خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
ما مستقبل الإنفاق الدفاعي في ظل الأزمات الاقتصادية الأوروبية؟
طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاء بلاده في حلف شمال الأطلسي بزيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير، معتبرًا أن على الدول الأوروبية وكندا تحمُّل مسؤوليات أكبر في تأمين دفاعها وأمن الحلف المشترك. تأتي هذه المطالب في سياق التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة في ظل حرب أوكرانيا، والتحديات الأمنية التي تواجه الغرب في بحر الصين الجنوبي، والشرق الأوسط، والمحيط الأطلسي.
رغم أن السنوات الأخيرة شهدت بالفعل زيادات ملحوظة في ميزانيات الدفاع لدى العديد من الدول الأعضاء في الحلف، إلا أن الأرقام الحديثة لا تزال بعيدة، بحسب ترامب، عن “العدالة الاستراتيجية” التي يجب أن تسود بين الشركاء.
دول الناتو الأوروبية وكندا سترفع إنفاقها الدفاعي
تشير التقديرات التي نُشرت إلى أن دول الناتو الأوروبية وكندا سترفع إنفاقها الدفاعي في العام 2025 بنسبة 15.9%، ليصل إلى نحو 559 مليار دولار أمريكي، مقارنة بـ 482 مليار دولار في العام 2024. ورغم أن هذه النسبة تُعد مرتفعة في سياق الميزانيات العامة، إلا أنها تقل عن الزيادة المسجلة في العام 2024، والتي بلغت 18.6%.
هذه الوتيرة المتراجعة نسبيًا للنمو تُثير قلق البيت الأبيض، لا سيما أن الولايات المتحدة لا تزال تتحمل القسط الأكبر من الإنفاق الدفاعي للحلف. فوفقًا للأرقام التي نشرها الناتو، من المتوقع أن يبلغ حجم الإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة خلال العام 2025 حوالي 845 مليار دولار، وهو ما يمثل أكثر من 50% من إجمالي إنفاق الناتو. هذه الفجوة الكبيرة في المساهمات تُعد محورًا دائمًا للجدل، إذ يشير المسؤولون الأمريكيون إلى أن العبء يقع على واشنطن بصورة غير عادلة.
عوامل تؤثر في هذه المعادلة
ثمة عوامل تؤثر في هذه المعادلة، من أبرزها وضع الميزانيات الوطنية للدول الأوروبية. فعلى سبيل المثال، أشار متحدث باسم الناتو إلى أن ألمانيا، رغم التزامها السياسي، لم تخصص بعد سوى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وهو الحد الأدنى الذي تم الاتفاق عليه في قمة الناتو في عام 2014. ويرتبط هذا التردد بعدم وضوح الرؤية حول الميزانية الفيدرالية للعام 2025، مما يترك مجالًا لزيادة محتملة إذا أقرت برلين مخصصات أعلى لاحقًا.
كان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الهولندي مارك روته، قد صرّح في يونيو 2025 بأن 31 من أصل 32 دولة عضوًا في الناتو أي جميع الدول باستثناء أيسلندا، التي لا تمتلك جيشًا أعلنت نيتها تخصيص ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي خلال العام 2025. يمثل هذا تقدمًا كبيرًا مقارنة بالوضع قبل 10 سنوات، حين كانت دول قليلة فقط تصل إلى هذا الهدف.
التقدم غير كافٍ لإرضاء الإدارة الأمريكية
لا يبدو أن هذا التقدم كافٍ لإرضاء الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل ضغوط ترامب المستمرة. ففي قمة الناتو في يونيو 2025 مارس الرئيس الأمريكي ضغطًا كبيرًا على الحلفاء، مطالبًا برفع سقف الطموح إلى ما هو أبعد من هدف الـ2%. وقد تم الاتفاق بالفعل على وضع هدف جديد أكثر طموحًا: استثمار ما لا يقل عن 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الجوانب المباشرة للدفاع، مثل شراء الأسلحة الحديثة، والتدريب، والدعم اللوجستي، وتعزيز الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد تمت إضافة نسبة 1.5% أخرى مخصصة للاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالدفاع، مثل تحديث القواعد العسكرية، والموانئ، والمطارات، وشبكات الاتصالات، وتطوير نظم القيادة والسيطرة. يهدف هذا التوسع في مجالات الإنفاق إلى بناء قدرة دفاعية شاملة ومتكاملة، يمكنها أن تواجه التحديات المتزايدة على الساحة الدولية. بذلك، يسعى الناتو إلى بلوغ هدف طموح يتمثل في تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع، ما يُعد نقلة نوعية مقارنة بالعقود السابقة.
الطموحات العسكرية نقاشات داخلية في عدد من العواصم الأوروبية
بلوغ هذا الهدف لا يزال بعيد المنال لكثير من الدول الأوروبية، التي تواجه في الوقت نفسه تحديات اقتصادية داخلية، كأزمات التضخم، وتباطؤ النمو، وضغوط التمويل الاجتماعي. وتثير هذه الطموحات العسكرية نقاشات داخلية في عدد من العواصم الأوروبية، بين مؤيدين يعتبرون ذلك ضرورة حتمية في ظل التهديدات الأمنية، وبين معارضين يخشون من تهميش الأولويات الاجتماعية الأخرى، مثل التعليم، والصحة، والتحول الأخضر.
يبدو أن العلاقة بين واشنطن وبقية حلفائها الأوروبيين في ضوء هذه التطورات، ستبقى رهينة معادلة دقيقة بين الأمن الجماعي وتكلفة الدفاع عنه. في حال مضى الناتو في طريق زيادة الإنفاق إلى 5%، فقد نشهد في السنوات المقبلة تحولات جذرية في ميزانيات الحكومات، وتركيبة الصناعات الدفاعية، وربما في الخطاب السياسي الداخلي للدول الأعضاء.
النتائج
يعكس الضغط المتزايد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حلفائه في الناتو رغبة أمريكية واضحة في إعادة توزيع أعباء الدفاع المشترك بما يعزز العدالة في تقاسم المسؤوليات المالية.
في حين تشير الأرقام إلى تحسن نسبي في إنفاق الحلفاء، فإن التفاوت لا يزال كبيرًا، ما يضع العلاقة بين واشنطن وأوروبا أمام اختبار سياسي مستمر.
مستقبلًا، من المرجّح أن تتسارع وتيرة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، خاصة في ظل التهديدات الجيوسياسية المتزايدة في شرق أوروبا والقطب الشمالي. غير أن الوصول إلى هدف 5% من الناتج المحلي الإجمالي قد يكون صعب التحقيق على المدى القصير، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي تواجهها بعض الدول الأوروبية.
قد تُواجه هذه الزيادات انتقادات داخلية، لا سيما من الأحزاب اليسارية أو الخضراء، التي ترى في الإنفاق الدفاعي المفرط تهديدًا للأولويات الاجتماعية والبيئية.
إن استمرار التوترات مع روسيا، وتعقيد الأوضاع الدولية، قد يُجبر الحكومات الأوروبية على المضي في هذا المسار الدفاعي رغم التحديات السياسية والاقتصادية المصاحبة له
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108360

