المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع الأوروبي ـ كيف أصبحت ليتوانيا محورًا لتعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو؟
تسارع ألمانيا والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في تعزيز القدرات الدفاعية الليتوانية في ظل تصاعد التهديدات الروسية، عبر توسيع التعاون، واستضافة قوات ألمانية بصورة دائمة، إلى جانب الاستفادة من برامج التمويل الدفاعي الأوروبية. تشير الخطوات إلى توجه أوسع لتعزيز الردع، ودعم أمن الجناح الشرقي للحلف، ورفع الجاهزية العسكرية في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. الدفاع
الردع يمثل أقوى وسائل الدفاع
دفعت المناورات العسكرية، والانتشار الألماني في ليتوانيا، والتهديدات الروسية، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الليتوانية إلى توضيح أسباب اعتقاد بلاده بأن الردع يمثل أقوى وسائل الدفاع. فعلى مدى نحو ستة أسابيع، شارك ما يقارب (2,900) جندي من قوات الناتو، بينهم نحو (2,300) جندي من الجيش الألماني “البوندسفير”، في التدريب على الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف خلال مناورة “درع الحرية الأولى” (Freedom Shield I). ومنذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2026، أصبح احتمال وقوع هجوم مستقبلي على أراضي حلف الناتو أحد أبرز مصادر القلق في أوروبا. وحذر قادة حلف الناتو، إلى جانب تقييمات أجهزة الاستخبارات التابعة للحلف، من أن موسكو قد تعيد بناء قدراتها العسكرية خلال السنوات المقبلة، مما يزيد من أهمية تعزيز الجناح الشرقي للحلف.
تعزيز قوة الردع لمواجهة التهديد الروسي
أكد رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الليتوانية ونائب رئيس هيئة الدفاع، الأميرال البحري جيدريوس بريمينيكاس أنه “لا يمكن تحديد موعد معين أو عدد محدد من السنوات لتوقع هجوم روسي على ليتوانيا أو دول البلطيق أو حلف الناتو”. إلا أنه أوضح أن الجيش الليتواني يراقب جهودًا واضحة تبذلها روسيا لإعادة بناء قواتها المسلحة، مضيفًا أن نتيجة حرب أوكرانيا ستحدد سرعة إعادة تشكيل الجيش الروسي. ولهذا السبب، قال: “يجب أن نكون مستعدين طوال الوقت”، مشيرًا إلى زيادة الإنفاق العسكري، وتحسين قابلية التشغيل البيني، والاستثمار في القدرات النارية.
ألمانيا تتخذ خطوة غير مسبوقة في ليتوانيا
أضاف بريمينيكاس: “هذه الوسائل ستمكن دولنا من العمل وفق مبدأ الردع”. وأكد أن “روسيا لا تهاجم دولة مستعدة وقوية”، موضحًا أنها “تبحث دائمًا عن نقاط الضعف، وعن الأجزاء الضعيفة داخل الحلف”. وبحسب الأميرال البحري، فإن الأمن يعتمد على بناء القدرات العسكرية و”التعامل بجدية مع هذا التهديد”. وللمساعدة في ردع هذا التهديد، اتخذت ألمانيا خطوة غير مسبوقة عبر نشر لواء مدرع بصورة دائمة في ليتوانيا، بالقرب من الحدود مع بيلاروسيا. وفي يونيو 2023 أعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أن “ألمانيا مستعدة لنشر لواء قوي بصورة دائمة في ليتوانيا”. ومن المتوقع أن يضم ما يعرف باسم “لواء ليتوانيا” نحو (5,000) فرد، بينهم حوالي (4,800) جندي.
، أكد بيستوريوس أن عملية الانتشار تسير وفق الجدول الزمني، ومن المتوقع أن يبلغ اللواء جاهزيته العملياتية الكاملة بحلول نهاية عام 2027، وذلك خلال زيارة إلى منطقة بابراديه أثناء مناورات “درع الحرية”، حيث تدربت القوات الألمانية إلى جانب القوات المسلحة الليتوانية ومجموعة القتال متعددة الجنسيات التابعة لحلف الناتو. ومن المقرر نشر كتيبتين بصورة دائمة في ليتوانيا، هما كتيبة الدبابات (203) القادمة من مدينة أوغوستدورف في ولاية شمال الراين-ويستفاليا، وكتيبة المشاة المدرعة (122) المتمركزة في مدينة أوبرفيشتاخ بولاية بافاريا.
“فجوة سوالكي” أكثر المناطق ضعفًا داخل الناتو
يتمركز معظم هؤلاء الجنود في منطقة رودنينكاي، الواقعة على بعد نحو (40) كيلومترًا من العاصمة الليتوانية فيلنيوس. وتكتسب منطقة التدريب أهمية استراتيجية بسبب قربها من الحدود البولندية، ومن ما يعرف بـ”فجوة سوالكي”، التي تمتد لمسافة (65) كيلومترًا بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي. ويعتبر المخططون العسكريون هذه المنطقة منذ فترة طويلة واحدة من أكثر المناطق ضعفًا داخل الحلف. كما تقع ميادين التدريب على بعد (15) كيلومترًا فقط من الحدود البيلاروسية، ومن منطقة التدريب البيلاروسية “هوجسكي”. أكد وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس، إلى جانب بيستوريوس، أهمية وجود القوات الألمانية في ليتوانيا، وهو ما شدد عليه أيضًا الأميرال بريمينيكاس. وقال: “إن النظرة إلى الانتشار الألماني في ليتوانيا إيجابية تمامًا”، مضيفًا أن العديد من الجنود الألمان تلقوا ردود فعل إيجابية بشأن وجودهم في ليتوانيا.
ألمانيا تسهم في توفير الأمن لأوروبا
أضاف بريمينيكاس: “يشعر الناس بالامتنان الكبير لألمانيا وللجيش الألماني بسبب نشر هذه القوة الكبيرة بصورة دائمة في ليتوانيا، إذ يمنحهم ذلك إحساسًا بالأمن، وإحساسًا بأنهم جزء من أقوى تحالف دفاعي، وأنهم ينتمون إلى عائلة كبيرة، ولم يتم نسيانهم في هذا الوضع الجيوسياسي الصعب والمتوتر”. أوضح الأميرال بريمينيكاس أن ليتوانيا كانت تربطها “علاقة معقدة مع ألمانيا”، مضيفًا أن ألمانيا كانت “على علاقة معقدة مع معظم دول أوروبا”. واختتم حديثه قائلاً: “لكن ألمانيا اليوم دولة ديمقراطية مستقلة تسهم في توفير الأمن لأوروبا، بينما لا تزال روسيا تواصل تهديداتها وطموحاتها للهيمنة والسيطرة على أراضي الآخرين. وهذا هو الفارق الكبير. فالكثير من الدول انتهجت في الماضي سياسات استعمارية أو طموحات توسعية، لكن بعضها تغير، في حين لا تزال دول أخرى تواصل النهج ذاته”.
ليتوانيا تتلقى أول دفعة في إطار أداة تمويل الدفاع SAFE
تلقت ليتوانيا في 24 يونيو من العام 2026، أول دفعة بقيمة (956.3) مليون يورو في إطار أداة تمويل الدفاع (SAFE)، وهو ما يمثل (15%) من إجمالي مخصصاتها البالغة (6.4) مليار يورو. وتعد أداة “SAFE” أداة تمويلية بقيمة (150) مليار يورو، تقدم قروضًا للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتركز بصورة رئيسية على تمويل المشتريات المشتركة للذخائر، والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، وأنظمة القتال البرية المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي. وتشكل هذه الأداة جزءًا من خطة المفوضية الأوروبية “إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030″، التي تهدف إلى تعبئة استثمارات دفاعية تتجاوز (800) مليار يورو في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. يدعم التمويل المسبق ليتوانيا في تسريع الاستثمارات الدفاعية الرئيسية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتطوير قدراتها العسكرية بما يتماشى مع الأهداف الأوروبية المشتركة.
مواصلة الالتزام الأوروبي بأمن ليتوانيا
أكد “أندريوس كوبيليوس” مفوض الدفاع والفضاء في الاتحاد الأوروبي: “تمثل هذه الدفعة الأولية في إطار أداة SAFE محطة مهمة في التزامنا المستمر بأمن ليتوانيا، وأمن أوروبا، وأمن الجناح الشرقي. ومن خلال توظيف هذه الموارد بصورة استراتيجية، سيتم تعزيز القدرات الوطنية والإقليمية”. ويأتي هذا التمويل المسبق بعد استكمال جميع الخطوات الإجرائية المطلوبة، ويعكس التزام الاتحاد الأوروبي بتقديم دعم عملي وفي الوقت المناسب من خلال أداة “SAFE”. ومن المقرر صرف دفعات إضافية لاحقًا، وفقًا للمعالم المتفق عليها ومدى تنفيذها. ويجري تمويل أداة “SAFE” من خلال اقتراض الاتحاد الأوروبي من الأسواق المالية، مما يتيح تقديم قروض طويلة الأجل للدول الأعضاء الراغبة في الاستفادة منها، بأسعار تنافسية وشروط تمويل جاذبة. وتستفيد قروض “SAFE” من التصنيف الائتماني القوي للاتحاد الأوروبي، على أن تتحمل الدول الأعضاء المستفيدة مسؤولية سداد جميع هذه القروض.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=120362
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
