خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
عندما يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، قد يحمل الوفدان خرائط تكشف عن وجهات نظر مختلفة تمامًا بشأن أوكرانيا: من وجهة نظر واشنطن، تبلغ مساحة أوكرانيا حوالي 600 ألف كيلومتر مربع. أما من وجهة نظر موسكو، فهي أصغر بخمس المساحة، لأن روسيا تعتبر الشرق أراضيها.
في الفترة التي سبقت اجتماعه مع بوتين، تسبب ترامب في بعض الارتباك الجغرافي؛ فقد تحدث مرارًا وتكرارًا عن لقاء “في روسيا”، على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت قد اشترت بالفعل ما يُعرف الآن بولاية ألاسكا من روسيا عام 1867. ثم تحدث عن “مبادلة للأراضي” أراد ترتيبها بين روسيا، وأوكرانيا.
مع ذلك، لا مجال للتبادل، إذ لا تسيطر أوكرانيا على أي أراضٍ روسية؛ فقد انتهى إلى حد كبير الهجوم المضاد المؤقت في منطقة كورسك الروسية، الذي بدأ في أغسطس 2024. وبالتالي، لا تملك أوكرانيا أي ضمانات مضادة تُسهّل التبادل. ولذلك، تخشى أوكرانيا وحلفاؤها من أن يسعى ترامب إلى تنازلات إقليمية لروسيا دون أن يكترثوا بها.
ما هي الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا؟
لسنوات، ركزت روسيا بشدة على شرق أوكرانيا، فبعد الإطاحة بالحكومة الموالية لروسيا في كييف، احتلت القوات الروسية شبه جزيرة القرم في مارس 2014، منتهكة بذلك القانون الدولي. وضمت روسيا الإقليم رسميًا بعد استفتاء أُجري هناك. زعزعزت روسيا استقرار منطقتين في أقصى شرق أوكرانيا تُعرفان محليًا باسم “الأوبلاستات” دونيتسك ولوغانسك. وتضم هذه المنطقة أيضًا دونباس، حوض نهر دونيتس الذي يصب في نهر الدون في روسيا.
في 21 فبراير 2022، اعترفت روسيا بـ”جمهوريتين شعبيتين” في أراضي المناطق الأوكرانية كدولتين مستقلتين. بعدها شنت موسكو غزوها الواسع النطاق. وبينما استطاعت أوكرانيا إلى حد مواجهة روسيا في الشمال خلال الأشهر الأولى من حرب أوكرانيا، نجحت روسيا، من خلال عمل عسكري واسع النطاق، في إخضاع مناطق أخرى في الشرق لسيطرتها. بالإضافة إلى دونيتسك ولوغانسك، شمل ذلك منطقتي زابوريزهيا وخيرسون في الجنوب الشرقي، مع أن روسيا لا تزال لا تسيطر سيطرة كاملة على أيٍ من المنطقتين.
في جميع المناطق الأربع، أجرت روسيا استفتاءاتٍ أخرى في سبتمبر 2022، بهدف إظهار رغبة السكان المزعومة في الانضمام إلى روسيا. ومع ذلك، يتحدث تقريرٌ حديثٌ صادرٌ عن مجلس أوروبا عن عنفٍ وتدابير قسريةٍ ضد المدنيين. ويشير التقرير إلى أن من يرفضون قبول الجنسية الروسية، على سبيل المثال، يُحرمون من الحصول على الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية.
الأهمية الكبرى لدونباس
من الناحية الجيوسياسية، تُعد هذه المناطق مهمة لروسيا؛ إذ تمتلك دونباس احتياطيات من الفحم والخامات، مما يجعلها مركزًا رئيسيًا لصناعتي الصلب والكيماويات. ومن المرجح أن تستمر العناصر الأرضية النادرة، التي يُعتقد أنها موجودة في التربة، والتي تُعد أساسية لإنتاج العديد من السلع التكنولوجية، في لعب دور مهم في المستقبل. كما تُمثل هذه المقاطعات جسرًا بريًا إلى شبه جزيرة القرم، في حين أن أوكرانيا لم تعد تتمتع بإمكانية الوصول إلى بحر آزوف.
بالنسبة لأوكرانيا، اكتسبت منطقة دونباس المتنازع عليها أهمية عسكرية منذ عام 2014؛ إذ أُنشئ فيها ما يُسمى بالحزام الحصين، وهو أهم خط دفاعي حتى أغسطس 2025. ورغم سيطرة روسيا على أجزاء كبيرة من دونباس، إلا أنها لم تتمكن بعد من اختراقه.
في المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وروسيا، وردت أنباء عن أحاديث متكررة عن تنازلات إقليمية، حيث تطالب روسيا بالسيطرة الكاملة على دونيتسك ولوغانسك، وتَعِد باستعادة خيرسون وزابوريزهيا في المقابل. وكتب المعهد الأمريكي لدراسات الحرب (ISW) في تحليل له: “ستُجبر أوكرانيا على التخلي عن حزامها الحصين دون أي ضمانات بعدم استئناف القتال”.
دستوران وقانون دولي واحد فقط
بعد هذه الانتخابات، أعلنت روسيا في دستورها الأراضي الأوكرانية التي ضمتها أراضيها. وسيكون التراجع عن هذه الخطوة محفوفًا بالعقبات القانونية والسياسية، ومن المرجح أن يُنظر إليه على أنه هزيمة لروسيا. لا يمكن للحكومة الأوكرانية الموافقة ببساطة على التنازل عن الأراضي؛ فقد شدد الرئيس فولوديمير زيلينسكي مرارًا وتكرارًا على أهمية المادة 133 من الدستور الأوكراني، التي تُصنّف صراحةً الأراضي الشرقية والجنوبية الشرقية كجزء من الدولة.
هناك بند خاص بشبه جزيرة القرم يمنحها حكمًا ذاتيًا جزئيًا. كما أن المادة 2 تمنع أي تنازل عن الأراضي، حيث تنص على أن “أراضي أوكرانيا غير قابلة للتجزئة ولا تُمسّ ضمن حدودها القائمة”. لا يمكن الموافقة على التغييرات الإقليمية إلا من خلال استفتاء شعبي؛ ومع ذلك، لا يُسمح بإعادة إدخال التعديلات الدستورية إلا بعد تعليق الأحكام العرفية.
وبالتالي، يتناقض دستورا روسيا وأوكرانيا تناقضًا مباشرًا فيما يتعلق بالأراضي المعنية. ومع ذلك، ووفقًا للقانون الدولي، فإن الأمر واضح يعتبر الخبراء القانونيون التوسع الروسي وجميع الاستفتاءات مخالفة للقانون الدولي.
ما يفهمه حلف شمال الأطلسي من الاعتراف
في هذه المعضلة، أثار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، ضجةً واسعةً. صرّح روته: “على سبيل المثال، في أي اتفاق مستقبلي، يُمكن الاعتراف بأن روسيا تسيطر بحكم الأمر الواقع على جزء من أراضي أوكرانيا”. فهل يقبل حلف شمال الأطلسي إذًا تسليم الأراضي الأوكرانية، وبالتالي تغيير الحدود في جواره المباشر؟
يقول روته: “إن الغرب لن يقبل هذا قانونيًا أبدًا”. بالنسبة له، لا يمكن قبول سوى “الاعتراف الفعلي”. على سبيل المقارنة، أشار روته إلى موقف الولايات المتحدة تجاه دول البلطيق من عام 1940 إلى عام 1991: في ذلك الوقت، كانت إستونيا ولاتفيا وليتوانيا تحت الاحتلال السوفيتي. وبينما قبلت الولايات المتحدة هذا الاحتلال عمليًا، حافظت على اتصالات دبلوماسية مع معارضي الاحتلال.
النتائج
الوضع الحالي في حرب أوكرانيا يعكس توازنًا هشًا بين الميدان والسياسة، حيث تطرح بعض الأطراف الغربية، بشكل غير مباشر، إمكانية القبول بـ”أمر واقع” بشأن سيطرة روسيا على أراضٍ أوكرانية، مع رفض الاعتراف القانوني بذلك.
هذه المقاربة تفتح الباب أمام تسويات قد تكون مجتزأة، لكنها محفوفة بمخاطر استراتيجية، إذ تمنح روسيا مكاسب جغرافية واقتصادية (كموارد دونباس والممر البري إلى القرم) دون ضمان وقف دائم لإطلاق النار.
المستقبل القريب قد يشهد تصاعدًا في المفاوضات غير المعلنة، خاصة مع وجود ضغوط داخلية على الحكومات الغربية لإنهاء الحرب، وضغوط اقتصادية على روسيا لاستثمار مكاسبها.
أي تنازلات إقليمية ستواجه رفضًا شعبيًا واسعًا في أوكرانيا، ورفضًا قانونيًا وفق الدستور، ما يجعل أي اتفاق يحتاج إلى صيغة معقدة تجمع بين الاعتراف الواقعي والسيادة الاسمية.
من المرجح أن تستمر المعارك في محاور الشرق والجنوب للحفاظ على أوراق تفاوضية، وقد يحاول ترامب إذا استمر في دوره التفاوضي الدفع نحو “صفقة أراضٍ” لتسريع إنهاء الحرب، لكن ذلك سيخلق سابقة خطيرة لتغيير الحدود بالقوة، ما قد يزعزع استقرار أوروبا الشرقية لعقود.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107363
