المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو وروسيا ـ دلالات التهديدات الروسية على أمن أوروبا والحلف
كشفت روسيا عن أهدافها المحتملة داخل أوروبا، حيث أعلن الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف ذلك بعبارات شديدة اللهجة حملت تحذيرا مباشرا إلى الدول الأوروبية. وجاء هذا التصعيد في أعقاب الاجتماع الذي جمع بين المستشار الألماني فريدريش ميرز، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العاصمة الألمانية برلين، وهو اللقاء الذي عكس مستوى متقدما من التنسيق السياسي والعسكري بين الجانبين الألماني والأوكراني في ظل استمرار الحرب مع روسيا. وفي هذا السياق، قدمت وزارة الدفاع الروسية قائمة بالأهداف العسكرية المحتملة داخل أوروبا، وهو تطور لافت يعكس انتقال الخطاب الروسي من مجرد التحذير العام إلى تحديد نطاقات جغرافية ومنشآت بعينها قد تدخل ضمن حسابات الاستهداف.
تحدث ميدفيديف، الذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، عن “قائمة أهداف محتملة” للجيش الروسي، مؤكدا أن توقيت تنفيذ أي هجمات محتملة سيعتمد على تطورات المرحلة المقبلة. وأضاف في لهجة تحمل طابعا تهديديا واضحا: “موعد تنفيذ هذه الهجمات يعتمد على ما سيحدث لاحقا. ناموا قريري العين، أيها الشركاء الأوروبيون الأعزاء!”. وتعكس هذه العبارة محاولة لإيصال رسالة ردع نفسي وسياسي إلى العواصم الأوروبية، مفادها أن انخراطها في دعم أوكرانيا قد يجعلها عرضة لتبعات مباشرة.
تهديد المنشآت التي تلبي الاحتياجات العسكرية الأوكرانية
بحسب ما ورد في التقارير، فإن القائمة الروسية تركز بشكل أساسي على المنشآت التي تلبي الاحتياجات العسكرية الأوكرانية، سواء من حيث الإنتاج أو الإمداد أو الدعم اللوجستي. وتشمل هذه القائمة فروعا لإحدى عشرة شركة أوكرانية منتشرة داخل عدد من الدول الأوروبية، من بينها المملكة المتحدة، والدنمارك، ولاتفيا، وألمانيا، وهولندا، وليتوانيا، وبولندا، وجمهورية التشيك. كما تضم القائمة عشر شركات أخرى تعمل في مجال تصنيع المكونات العسكرية، وتتوزع في دول مثل جمهورية التشيك، وإسرائيل، وتركيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا. ورغم أن الأهداف المحددة لم يتم الكشف عنها بشكل تفصيلي، إلا أن المؤشرات العامة توضح أن روسيا تراقب عن كثب عملية نقل جزء من الصناعات العسكرية الأوكرانية إلى خارج الأراضي الأوكرانية. وتأتي هذه الخطوة من جانب كييف في إطار محاولة حماية قدراتها الإنتاجية من الضربات الجوية الروسية، التي استهدفت خلال الفترة الماضية العديد من المنشآت الحيوية داخل أوكرانيا. ومن خلال توزيع الإنتاج على عدة دول أوروبية، تسعى أوكرانيا إلى تقليل مخاطر التدمير الشامل لبنيتها الصناعية العسكرية، وضمان استمرار تدفق الإمدادات إلى جبهات القتال.
ومن الأمثلة البارزة على هذا التوجه، إنشاء أول مصنع أوكراني داخل الاتحاد الأوروبي بالقرب من قاعدة سكريدستروب الجوية في الدنمارك، وهي منطقة لا تبعد سوى القليل عن مدينة فلنسبورغ الألمانية. ويعمل هذا المصنع على إنتاج وقود لصاروخ “فلامنغو” الجديد، وهو ما يعكس مستوى متقدما من التعاون الصناعي العسكري بين أوكرانيا وبعض الدول الأوروبية. كما تمتلك شركة “فرونت لاين روبوتيكس” الأوكرانية طائرات مسيرة يتم إنتاجها بالتعاون مع شركة “كوانتوم سيستمز” الألمانية الناشئة في مجال الدفاع، وهو ما يعزز من قدرات أوكرانيا في مجال الطائرات غير المأهولة التي أصبحت عنصرا حاسما في طبيعة الحرب الحديثة. في هذا الإطار، ترى موسكو أن نقل هذه الأنشطة إلى أوروبا لا يخرجها من دائرة الاستهداف، بل على العكس، قد يوسع نطاق العمليات المحتملة ليشمل أراضي دول أوروبية. ومن هنا جاء التهديد الروسي باتخاذ “إجراءات مضادة”، وهو تعبير فضفاض قد يشمل طيفا واسعا من الأدوات، بدءا من الهجمات السيبرانية ومرورا بعمليات التخريب غير المباشر، ووصولا إلى احتمالات تصعيد عسكري محدود في ظروف معينة.
سياق سياسي وعسكري متصاعد
يأتي هذا التصعيد الروسي في وقت يشهد فيه التعاون بين ألمانيا وأوكرانيا تطورا ملحوظا. فقد اتفق المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على عدة اتفاقيات تعاون خلال مشاورات حكومية عقدت في برلين خلال شهر أبريل 2026. وتشمل هذه الاتفاقيات جوانب متعددة، من بينها الدعم العسكري المباشر، وتعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، إلى جانب تنسيق أوسع في القضايا الأمنية. ومن أبرز ما تم الاتفاق عليه، التزام ألمانيا بتمويل صواريخ باتريوت إضافية لصالح أوكرانيا، وهو ما يعكس رغبة برلين في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكراني في مواجهة الهجمات الروسية. كما اتفق الطرفان على توسيع نطاق التعاون في قطاع الدفاع، بما يشمل تطوير مشاريع مشتركة بين الشركات الألمانية والأوكرانية، وتعزيز تبادل الخبرات والتكنولوجيا. وجاء في بيان مشترك صادر عن ميرز وزيلينسكي: “سنعمل على تعزيز المزيد من المشاريع المشتركة، ونتفق على توثيق التنسيق والتعاون في مجال الدفاع والصناعات الدفاعية، بما في ذلك تعزيز التعاون الدفاعي الألماني الأوكراني”. ويعكس هذا البيان توجها استراتيجيا نحو تعميق الشراكة بين البلدين، بما يتجاوز الدعم العسكري التقليدي إلى بناء بنية صناعية دفاعية مشتركة.
دلالات التهديد الروسي
تحمل التحذيرات الروسية عدة دلالات مهمة على صعيد المشهد الجيوسياسي. فمن ناحية، تسعى موسكو إلى ردع الدول الأوروبية عن الاستمرار في دعم أوكرانيا، من خلال التلويح بإمكانية نقل الصراع إلى داخل أوروبا. ومن ناحية أخرى، تعكس هذه التهديدات إدراكا روسيا بأن نقل الصناعات العسكرية الأوكرانية إلى الخارج يمثل تحديا جديدا لقدرتها على إضعاف كييف عسكريا. كما أن استخدام شخصيات بارزة مثل ميدفيديف في إطلاق هذه التصريحات يعكس رغبة في إيصال رسائل قوية دون التورط في إعلان رسمي مباشر من القيادة العليا، وهو أسلوب درجت عليه روسيا في إدارة التصعيد. ويتيح هذا النهج لموسكو هامشا من المناورة، حيث يمكنها التراجع أو التصعيد بحسب تطورات الميدان دون الالتزام بمواقف رسمية نهائية. في المقابل، من المتوقع أن تثير هذه التهديدات قلقا متزايدا داخل الدول الأوروبية، خاصة تلك التي تستضيف منشآت مرتبطة بالصناعات العسكرية الأوكرانية. وقد يدفع ذلك إلى تعزيز إجراءات الأمن والحماية حول هذه المنشآت، إلى جانب رفع مستوى التنسيق الاستخباراتي بين الدول الأوروبية لرصد أي تهديدات محتملة.
بين الردع والتصعيد
يعكس هذا التطور انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدا، حيث لم يعد مقتصرا على الأراضي الأوكرانية، بل بات يمتد إلى الفضاء الأوروبي من خلال التهديدات والاستعدادات المحتملة. ومع ذلك، يبقى احتمال تنفيذ هجمات مباشرة داخل أوروبا محل شك، نظرا لما قد يترتب عليه من تصعيد واسع مع حلف شمال الأطلسي. وعليه، قد تفضل روسيا في المرحلة المقبلة استخدام أدوات أقل مباشرة، مثل الهجمات السيبرانية أو العمليات غير التقليدية، لتحقيق أهدافها دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وفي الوقت نفسه، سيواصل الغرب، وعلى رأسه ألمانيا، دعم أوكرانيا، مع محاولة إدارة هذا التصعيد بحذر لتجنب الانزلاق إلى صراع أوسع. وهكذا، تقف أوروبا أمام معادلة معقدة تجمع بين دعم أوكرانيا والحفاظ على أمنها الداخلي، في ظل تهديدات روسية متزايدة قد تعيد رسم ملامح الأمن الأوروبي في المرحلة المقبلة.
النتائج
تشير التصريحات الروسية إلى دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدا تتجاوز حدود أوكرانيا نحو فضاء أوروبي أوسع، ولو على مستوى التهديدات الاستراتيجية. في المدى القريب، من المرجح أن تظل هذه التهديدات في إطار الردع النفسي والسياسي، خاصة أن توجيه ضربات مباشرة داخل دول أوروبية قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع حلف الناتو، وهو سيناريو تحاول موسكو تجنبه.
مع ذلك، فإن استمرار نقل الصناعات العسكرية الأوكرانية إلى دول أوروبية سيجعل هذه المنشآت أهدافا محتملة في الحسابات الروسية، سواء عبر هجمات سيبرانية أو عمليات تخريب غير مباشرة أو حتى تصعيد محدود يصعب نسبه رسميا. هذا النمط من “الحرب الرمادية” قد يشكل السمة الأبرز للمرحلة المقبلة، حيث تتجنب الأطراف الانزلاق إلى حرب شاملة مع الحفاظ على أدوات الضغط المتبادل.
على الجانب الأوروبي، من المتوقع أن تدفع هذه التهديدات نحو تعزيز التنسيق الدفاعي ورفع مستويات الحماية للبنية التحتية العسكرية والصناعية، إلى جانب تسريع برامج التسليح المشترك. كما قد تتزايد الضغوط داخل بعض الدول لإعادة تقييم مستوى الانخراط في دعم أوكرانيا، خاصة إذا ارتفعت كلفة المخاطر الأمنية المباشرة.
في المقابل، سيواصل الغرب دعم كييف باعتباره جزءا من استراتيجية احتواء روسيا، لكن مع محاولة إدارة التصعيد بعناية. وفي حال استمرت موسكو في استخدام خطاب التهديد، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من التماسك داخل الناتو بدلا من إضعافه.
تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيج من التصعيد المحسوب والردع المتبادل، حيث تبقى أوروبا ساحة ضغط غير مباشر، دون أن تتحول حتى الآن إلى ميدان مواجهة مفتوحة.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
