المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو ـ ما مستقبل الردع الأوروبي في ظل إعادة توزيع الأولويات الأمريكية؟
استمر الجدل حول كيفية تنظيم الأوروبيين لدفاعهم لسنوات، وغالبًا ما يبدو وكأنه تكرار لما سبق. إلى أن جاء دونالد ترامب وأثار الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة من حلف الناتو، واتهم الحلفاء الأوروبيين بالتطفل. في الناتو، يزعمون أن قمة لاهاي العام 2025 حلت المشكلة، لأن الأوروبيين وافقوا على إنفاق 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع. لكن التصدعات في العلاقة عبر الأطلسي حقيقية، وانعدام الثقة فيها كذلك. يرى الرأي العام ذلك بوضوح أكبر من النخب، 73% من مواطني الاتحاد الأوروبي يقولون الآن إن على أوروبا “أن تسلك طريقها الخاص”.
حرب إيران مشكلة أمنية أوروبية
جعلت حرب ترامب ضد إيران هذا النقاش أكثر إلحاحًا. قد يكون لدى الأوروبيين شعارٌ “هذه ليست حربنا” لكنها في الواقع مشكلتنا. يتزايد خطر نقص الطاقة، ويتراجع النمو الاقتصادي، ومن المرجح أن ترتفع أسعار الفائدة. والأسوأ من ذلك: أن هذه الحرب تُعدّ مشكلة أمنية أوروبية. فالموارد التي تحتاجها أوكرانيا وأوروبا بشدة – الدفاع الجوي، والذخيرة، فضلًا عن المشاركة السياسية – تُحوّل أو تُؤخّر أو تُستخدم كورقة ضغط. وقد أوضحت واشنطن أن هناك تأخيرات في تسليم الطلبات التي تمّ تقديمها بالفعل. وهذا يُلحق ضررًا بالغًا بأوكرانيا، ولكنه يُهدّد بإحداث ثغرات في الدفاع الأوروبي.
لا يكمن جوهر المشكلة في رغبة أمريكا في نقل المزيد من المسؤولية إلى أوروبا، فهذا أمر حتمي ومبرر تمامًا. يكمن الخطر في أن ترامب ينظر إلى نقل الأعباء كأداة للمكافأة والعقاب الشخصيين. فتُعاقب ألمانيا علنًا بالتهديد بتقليص قواتها، وتُكافأ بولندا لأن حليفًا أيديولوجيًا يحظى باستقبال جيد هناك. قد يكون هذا مجرد استعراض سياسي، لكن له تبعات استراتيجية. إذا استمعنا إلى مارك روته، فسيكون خطاب الناتو في المقام الأول مُنصبًّا على إرضاء ترامب: ستنفق أوروبا مبالغ طائلة، وتقترب من نسبة 5%، وذلك بفضل قيادة ترامب. ولكن إذا أصبح هذا هو الإطار السائد، فإن أوروبا ستُغفل مرة أخرى النقطة الجوهرية. صحيح أن هناك حاجة إلى مزيد من الأموال، لكنها لم تعد جوهر المشكلة. السؤال هو: كيف نُنظّم الردع الأوروبي ضد الروس، عند الضرورة، بدعم أمريكي أقل بكثير؟
خطة عملية لأوروبا
أوروبا ليست عاجزة. فالقارة غنية ومتقدمة تكنولوجيًا، وكثيفة السكان بما يكفي لتحمل عبء الردع التقليدي بنفسها. وبإضافة أوكرانيا، تمتلك أوروبا طائرات مسيرة، وقدرات حرب إلكترونية، ومئة لواء قتالي جاهز. العقبة الرئيسية نفسية: هل هناك استعداد للتفكير والتصرف بمنطق القوة والردع الأوروبيين؟ هل هناك استعداد لكسر المحظورات؟. يجب على أوروبا أن تحضر قمة الناتو بخطة انتقال أوروبية عملية. ليس الهدف منها إقصاء الولايات المتحدة، بل منع انسحاب أمريكي فوضوي يُضعف الردع. يجب أن تُعطي هذه الخطة الأولوية لبرنامج طوارئ (على غرار مشروع مانهاتن عام 1942) يُغطي كل ما تحتاجه أوروبا والذي يٌعتمد فيه على الأمريكيين: الدفاع الجوي، والضربات بعيدة المدى، والأقمار الصناعية، والاستخبارات، والقيادة والسيطرة. يجب على أوروبا الحصول على هذه الموارد وتنظيمها على المستوى الأوروبي.
تُخصص الآن مئات المليارات من اليورو الإضافية للدفاع، ليس لإرضاء ترامب، بل لكبح جماح بوتين. ومن الأهمية بمكان إنفاق معظم هذه الأموال في أوروبا، بدلاً من شراء نحو 60% من الأسلحة الجديدة في الولايات المتحدة، كما هو الحال الآن. وهذا ضروري لتسريع الحصول على هذه الإمدادات إذ تُشير الولايات المتحدة بوضوح إلى أن احتياجاتها ومتطلباتها لها الأولوية وللحفاظ على الدعم الشعبي لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
لعلّ هيكل القيادة المتكامل هو أهم ما يقدمه حلف الناتو. ففي نهاية المطاف، للدفاع عن النفس، لا تحتاج أوروبا إلى الأسلحة والتكنولوجيا فحسب، بل إلى هيكل يتمتع بخبرة عقود في التخطيط والتدريب والقتال المشترك. ويقع على عاتق أوروبا وضع خطة عملية لكيفية إضفاء الطابع الأوروبي على هيكل القيادة هذا. وحتى الآن، كان أعلى قائد عسكري في حلف الناتو في أوروبا أمريكياً. ولعلّ التحوّل إلى قائد عسكري بريطاني في أوروبا خيارٌ مناسب أوروبي، لكن ليس من الاتحاد الأوروبي.
مآزق أوروبا
هناك أمران يجب تجنبهما. أولهما، إجراء النقاش تحت شعار “جيش أوروبي”، سواءً قُدِّمَ كخيارٍ جذاب أو كابوس. فالهدف ليس جيشًا أوروبيًا، فهذا لن يحدث، وليس ضروريًا. لكن هذا الإطار يُشتِّت الانتباه عما هو ضروري وممكن: وهو ترسيخ الردع والعقيدة الأوروبية.
ثانيًا، لا ينبغي أن نبدأ النقاش بالعنصر النووي لهذا الردع. صحيح أن هذا البُعد جزءٌ منه، لكن يجب أن يكون غاية استقلال أوروبا، لا نقطة انطلاق النقاش. يؤكد الأمريكيون بشدة على بقاء المظلة النووية قائمة. بل إنهم يرغبون في نشر أسلحة نووية في المزيد من الدول الأوروبية، مع سعيهم في الوقت نفسه إلى تقليص عدد القوات الأمريكية. ورغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد فتح الباب أمام توسيع دور قوة الردع النووي الفرنسية، إلا أن الجميع يعلم أن توحيدها مع أوروبا لا يزال بعيد المنال.
يجب على أوروبا تجنب هذه المخاطر والتحرك بسرعة أكبر لتنظيم دفاعها الخاص. أولئك الذين يركزون فقط على إبقاء ترامب في السلطة يقبلون بأن الرئيس الأمريكي هو من يحدد جدول الأعمال ويملي الشروط. أما أولئك الذين يضعون خطتهم الخاصة، فيجعلون الأمن الأوروبي مسؤولية أوروبية في نهاية المطاف، كما ينبغي أن يكون.
رابط نشر مختصر . https://www.europarabct.com/?p=119524
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
