خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو ـ هل الحلف مستعد لحرب الطائرات بدون طيار؟
بعد اختراق طائرات روسية بدون طيار المجال الجوي لبولندا ورومانيا، أطلق حلف شمال الأطلسي (الناتو) عملية “الحارس الشرقي” لتعزيز جناحه الشرقي. فهل يمكن لهذا أن يمنع المزيد من التوغلات؟ تصدرت حوادث الطائرات المسيّرة المشهد الأوروبي. ففي التاسع والعاشر من سبتمبر 2025، دخل عدد كبير من الطائرات الروسية المسيّرة المجال الجوي البولندي، وتم رصد ما يصل إلى 19 طائرة مسيّرة، أُسقط بعضها. وبعدها، اخترقت طائرات روسية بدون طيار أراضي رومانيا، وهي دولة حليفة أخرى لحلف شمال الأطلسي.
أسقطت قوات الأمن البولندية طائرة بدون طيار كانت تحلق فوق المباني الحكومية في بولندا، وأفادت التقارير باعتقال مشتبه به بيلاروسي وآخر أوكراني. وتنفي روسيا أي أفعالٍ مُتعمَّدة. ومع ذلك، يردُّ حلف الناتو بمهمةٍ جديدةٍ للدفاع عن المجال الجوي على حدوده الشرقية.
مبادرة الحارس الشرقي
أعلن التحالف الدفاعي، في بيان رسمي في 12 سبتمبر 2025، أن العملية الجديدة متعددة الوكالات، التي أُطلق عليها اسم “الحارس الشرقي”، من المقرر أن تُنفّذ خلال “فترة غير محددة”، وتشمل تعزيز القواعد البرية والدفاعات الجوية. بهذا، يهدف حلف الناتو إلى توجيه رسالة واضحة ليس فقط إلى دوله الأعضاء في أوروبا الشرقية، بل إلى روسيا. وقد تعهدت بريطانيا والدنمارك، من بين دول أخرى، بدعم هذه المبادرة. وضاعفت ألمانيا عدد الطائرات المقاتلة المنتشرة للدفاع الجوي في بولندا من طائرتين إلى أربع، وتنشر فرنسا طائرات “رافال” مقاتلة.
يجب أن يصبح الدفاع ضد الطائرات بدون طيار أكثر فعالية من حيث التكلفة
ربما استُخدمت الطائرات المقاتلة وصواريخ “جو-جو” بنجاح ضد الطائرات المسيّرة، لكنها بعيدة كل البعد عن كونها فعالة من حيث التكلفة. صرّح كريس كريميداس كورتني، خبير الدفاع في مركز السياسة الأوروبية (EPC)، وهو مركز أبحاث مقره بروكسل: “تتراوح تكلفة الطائرات المسيّرة التي نراها في أوكرانيا بين 10,000 و30,000 يورو للطائرة الواحدة. إذا أُطلقت عليها صواريخ تكلف ملايين الدولارات، فسرعان ما ينفد هواؤها”.
أضاف كريميداس كورتني: “ينبغي على دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية الاستثمار في تقنيات دفاعية أكثر كفاءة وحداثة، قادرة على إيقاف الطائرات المسيّرة بتكلفة زهيدة”. واستشهد بصواريخ “نيمبريكس” السويدية الصنع المضادة للطائرات المسيّرة كمثال، وإلا فسينشأ إشكال “تفاوت في التكلفة”.
ما هي فاعلية الجدار الأوروبي المضاد للطائرات؟
دول البلطيق، التي تتعرض باستمرار لاختراقات صاروخية روسية لمجالها الجوي، بالإضافة إلى بولندا وفنلندا، تسعى جاهدةً لتعزيز نظام دفاعي منسّق ضد الطائرات المسيّرة منذ عدة سنوات. في خطابها الأخير عن حالة الاتحاد، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذا النظام بـ”جدار الطائرات المسيّرة”. وقد أعلنت المفوضية الأوروبية عن مشروع مشترك لإنتاج طائرات بدون طيار بقيمة 6 مليارات يورو، حيث ستلعب الخبرة الأوكرانية دورًا مهمًا في تنفيذه.
يقول إيان بوند، نائب مدير مركز الإصلاح الأوروبي (CER)، وهو مركز أبحاث في بروكسل: “علينا أن نتعلم من الأوكرانيين. لقد نجحوا نجاحًا باهرًا في إسقاط طائرات روسية بدون طيار، وإذا كانت لديهم التكنولوجيا اللازمة لذلك، فعلينا اقتناءها ونسخها”.
الناتو في حالة حرب مع روسيا
أكد الرئيس السابق للجنة العسكرية لحلف شمال الأطلسي، الأدميرال روب باور:”إن إدخال مثل هذه التكنولوجيا الجديدة للدفاع ضد الطائرات بدون طيار على نطاق واسع سيكون تحديًا كبيرًا لحلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى الاستثمار في معدات جديدة”.ويضيف باور: “يجب على أوروبا تطوير عقلية جديدة تجاه روسيا”، متابعًا: “علينا إعلام الجمهور، وعلى الناس تقبّل وجود تهديد”.
من جانبه، يُؤكد الكرملين مرارًا وتكرارًا أن الناتو في حالة حرب مع روسيا، وهو ادعاء ينفيه الناتو باستمرار. ومع ذلك، ووفقًا للأدميرال باور، فإن التحالف في “منطقة رمادية بين السلام والحرب”، وفي حالة تأهب قصوى. “هذا يُرسل رسالة بالغة الأهمية إلى السيد بوتين: الناتو سيرد مهما حدث”. ويعتقد باور أن التدابير الدفاعية التي اتخذها الحلفاء أثبتت فعاليتها بإسقاط الطائرات المسيّرة فوق بولندا. وصرّح قائلًا: “لقد اجتزنا الاختبار، لكننا بحاجة إلى أن نصبح أكثر قدرة على التعامل مع هذه التهديدات الجديدة”.
هل يستطيع حلف شمال الأطلسي منع المزيد من الغارات الجوية بطائرات بدون طيار؟
يشكك إيان بوند، من مركز أبحاث العلاقات الخارجية، في قدرات حلف شمال الأطلسي الدفاعية الحالية ضد الطائرات المسيّرة. وصرّح قائلًا: “يبدو أن حلف شمال الأطلسي غير مستعد لإسقاط الطائرات المسيّرة. يحتاج التحالف إلى تحسين أدائه بشكل ملحوظ في هذا الصدد”. وأوضح بوند: “يجب على حلف الناتو إظهار المزيد من الحزم، وإسقاط الطائرات الروسية بدون طيار كلما كان ذلك آمنًا، حتى لو كانت تحلق فوق غرب أوكرانيا. في عدة حالات، امتنعت الدول الأعضاء في الحلف حتى الآن عن القيام بذلك”.
أفادت ليتوانيا، في يوليو 2025، بدخول طائرتين روسيتين مُسيّرتين مجالها الجوي، لكنها لم تُسقطهما. ووفقًا لبيان عسكري نُقل عن مصادر ليتوانية، لن تُتخذ مثل هذه الإجراءات إلا في الحالات القصوى. وفي أعقاب الحادثة، طلبت ليتوانيا من حلف شمال الأطلسي تعزيز دفاعاته الجوية.
مؤخرًا، لم تتخذ رومانيا إجراءات فعّالة ضد طائرة روسية مُسيّرة اخترقت مجالها الجوي، ثم غيّرت مسارها واتجهت نحو أوكرانيا. ووفقًا لوزارة الدفاع الرومانية، فإن طياري سلاح الجو الروماني الذين رصدوا الطائرة قد قيّموا المخاطر الجانبية وقرروا عدم إطلاق النار. وحذّر بوند من أن موسكو قد تفسر مثل هذا التقاعس على أنه إشارة مشجعة، وأن الطائرات بدون طيار قد تهاجم أهدافًا في أوكرانيا.
يجب تحسين إجراءات الحماية المدنية
ورغم أن اعتراض الطائرات بدون طيار قد يكون أمرًا حاسمًا للدفاع عن المجال الجوي لحلف شمال الأطلسي، فإن الخبراء يعتقدون أن الحكومات بحاجة إلى النظر في تدابير مثل تطبيقات التحذير من الغارات الجوية وزيادة قدرة الملاجئ. يقول المحلل العسكري إيان بوند: “إنها خطوة أخرى مُقلقة، لكنني لا أعتقد أنها مُبالغ فيها”. ويعتقد أن روسيا ستواصل اختبار حلفاء أوكرانيا الغربيين إذا لم يُعزّزوا قدراتهم الدفاعية ودعمهم لأوكرانيا بشكل كبير.
يتفق كريميداس كورتني مع هذا التقييم، قائلًا: “يتعيّن علينا أن نتوقع أن تحاول روسيا نفس الشيء مرة أخرى كل بضعة أسابيع حتى نجعلها تدفع ثمنًا يردعها”. مضيفًا: “ومن خلال عملية الحارس الشرقي، يهدف حلف شمال الأطلسي إلى تحقيق هذا الهدف على وجه التحديد”.
رابط مختصر.. https://www.europabct.racom/?p=109611
