خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أصبحت الطائرات المسيّرة، أو ما يُعرف بالطائرات بدون طيار، جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي والدولي، ولم يعد استخدامها مقتصرًا على الأغراض العسكرية أو العمليات الاستخباراتية، بل باتت تُستَخدم في مجالات مدنية واسعة النطاق، مثل التصوير الجوي، ومراقبة البنية التحتية، والاستجابة للكوارث. غير أن الجانب العسكري يظل الأكثر حساسية وأهمية، حيث أثبتت هذه التكنولوجيا فعاليتها العالية في النزاعات المسلحة والحروب الحديثة، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تطوير برامج تدريبية وتعليمية لتعزيز مهارات مواطنيها في هذا المجال.
ليتوانيا تطلق برنامج تدريبي جديد
في هذا السياق، أعلنت ليتوانيا عن إطلاق برنامج تدريبي جديد يهدف إلى تعليم المدنيين، بمن فيهم تلاميذ المدارس، كيفية تشغيل وبناء الطائرات المسيّرة. ويأتي هذا القرار في ظل التحولات الجيوسياسية والأمنية التي تشهدها أوروبا الشرقية، خاصة بعد اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022، والتي كشفت عن الدور الحاسم الذي تلعبه الطائرات بدون طيار في ميادين القتال.
ووفقًا لما أعلنته وزارة الدفاع الليتوانية في العاصمة فيلنيوس، فإن البرنامج سينطلق رسميًا خلال الربع الاخير من العام 2025، حيث سيتم افتتاح 3 مراكز تدريب متخصصة في سبتمبر 2025، في خطوة أولى نحو خطة أكبر تهدف إلى إنشاء 9 مراكز تدريبية خلال السنوات القادمة.
أشار وزير الدفاع الليتواني، دوفيل ساكاليني، في بيان رسمي إلى: “أن البرنامج يطمح إلى تدريب 15,500 شخص بالغ و7,000 طفل على مهارات قيادة الطائرات المسيّرة بحلول عام “2028. ويبلغ عدد سكان ليتوانيا نحو 2.8 مليون نسمة، ما يجعل هذا البرنامج ذا تأثير واسع على نسبة كبيرة من المجتمع.
أوضح الوزير: “أن المحتوى التدريبي سيتم تصميمه بحيث يلبي احتياجات الفئات العمرية المختلفة، مع التركيز على الدمج بين الجانب التقني والجانب العملي. وستُدرج في الدورات موضوعات تشمل أساسيات التحكم بالطائرات، الصيانة، وتطبيقات السلامة، بالإضافة إلى مهارات متقدمة في التوجيه والملاحة”.
من الناحية المالية، خصصت الحكومة الليتوانية أكثر من 3.3 مليون يورو لهذا المشروع، على أن يتم تمويله وتنفيذه بالتعاون بين وزارتي الدفاع والتعليم. ويؤكد المسؤولون أن الهدف لا يقتصر على الاستخدامات المدنية، بل يتعداها إلى بناء قدرة ردع وطنية وتعزيز المقاومة المدنية في حال تعرض البلاد لأي تهديدات.
الطائرات المسيّرة باتت عنصرًا أساسيًا في الحروب المعاصرة
يأتي ذلك في إطار استراتيجية دفاع شاملة تتبناها ليتوانيا، التي تعتبر من الدول الأعضاء النشطة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولا يخفى أن الطائرات المسيّرة باتت عنصرًا أساسيًا في الحروب المعاصرة. فالتجربة الأوكرانية خلال السنوات الأخيرة تُظهر بوضوح حجم التغيير الذي أحدثته هذه التكنولوجيا في أساليب القتال.
إذ تعتمد القوات الأوكرانية بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة في عمليات الاستطلاع، وتوجيه الضربات الدقيقة، ورصد تحركات العدو، مما منحها مرونة تكتيكية كبيرة في مواجهة القوات الروسية. وفي المقابل، تستخدم روسيا الطائرات المسيّرة بكثافة في الخطوط الأمامية، سواء لأغراض المراقبة أو لتنفيذ هجمات مباشرة على الأهداف الحيوية.
هذه الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا دفعت ليتوانيا إلى التفكير بجدية في تطوير صناعتها الدفاعية المرتبطة بالطائرات بدون طيار، ليس فقط من أجل تزويد جيشها بأحدث المعدات، بل أيضًا من أجل خلق بيئة تدريبية متكاملة تُمكّن المدنيين من الإلمام بالتكنولوجيا التي يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في أي أزمة مستقبلية.
الطائرات المسيّرة ليست مجرد أداة عسكرية، بل يمكن أن تكون أيضًا وسيلة فعالة لتعزيز الوعي الأمني والقدرة على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ.
يذكر أن وزارة الدفاع الليتوانية كانت قد أطلقت في السنوات الماضية دورات تجريبية لتدريب مجموعات محدودة على استخدام الطائرات المسيّرة، شملت التدريب النظري على القوانين والأنظمة، إضافة إلى تدريب عملي على التحكم في الطائرات ضمن بيئات آمنة. وقد لاقت هذه المبادرات استحسانًا من قبل المشاركين، ما شجّع الحكومة على توسيع نطاقها وتحويلها إلى برنامج وطني شامل.
تأتي هذه الخطوة أيضًا في ظل سعي ليتوانيا، مثل العديد من الدول الأوروبية الأخرى، إلى تحديث قواتها المسلحة ورفع مستوى جاهزيتها الدفاعية، خاصة وأنها تشترك في حدود مباشرة مع بيلاروسيا، الحليف المقرب لروسيا. كما أن عضويتها في الناتو تفرض عليها الالتزام بمعايير دفاعية متقدمة، وهو ما يشمل الاستثمار في التقنيات الحديثة وتدريب الأفراد على استخدامها بكفاءة.
النتائج
يمكن القول إن ليتوانيا لا تنظر إلى برنامج تدريب المدنيين على الطائرات المسيّرة بوصفه مجرد مشروع تعليمي أو ترفيهي، بل تعتبره ركيزة أساسية في استراتيجيتها الدفاعية الشاملة.
الاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لضمان الأمن القومي في عالم تتسارع فيه التطورات التقنية والعسكرية.
مع دخول هذا البرنامج حيّز التنفيذ، من المتوقع أن يصبح جزءًا من ثقافة المجتمع الليتواني، وأن يساهم في بناء جيل جديد يمتلك المهارات والوعي اللازمين لمواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107347
