خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
سيُجري الجيش الليتواني تدريبات على الحدود مع بيلاروسيا في خلال أغسطس 2025، مع ذلك لا يُمكن لهذه المناورة منافسة مناورة “زاباد” الروسية. قد أطلق الجيش الليتواني مناورات عسكرية على الحدود مع بيلاروسيا، ووفقًا للجيش، من المقرر أن تستمر المناورات حتى 20 أغسطس 2025 ومن المتوقع أن يشارك فيها ما يقارب 350 جنديًا. وأُشير إلى أن الجزء الأول من المناورات سيُجرى في منطقة فارينا جنوب ليتوانيا، بينما سيُجرى الجزء الثاني في ميدان تدريب داخل البلاد.
بهذه المناورات، تردّ ليتوانيا على المناورات العسكرية الروسية البيلاروسية “زاباد”، التي خططت الدولتان لإجرائها في سبتمبر 2025. وكما حذّر الرئيس الأوكراني زيلينسكي في فبراير 2025، قد تنشر روسيا ما يصل إلى 15 ألف جندي للمشاركة في المناورات.
وفقًا لهيئة حرس الحدود الأوكرانية، وصلت بالفعل أولى القوات والمعدات إلى بيلاروسيا. وصرح أندريه ديمشينكو، المتحدث باسم الهيئة، لوكالة أنباء RBC أوكرانيا: “أن العدد الحالي من الجنود لا يشكل أي تهديد على الحدود الليتوانية”.
أوكرانيا تحذر من هجوم
أجرت روسيا وبيلاروسيا مناورات عسكرية مشتركة، وهي ممارسة استُخدمت في التاريخ الروسي لإخفاء الهجمات على الدول الأخرى. تربط الدولتين علاقات وثيقة، ويُعتبر الزعيم البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو تابعًا لفلاديمير بوتين. حذّر القائد الأعلى للقوات المسلحة الأوكرانية، أوليكساندر سيرسكي، من احتمال تكرار سيناريو مماثل. وصرح لقناة RBC أوكرانيا: “بمعنى آخر، يُعدّ الإعلان عن المناورات الطريقة الأمثل لإعادة انتشار القوات ونقلها وتركيزها في اتجاه محدد، وتشكيل تشكيلات عسكرية”.
تشترك ليتوانيا مع بيلاروسيا في حدود بطول 670 كيلومترًا، ويحدها جيب كالينينغراد الروسي مباشرة. ليتوانيا عضو في كل من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
مناورات “زاباد” وشيكة، والمخاوف في الغرب شديدة. يُظهر التاريخ أن روسيا تستخدم أحيانًا التدريبات العسكرية لفرض هجمات على الدول المجاورة.
تعد مناورات “زاباد-2025” في بيلاروسيا، هي أول مناورة عسكرية بهذا الحجم بين روسيا وبيلاروسيا منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2025 . وتتزايد المخاوف في الغرب من أن روسيا تستغل هذه المناورات للتحضير لهجوم على حلف شمال الأطلسي.
بالنظر إلى التاريخ العسكري، يتضح أن لهذا القلق أساسًا تاريخيًا؛ فقد اتخذت روسيا إجراءات مماثلة عدة مرات في الماضي، كان آخرها في هجومها على أوكرانيا. ولم تكن هذه المرة الأولى ، فقد سبق للاتحاد السوفيتي أن استخدم تكتيكات مماثلة خلال الحرب الباردة.
مناورات شومافا: نهاية ربيع براغ
في عام 1968، أطلق الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا محاولات للتحرر والديمقراطية، عُرفت باسم “ربيع براغ”، وكانت تشيكوسلوفاكيا في الواقع حليفة للاتحاد السوفيتي.
بعد ذلك بوقت قصير، وبحثّ من الاتحاد السوفيتي، أُجريت مناورة “شومافا” في تشيكوسلوفاكيا. وشارك فيها، إلى جانب الجيش السوفيتي، الجيش المجري، والجيش الألماني، والجيش البولندي، والجيش التشيكوسلوفاكي. وتبين لاحقًا أن المناورة لم تكن تهدف فقط إلى استعراض قوة حلف وارسو، بل كانت بمثابة اختبار لغزو لاحق.
تمكنت القوات السوفيتية من التأقلم مع الوضع في المنطقة، ونُشرت قوات سوفيتية إضافية على الحدود كجزء من المناورات. بعد شهرين من المناورات، زحفت القوات السوفيتية، بدعم من بولندا والمجر وبلغاريا، إلى تشيكوسلوفاكيا واحتلت البلاد في غضون ساعات. انتهى ربيع براغ بعد بضعة أيام، وتم التخلي عن العديد من مشاريع الإصلاح.
جورجيا: مناورة انتهت بالحرب
حدثت عملية مماثلة عام 2008، في ذلك الوقت أطلقت روسيا مناورات “القوقاز” العسكرية في عدة مناطق من البلاد، بمشاركة حوالي 8000 جندي و700 مركبة قرب الحدود مع جورجيا. وفي الوقت نفسه، كانت تجري مناورات أمريكية هناك. سبقت المناورات اشتباكات عسكرية متكررة، وكان مركزها منطقة أوسيتيا الجنوبية الجورجية. وبعد المناورات بفترة وجيزة، اندلع قتال هناك بين قوات الحكومة الجورجية والانفصاليين المدعومين من روسيا.
في النهاية، تدخلت روسيا عسكريًا ، مما أدى إلى اندلاع حرب الأيام الخمسة التي انتهت دون نتائج ملموسة. لم يُحسم النزاع، واستمرت الاشتباكات اللاحقة.
شبه جزيرة القرم: تحركات مشبوهة للقوات بالفعل
كان هناك تاريخ يسبق الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. فبعد انتهاء الحرب الباردة، في تسعينيات القرن الماضي، كانت هناك بالفعل محاولات روسية لانفصال شبه جزيرة القرم، ونتيجة لذلك نشرت روسيا قوات بالقرب منها. ثم، بحجة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي، حشدت روسيا قوات إضافية في منطقة البحر الأسود.
بعد الإطاحة بالحكومة الموالية لروسيا في أوكرانيا في فبراير 2014، غزا الجنود الروس شبه جزيرة القرم واحتلوها. في البداية، كان الجنود يعملون دون شارات روسية، ونفت روسيا تورطها، ولم يُقر الرئيس فلاديمير بوتين بالتورط العسكري المباشر إلا لاحقًا.
بداية حرب أوكرانيا
خلال الغزو الروسي لبقية أوكرانيا، عملت روسيا في البداية فقط بدعم غير رسمي من الانفصاليين الذين احتلوا في البداية منطقتي دونيتسك ولوغانسك. بدأ الهجوم الروسي الرسمي مجددًا بمناورة عسكرية؛ أُجريت مناورة “حل الاتحاد” العسكرية في بيلاروسيا في الفترة من 10 إلى 20 فبراير 2022. رسميًا، أرادت الدولتان فقط التدرب على صد “العدوان الخارجي” كجزء من عملية دفاعية. وكان حلف شمال الأطلسي قد توقع مسبقًا أن تكون هذه أكبر عملية انتشار في بيلاروسيا منذ الحرب الباردة.
حشدت روسيا أعدادًا كبيرة من القوات هناك، وأظهرت صور الأقمار الصناعية وحدات عسكرية في عدة مواقع قرب الحدود، مُجهزة بصواريخ وقاذفات صواريخ متعددة وطائرات هجومية. بعد أربعة أيام من انتهاء المناورات، غزت القوات الروسية أوكرانيا، وجاءت الهجمات من الأراضي البيلاروسية.
مناورة زاباد: هناك تجارب سيئة
تقترب مناورات “زاباد” القادمة، وهذه ليست أول مناورة تُجرى بهذا الاسم، بل تُجرى بانتظام كل أربع سنوات. ومؤخرًا، أُجريت مناورات في عام 2021 في 520 موقعًا في روسيا، تدربت خلالها، من بين أمور أخرى، على الانتشار السريع للقوات من المناطق الشرقية إلى الغرب. وقد حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي آنذاك من أن هذه المناورات تُشكل تهديدًا لبلاده.
في “زاباد 2017″، شارك أكثر من 100 ألف جندي، على ما يبدو، لصد هجوم شنته دولة “فيشنوري” الخيالية، والتي، وفقًا للرواية، كانت بتحريض من قوى غربية لفرض تغيير النظام في روسيا. في النهاية، هاجمت روسيا أوكرانيا مستخدمة حججًا مماثلة.
النتائج
هناك تسلسلًا تاريخيًا يوثق استخدام روسيا، وأحيانًا بيلاروسيا، للمناورات العسكرية كغطاء لتحركات هجومية أو إعادة انتشار قوات، بدءًا من ربيع براغ عام 1968، مرورًا بجورجيا 2008، والقرم 2014، وصولًا لحرب أوكرانيا 2022. النمط المتكرر يمنح المخاوف الغربية من “زاباد-2025” مصداقية عالية، خصوصًا أن حجم المشاركة هذه المرة سيكون الأكبر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي ظل تصاعد التوتر مع الناتو.
ليتوانيا، بإطلاق مناوراتها المحدودة قرب الحدود، توجه رسالة ردع رمزية أكثر من كونها قوة موازية، لكنها تعكس وعيًا بالمخاطر الاستراتيجية. التاريخ يوضح أن هذه المناورات، خاصة الروسية، ليست مجرد تدريبات دفاعية بل قد تتحول إلى عمليات هجومية مفاجئة.
في المستقبل القريب، من المرجح أن تراقب أجهزة الاستخبارات الغربية عن كثب تحركات القوات الروسية والبيلاروسية قبل وأثناء “زاباد-2025”.
أي مؤشرات على زيادة غير مبررة في الحشود أو نقل أسلحة هجومية قرب حدود الناتو قد تُترجم إلى تعزيزات عسكرية أطلسية في دول البلطيق وبولندا، وربما تحريك وحدات رد سريع. السيناريو الأخطر يتمثل في استغلال هذه المناورات كغطاء لفتح جبهة جديدة أو الضغط على دول الناتو، مما قد يرفع خطر المواجهة المباشرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107331
