خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الناتوـ قواعد الاشتباك مع روسيا بين الحذر والردع
من المقرر أن يجتمع مسؤولو حلف شمال الأطلسي لحضور اجتماع مجلس شمال الأطلسي في 23 سبتمبر 2025، والذي دعت إليه إستونيا ردًّا على توغل طائرات حربية روسية في مجالها الجوي خلال سبتمبر 2025. وقد تركت هذه الحادثة، وتوغلات سابقة في دول أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي بواسطة طائرات بدون طيار روسية، وخاصة في بولندا في العاشر من سبتمبر 2025، الحلف في محاولة للعثور على الاستجابة الصحيحة.
حتى إن الرئيس التشيكي بيتر بافيل اقترح إسقاط الطائرات الروسية إذا لزم الأمر، في تصريحات لوسائل الإعلام التشيكية في 20 سبتمبر 2025. في الحالة البولندية، أسقطت القوات الجوية البولندية وحلف الناتو بعض الطائرات المسيّرة. وفي إستونيا، رافقت طائرات سويدية وفنلندية وإيطالية الطائرات الروسية، حيث تتولى إستونيا حاليًّا مسؤولية مهمة مراقبة الجو في بحر البلطيق التابعة للحلف، إلى جانب إسبانيا والمجر. صرّح مسؤولون في حلف شمال الأطلسي بشرط عدم الكشف عن هويتهم أن من الأسهل بكثير الحصول على تصريح لإطلاق النار على طائرة بدون طيار، خاصة إذا كان من المتوقع أن تتجه نحو بنية تحتية حيوية، مقارنة بطائرة نفاثة يقودها طيار.
ما هي قواعد الاشتباك؟
كقاعدة عامة، حلف الناتو تحالف دفاعي يضم 32 دولة ذات سيادة. هذا يعني أن لكل دولة، في نهاية المطاف، حرية التصرف في كيفية إدارة أراضيها والدفاع عنها، بما في ذلك مجالها الجوي. ولكن عادةً ما يُطبّق نهج “الحذر أولاً”، بمعنى آخر، لا تُطلق النار فورًا. لكن الأمر يختلف إذا كانت هناك مهمة أو عملية جارية تندرج تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.
وهذا هو الحال بالنسبة لمجموعات القتال الثماني على طول الجناح الشرقي للحلف، ومهمة مراقبة الجو في بحر البلطيق التي كانت قائمة منذ انضمام إستونيا ولاتفيا وليتوانيا في عام 2004. ويتناوب حلفاء الناتو بطائراتهم المقاتلة كل أربعة أشهر على دوريات سماء الثلاثي في بحر البلطيق، الذي يفتقر إلى قوته الجوية الخاصة.
وفي حالات مثل هذه، يتم تحديد قواعد الاشتباك. تُتخذ القرارات بالإجماع، ثم يُنفّذ الجانب العسكري القائد الأعلى لقوات التحالف في أوروبا (SACEUR). هذا القائد هو دائمًا جنرال أمريكي، وهو حاليًّا الجنرال أليكسوس ج. غرينكويش، الذي تولى المنصب في يوليو 2025. لكل مهمة تحت قيادته قواعد اشتباك خاصة بها، ما يوحّدهم جميعًا هو أنها غير معلنة، ويجب أن تُبقي الأعداء في حيرة من أمرهم. ما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن الناتو، كمنظمة، لا يملك سوى موارد محدودة تحت قيادته. بدلًا من ذلك، يُقدّم معظم الحلفاء قدراتهم الوطنية إلى SACEUR، مع الحفاظ على محاذيرهم الوطنية الخاصة.
مثال افتراضي: إذا طُلب من الطائرات الإيطالية إسقاط طائرات بدون طيار فوق بولندا كجزء من عملية “الحارس الشرقي” الجديدة للتحالف، فيجب على شخص ما في روما إعطاء الضوء الأخضر. وبحسب الاتفاق، قد يكون هذا الشخص قائدًا عسكريًّا، أو وزير دفاع، أو حتى رئيس وزراء. في حالات أخرى، تسمح الدول للقائد الأعلى للقوات المسلحة أو قادته باتخاذ القرار. كما ذُكر، هناك قيود صارمة على إطلاق النار، خاصةً على الطائرات الروسية المزودة بطواقم بشرية. لا ينبغي لطائرات الناتو المشاركة في مهمة مراقبة الجو في بحر البلطيق إطلاق النار عليها.
صرّح مسؤولان في حلف شمال الأطلسي أن “طائرات الميج الثلاث التي حلّقت لمدة 12 دقيقة في المجال الجوي الإستوني يوم 19 سبتمبر 2025 لم تُشكّل تهديدًا مباشرًا للبلاد”. بل قالا: “إنها كانت استفزازًا لاختبار رد فعل الحلف، وأن طائرات الناتو اتخذت القرار الصحيح بمرافقتها بعيدًا”. لكن حكمة هذا الأمر تُناقش الآن علنًا. وكما فعل الرئيس التشيكي، أشار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك ووزير الدفاع الليتواني دوفيل ساكاليني إلى أنه قد يصبح من الضروري إسقاط الطائرات الروسية.
هل قواعد الاشتباك قابلة للتغيير؟
كثيرًا ما يُسلّط الضوء على مثال إسقاط تركيا لطائرة سوخوي-24M روسية قرب الحدود التركية السورية عام 2015. انتهكت الطائرة المجال الجوي التركي في ذروة الحرب السورية لمدة 17 ثانية بعد تحذيرها عدة مرات بتغيير مسارها. كان الوضع أبسط؛ إذ اتخذت تركيا قرارها الخاص باستخدام قواتها الجوية كما تراه مناسبًا. وبينما كانت التوترات شديدة بين أنقرة وموسكو، وفرضت الأخيرة عقوبات فورية، استعادت العلاقات وُدّها بعد 6 أشهر، مع تعبير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن أسفه. انحاز حلف شمال الأطلسي إلى أنقرة، لكنه دعا إلى توخي الحذر، ونشر المزيد من طائرات أواكس ـ نظام الإنذار المبكر والتحكم الجوي ـ في البلاد.
على غرار تركيا آنذاك، وبولندا في سبتمبر 2025، دعت إستونيا إلى إجراء مشاورات بموجب المادة الرابعة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، والتي ستُعقد في 23 سبتمبر 2025. ومن المرجح أن تُشير تالين إلى أن هذا هو الانتهاك الخامس للمجال الجوي من قِبل روسيا خلال عام 2025، وأن أجهزة الإرسال والاستقبال في الطائرتين قد أُغلقت، وأنهما فشلتا في التواصل مع مراقبة الحركة الجوية الإستونية. أصبح هذا السلوك شائعًا بشكل متزايد من قبل الطائرات الروسية في مسرح عمليات بحر البلطيق.
يعتقد مسؤولو الناتو أن بعض الحلفاء سيكررون التحذير من احتمال إجبارهم على إسقاط الطائرات في المرة القادمة. لكن قواعد الاشتباك قابلة للتغيير بطرق أخرى، كالسماح لطائرات الحلفاء بالتحليق على مقربة من طائرات العدو أو إطلاق طلقات تحذيرية.
النتائج
تكشف التطورات الأخيرة في بحر البلطيق عن تصعيد خطير في سلوك روسيا تجاه دول حلف الناتو، لا سيما من خلال التوغلات الجوية المتكررة. رغم أن الحلف لا يزال ملتزماً بسياسة “الحذر أولًا”، إلا أن الأصوات الداعية إلى تبني موقف أكثر حزمًا تتزايد داخل بعض العواصم الأوروبية مثل براغ ووارسو وفيلنيوس. هذا يعكس تحوّلًا في المزاج الأمني العام نحو الردع الفعّال بدلًا من الاكتفاء بإجراءات المرافقة والاعتراض.
اجتماع مجلس شمال الأطلسي في 23 سبتمبر 2025، بناءً على طلب إستونيا، قد يمثل لحظة محورية في إعادة ضبط قواعد الاشتباك الجوية، خصوصًا في ظل تصاعد الدعوات لتوسيع صلاحيات القادة الميدانيين وتحديث الإجراءات المتبعة في حالات الانتهاك. ومع وجود قائد جديد للقوات العسكرية للحلف، هناك فرصة لإعادة تقييم آليات الردع في الجناح الشرقي.
مستقبليًا، قد يُقر الناتو إجراءات أكثر صرامة، تشمل الطلقات التحذيرية أو حتى تفويضات محددة بالإسقاط في ظروف معينة، ما قد يزيد احتمالات التصادم غير المقصود. وفي حال استمرت روسيا في هذه الاستفزازات، فإن الحلف سيكون أمام اختبار جدي لإثبات مصداقيته في حماية أجواء أعضائه.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109732
