الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الناتو وروسيا ـ الحرب الهجينة وأدواتها في حرب أوكرانيا

hybrid warfare
نوفمبر 10, 2025

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)

الناتو وروسيا ـ الحرب الهجينة وأدواتها في حرب أوكرانيا

تمثل الحرب الهجينة (Hybrid Warfare) أحد أكثر المفاهيم تطورًا في العقيدة العسكرية الحديثة، إذ تعكس التحول من أنماط الحروب التقليدية التي كانت تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيوش، إلى أنماط أكثر تعقيدًا تمزج بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، النظامية وغير النظامية، لتحقيق أهداف استراتيجية دون إعلان حرب رسمية. وفقًا للتعريفات الأكاديمية والعسكرية، تتضمن الحرب الهجينة مزيجًا من العمليات السيبرانية، والهجمات الدعائية، والضغط الاقتصادي، والتهديدات النووية، واستخدام الوكلاء المحليين والميليشيات، بهدف إرباك الخصم واستنزافه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وقد بدأ هذا المفهوم يترسخ في داخل الناتو بعد عام 2014 عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حين أشار الأمين العام للحلف آنذاك إلى أن “التهديدات لم تعد تأتي فقط من الدبابات، بل من المعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية”.

ما تاريخ الحروب غير التقليدية؟

تمتد جذور الحروب غير التقليدية تاريخيًا، إلى الحرب الباردة، عندما استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أدوات الحرب النفسية والدعاية والعمليات السرية في صراعهما. غير أن روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي أعادت بلورة هذا النهج في عقيدتها العسكرية الحديثة، كما تجسد في “عقيدة جيراسيموف” التي تمزج بين الوسائل العسكرية والسياسية والإعلامية لإضعاف العدو من الداخل. أصبحت أوكرانيا منذ عام 2014 ميدان الاختبار الأبرز لهذا النمط من الحروب، إذ انخرطت موسكو في حرب شاملة متعددة الأبعاد ضد كييف، جمعت بين العمليات الميدانية والضربات السيبرانية والدعاية السياسية وحرب المعلومات.

كيف أصبحت حرب روسيا وأوكرانيا نموذجًا؟

تُعد حرب أوكرانيا النموذج الأوضح للحرب الهجينة، لأنها كشفت أن موازين القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بعدد الدبابات أو الصواريخ، بل بقدرة الأطراف على التحكم في الفضاء المعلوماتي والتكنولوجي والسيبراني، وعلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتضليل الإعلامي كسلاحٍ موازٍ للبندقية. حذّرت رئيسة وزراء الدنمارك في الأول من أكتوبر 2025 من أن أوروبا تواجه تهديدًا بحرب هجينة تشنّها روسيا، وأنه يتعين عليها إعادة تسليح نفسها والاستعداد لاحتمال اندلاع صراع شامل. أكدت ميته فريدريكسن: “إن القارة الأوروبية تواجه خطرًا غير مسبوق في أعقاب سلسلة الهجمات بالطائرات المسيّرة الروسية التي اخترقت أجواء حلف الناتو خلال العام “2025، وهو ما حذّر منه خبراء باعتباره تكتيكًا لاختبار دفاعات الحلف. وأضافت فريدريكسن: “آمل أن يدرك الجميع الآن أننا نعيش حربًا هجينة؛ فاليوم تكون في بولندا، وغدًا في الدنمارك، وربما في ستكون في مكان آخر حيث نرى أعمال تخريب أو طائرات مسيّرة تحلّق في الأجواء”. الدفاع والأمن في ألمانيا، مفاهيم جديدة بعد حرب أوكرانيا. ملف

كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة؟

تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أحد أبرز أدوات الحرب الحديثة، وأصبح يشكّل سلاحًا استراتيجيًا في الصراع بين الناتو وروسيا في حرب أوكرانيا. فمع تصاعد العمليات العسكرية، لعبت تقنيات تحليل البيانات والصور الملتقطة بالأقمار الصناعية دورًا جوهريًا في تحديد مواقع القوات الروسية وتقييم تحركاتها الميدانية بدقة غير مسبوقة. اعتمدت وحدات الناتو على خوارزميات تعلم الآلة لتفسير ملايين الصور الملتقطة، وهو ما مكّن أوكرانيا من توجيه ضربات دقيقة، خاصة في المناطق الحدودية والشرقية.

جرى تطوير أنظمة مسيّرات قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والتعامل معها ذاتيًا دون تدخل بشري مباشر، وهو ما جعل سلاح الطائرات بدون طيار عاملًا حاسمًا في ميزان القوة الميداني. وبرزت شركات خاصة مثل “Palantir” الأمريكية و”Clearview AI” في توفير منصات تحليل بيانات ضخمة استخدمت لدعم القوات الأوكرانية في التعرف على الأفراد والمعدات الروسية من خلال تقنيات التعرف على الوجه وتحليل الحركة.

اعتمدت موسكو أيضًا على الذكاء الاصطناعي في تطوير مسيّرات هجومية واستخدام خوارزميات متقدمة لتنسيق نيران المدفعية واستهداف البنى التحتية الحيوية. لكن الاستخدام الأخطر تمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في الدعاية الحربية وتحليل اتجاهات الرأي العام، حيث استخدمت روسيا روبوتات رقمية (Bots) ومنصات تواصل مدعومة بخوارزميات تعلم آلي للتأثير على النقاشات العامة في الغرب وأوروبا الشرقية، وإعادة توجيه السرديات لصالحها. وهكذا أصبحت الحرب في أوكرانيا نموذجًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي مزدوج، يجمع بين الدور القتالي والمعلوماتي والدعائي في آنٍ واحد.

ما أدوات التضليل الإعلامي وحرب السرديات؟

منذ الأيام الأولى للحرب، اشتعلت “حرب السرديات” بين موسكو وكييف، مدعومة بآلة إعلامية ضخمة في الجانبين. ركز الإعلام الأوكراني والغربي على تأطير الصراع ضمن معادلة “الديمقراطية مقابل الاستبداد”، مقدّمًا أوكرانيا كجدار الدفاع الأخير عن النظام الليبرالي الغربي في مواجهة روسيا. في المقابل، صاغت موسكو رواية معاكسة تعتبر أن تدخلها العسكري دفاعي، يهدف إلى “تحرير الروس الناطقين بالروسية” من “نظام فاشي” في كييف تدعمه قوى غربية معادية. هذه الحرب الخطابية تحوّلت إلى أداة تعبئة نفسية هائلة، تجاوزت حدود الجغرافيا، لتصل إلى الرأي العام العالمي عبر شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

أصبحت المنصات مثل X (تويتر سابقًا) وتيليغرام وتيك توك ساحات مواجهة مفتوحة. اعتمد الجانب الأوكراني على إنتاج محتوى بصري مؤثر يعزز صورة المقاومة الشعبية، فيما استخدمت روسيا مقاطع مفبركة وتقارير مزيفة لإضعاف الثقة في الإعلام الغربي. وقد أظهرت دراسات الاتحاد الأوروبي أن أكثر من (60%) من المحتوى المضلل حول الحرب نُشر عبر حسابات روسية أو موالية لها، في إطار عمليات منظمة لتشويه الحقائق وتوجيه الإدراك الجمعي. تؤكد هذه الحرب الإعلامية أن الصراع لم يعد يدور فقط على الأرض، بل في العقول. وأصبح التحكم في السردية وتوجيهها أحد أخطر أسلحة القرن الحادي والعشرين، إذ يمكن لخبر مزيف أو فيديو معدّل أن يغيّر موازين الدعم الشعبي والسياسي للحرب أكثر من قذيفة مدفعية. الدفاع ـ إلى أي مدى يمكن أن يسهم التعاون البحري بين ألمانيا وكندا في ردع روسيا؟

الحرب السيبرانية وحرب المعلومات

تُعد الحرب السيبرانية الركيزة الأولي في بنية الحرب الهجينة الروسية، حيث استخدمت موسكو منذ بدء حرب أوكرانيا قدراتها السيبرانية المتقدمة لضرب شبكات الاتصالات والطاقة والمياه والبنوك في أوكرانيا. فقد سجلت وكالة الأمن السيبراني الأوروبية أكثر من 250 هجومًا سيبرانيًا روسيًا خلال عام 2022 وحده، استهدفت البنية التحتية الحيوية الأوكرانية ومؤسسات الناتو. في المقابل، أنشأت كييف ما عُرف بـ”جيش تكنولوجيا المعلومات الأوكراني” (IT Army of Ukraine)، وهو تحالف من المتطوعين والهاكرز المدعومين من القطاع الخاص الغربي، نفذ آلاف الهجمات ضد المواقع الروسية الحكومية والإعلامية والمصرفية. هذه الحرب السيبرانية المتبادلة دفعت حلف الناتو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي ليشمل الردع السيبراني كجزء من الاستراتيجية الدفاعية للحلف، إذ أعلن في قمة مدريد 2022 أن “الهجوم السيبراني على أي دولة عضو يمكن اعتباره هجومًا جماعيًا بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن”.

استثمر الناتو بكثافة في بناء مراكز للابتكار الدفاعي السيبراني في كل من تالين وبروكسل، ورفع من ميزانية الحماية الرقمية للدول الأعضاء، مع التركيز على حماية سلاسل الإمداد والاتصالات الفضائية، في ظل مخاوف من استخدام موسكو قدراتها في الحرب الإلكترونية لإحداث شلل اقتصادي في أوروبا. وهكذا أصبحت “حرب المعلومات” أحد الميادين الأكثر حساسية، حيث تتقاطع فيها الجغرافيا الرقمية مع الأمن القومي، وتتحول البيانات إلى سلاح استراتيجي يعادل في تأثيره التفوق العسكري التقليدي. الناتو وروسيا ـ أين يقف الرأي العام الأوروبي من حلف شمال الأطلسي؟

تقييم وقراءة مستقبلية

– تؤكد تجربة أوكرانيا أن الحرب الهجينة لم تعد مجرد مفهوم نظري، بل واقع استراتيجي يعيد رسم معايير الصراع في القرن الحادي والعشرين. وأصبحت الحرب متعددة الطبقات، حيث يمكن لعملية سيبرانية أو حملة تضليل رقمية أن تكون بنفس تأثير قصف ميداني.

– غيّرت الحرب الهجينة مفهوم “القوة”، فلم تعد الجيوش وحدها تمثل الردع، بل أصبحت الشركات التكنولوجية، وشبكات التواصل، ووسائل الإعلام أدوات رئيسية في المعركة. كما أدت إلى بروز فاعلين جدد غير حكوميين قراصنة، مؤثرون رقميون، شركات أمن خاصة، ومنصات ذكاء اصطناعي تعمل لصالح أطراف النزاع.

– من المتوقع أن يتعزز الاتجاه نحو دمج قدرات الاستخبارات العسكرية مع قدرات تحليل البيانات، لتحديد نقاط الضعف المجتمعية للخصوم واستغلالها في عمليات نفسية واقتصادية. كذلك سيزداد الاعتماد على الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الشركات الأمنية والتكنولوجية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أدوات الحرب الحديثة.

– من المرجح أن تنشأ مدارس عقيدة عسكرية جديدة داخل الناتو وروسيا تركز على دراسة التداخل بين الأمن المادي والسيبراني والمجتمعي. وستواجه المؤسسات الدولية تحديًا قانونيًا غير مسبوق في تحديد مفهوم “العدوان” في ظل هذا الشكل من الحروب، ما سيؤدي إلى إعادة صياغة القوانين الدولية الخاصة باستخدام القوة، لتواكب الواقع الجديد الذي لم يعد فيه الخط الفاصل بين الحرب والسلام واضحًا.

– أصبح الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في مفهوم الردع المستقبلي، ويمثل تحوّلًا نوعيًا في العقيدة العسكرية للناتو وروسيا على حد سواء. يتوقع أن تتطور أنظمة القتال الذاتية لتصبح قادرة على اتخاذ قرارات هجومية ودفاعية دون تدخل بشري، ما يثير جدلًا حول “القتل الآلي” ومبدأ المساءلة القانونية في النزاعات.

– من المحتمل أن تصبح البيانات الضخمة (Big Data) المورد الأهم للأمن القومي، إذ تحدد دقتها وتحديثها لحظة النصر أو الهزيمة. كذلك يتزايد الخطر المزدوج لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية والحرب النفسية، حيث يمكن توليد محتوى زائف واقعي باستخدام تقنيات “Deepfake”، ما يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والمصطنع. في المحصلة، يمثل الذكاء الاصطناعي سلاح المستقبل الذي سيحدد شكل الجيوش والحروب لعقود قادمة.

– يبدو أن أوكرانيا ستكون النموذج الأهم الذي ستستخلص منه القوى الكبرى دروسها في الحروب المقبلة، حيث لم يعد الانتصار العسكري مرتبطًا فقط بتدمير العدو، بل بقدرته على التحكم في تدفق المعلومات، وخلق واقعٍ افتراضي يمنح شرعية سياسية ومعنوية للعمليات العسكرية. وبذلك يمكن القول إن الحرب الهجينة أعادت تعريف الاشتباك العسكري العالمي، إذ لم تعد الحرب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالعقل، وبالبيانات، وبالسيطرة على الإدراك الإنساني ذاته.

رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=111441

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

الهوامش

Putin’s hybrid war against Europe continues to escalate
https://bit.ly/49E4xmc

Russia maintains network for hybrid warfare in Europe
https://bit.ly/47xMNHT

Cyber Warfare in Russo-Ukrainian War
https://bit.ly/4nMNgLc

Russia now has a strategy for a permanent state of hybrid war
https://bit.ly/3JNxCkF

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...