعداد للموافقة، بحسب مصادر حكومية ألمانية وأمريكية. وقد يهدد هذا الرفض قدرة الجيش الألماني على التشغيل البيني مع الولايات المتحدة وحلفاء الناتو الآخرين، الذين يستخدم العديد منهم منصات إطلاق أمريكية الصنع.
حاجة ماسة لإعادة بناء قدرات المدفعية الصاروخية
يُعد تحديث وتوسيع أنظمة المدفعية الصاروخية في ألمانيا أحد الأهداف المحورية في إطار ما يُعرف بـ(Zeitenwende)، وهو التحول الجذري في السياسة الخارجية والدفاعية الذي أعلنته برلين ردًا على التهديد الروسي المتزايد والحرب الدائرة في أوكرانيا منذ فبراير 2022. وقد كشفت الحرب بشكل واضح عن فجوات كبيرة في القدرات الألمانية، خاصة في مجال المدفعية الصاروخية، ما دفع الحكومة إلى تبني نهج أكثر شمولًا لإعادة بناء هذه القدرات وتعزيز جاهزية الجيش على المدى الطويل. ولسنوات اعتمدت ألمانيا على منصات MARS II المتوافقة مع الأنظمة الأمريكية، لكنها باتت اليوم تسعى إلى تجاوز هذا الإرث التقليدي عبر تبني نظام Euro-PULS الجديد، وهو مشروع مشترك بين شركتي الدفاع Elbit وKNDS، يتميز بمرونته وقدرته على استخدام ذخائر وصواريخ من عدة مصنّعين. وترى برلين في هذا النظام خطوة نحو استقلالية أكبر داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية وتطوير قدرة ردع أكثر فاعلية.
ألمانيا تحتاج إلى موافقة أمريكية لدمج الأسلحة
اشترت برلين خمس منصات من نظام Euro-PULS للاختبار والتقييم، ومن المخطط دمجها رسميًا في الجيش الألماني بحلول عام 2026، ضمن جهود تحديث وتوسيع قدرات المدفعية الصاروخية. ومع ذلك، فإن القرار باستخدام هذه المنصات الجديدة أثار مجموعة من التحديات المعقدة على صعيد التعاون الدولي والاعتمادات التقنية. فدمج الأسلحة الأمريكية في نظام Euro-PULS يتطلب الحصول على موافقة صريحة من السلطات الأمريكية، وهو ما يمثل عقبة أساسية أمام تنفيذ المشروع بكامل إمكانياته. لم تتوافق صواريخ GMLRS التي اشترتها ألمانيا من الولايات المتحدة والمستخدمة على منصات MARS II التابعة للبوندسوير مع نظام Euro-PULS، ما يخلق فجوة في التكامل بين الأنظمة. وقد أعربت وزارة الدفاع الألمانية منذ البداية عن ثقتها بأن واشنطن ستمنح التصريح اللازم، إلا أن هذا التصريح لم يصدر بعد، رغم مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، ما يضع برلين أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحديث معداتها الدفاعية وتحقيق التنسيق مع حليفها الاستراتيجي.
ما هي أسباب الرفض الأمريكي
يضع هذا الوضع وزارة الدفاع الألمانية في موقف بالغ الحساسية والتعقيد. فبالإضافة إلى عدم توافق منصات Euro-PULS الجديدة مع صواريخ GMLRS الموجودة في مخزون الجيش الألماني، يواجه الجيش تحديًا أكبر يتمثل في صعوبة دمج الأسلحة الأمريكية مع الأنظمة الألمانية، ما يعرقل كذلك القدرة على التعاون الفعال مع شركاء الناتو. فدول مثل إيطاليا وبولندا وبلغاريا ورومانيا ودول البلطيق جميعها اعتمدت على نظام HIMARS الأمريكي وصواريخ GMLRS المرتبطة به، ما يجعل تكامل القدرات الدفاعية مع هذه الدول أمرًا محوريًا. ومن بين الأسباب المحتملة لرفض الولايات المتحدة السماح بالدمج، المخاوف من أن برامج التحكم بالنيران، التي تربط المنصة بالصاروخ، قد تمنح الشركات الأوروبية رؤية جزئية لكيفية عمل بعض أكثر الصواريخ الأمريكية تقدمًا، مثل صاروخ PrSM الذي يصل مداه إلى نحو 1000 كيلومتر. وأشار بعض المسؤولين في وزارة الدفاع الألمانية إلى أن واشنطن قد تقدم في المستقبل حلًا برمجيًا مبتكرًا يسمح بالتغلب على هذه المخاوف دون المساس بالأسرار التقنية.
النتائج
يشير رفض الولايات المتحدة المتكرر لطلب ألمانيا دمج صواريخ GMLRS الأمريكية مع منصات Euro-PULS الأوروبية إلى توترات محتملة في مسار تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية وتوسيع التعاون العسكري مع حلفاء الناتو. هذه المسألة ليست مجرد مسألة تقنية، بل ترتبط مباشرة بالقدرة التشغيلية للجيش الألماني على العمل بشكل متكامل مع الأنظمة الأمريكية المستخدمة من قبل الدول الأوروبية الأخرى، مثل إيطاليا وبولندا ودول البلطيق، ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى التشغيل البيني داخل الحلف.
تأتي هذه التعقيدات في سياق ما يعرف بـ(Zeitenwende)، وهو التحول الاستراتيجي الألماني في السياسة الدفاعية استجابة لحرب أوكرانيا. تهدف برلين إلى تحديث منظومات المدفعية الصاروخية وإعادة بناء قدراتها التقليدية، ما يتطلب الاستثمار في منصات إطلاق متقدمة مثل Euro-PULS، القادرة على استخدام أسلحة متعددة المصدر. غير أن الحاجة إلى موافقة أمريكية لدمج صواريخ GMLRS تكشف عن تبعية تقنية لا تزال تعيق استقلالية ألمانيا في إدارة أنظمتها الدفاعية، وقد تؤخر جهود التحديث أو تحد من الفعالية التكتيكية للجيش الألماني.
الرفض الأمريكي، بحسب الخبراء، يعود إلى مخاوف أمنية تتعلق ببرامج التحكم بالنيران المتقدمة، والتي قد تكشف عن تقنيات حساسة. وهذا يعكس التوازن الدقيق بين حماية الأسرار الدفاعية الأمريكية وضمان إمكانية التشغيل البيني للحلفاء الأوروبيين، وهو أمر قد يفرض على ألمانيا البحث عن حلول برمجية بديلة أو عن بدائل صاروخية أوروبية لتحقيق التكامل المطلوب.
مستقبليًا، يشير هذا الموقف إلى أن ألمانيا قد تضطر إلى تعزيز قدراتها الدفاعية عبر مسارات مستقلة أو من خلال شراكات أوروبية، بدل الاعتماد المطلق على الأنظمة الأمريكية، وهو ما قد يشجع على تطوير صواريخ أوروبية متقدمة قابلة للتكامل مع منصات Euro-PULS. كما قد يؤدي إلى إعادة النظر في خطط التعاون التكتيكي مع دول الناتو التي تعتمد أنظمة أمريكية، بما يفرض تغييرات في استراتيجيات التدريب والعمليات المشتركة.
في المحصلة، يعكس هذا الموقف تحديات جوهرية تواجه ألمانيا في سعيها لتعزيز جاهزيتها الدفاعية بعد عقود من الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، ويضع الحلف الأوروبي أمام ضرورة موازنة بين الحماية التكنولوجية الأمريكية وبين تعزيز القدرة التشغيلية المشتركة. إن معالجة هذه الفجوة التقنية ستشكل عاملاً حاسمًا في قدرة ألمانيا والناتو على الاستجابة بفعالية لأي تهديدات مستقبلية، خصوصًا في ظل تزايد التهديدات الإقليمية والهجينة في أوروبا الشرقية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112620
