خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الناتو ـ إلى أي مدى يعكس نشر القوات الألمانية في البلطيق تحوّلًا في العقيدة الدفاعية؟
في ظل أجواء سياسية وأمنية غير مستقرة تشهدها أوروبا الشرقية، أعلن الجيش الألماني عن انطلاق واحدة من أضخم المناورات العسكرية تحت اسم “كوادرِيغا” (Quadriga)، بمشاركة 14 دولة من أعضاء حلف شمال الأطلسي، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة للدول الأعضاء، والتدريب على مواجهة التهديدات المحتملة في منطقة بحر البلطيق التي أصبحت بؤرة اهتمام أمني متزايد منذ اندلاع حرب أوكرانيا في العام 2022.
بدأت المناورات في 19 أغسطس 2025 بتمارين بحرية تقودها القوات البحرية الألمانية في منطقة بحر البلطيق، على أن تتواصل خلال العام 2025 تدريبات عسكرية أخرى ضمن سلسلة مترابطة من العمليات التي تندرج كلها تحت مظلة “كوادرِيغا”. وأكدت وزارة الدفاع الألمانية في بيان رسمي أن هذه المناورات تتضمن عدة مشاريع تدريبية متخصصة، تحمل كل منها اسمًا مميزًا ويهدف إلى تطوير جانب محدد من القدرات العسكرية المشتركة بين دول حلف شمال الأطلسي.
أبرز هذه التدريبات المقررة
(Grand Eagle): وهو تمرين مخصص لتجربة مدى سرعة وكفاءة نقل القوات والمعدات العسكرية من ألمانيا إلى ليتوانيا، بما يشمل استخدام الوسائط البرية والجوية.
(Brave Blue): يركز هذا التدريب على إنشاء شبكات الدعم اللوجستي داخل مناطق العمليات، بما في ذلك إدارة الإمدادات، والتنسيق بين وسائل النقل المختلفة البر، السكك الحديدية، والبحر.
(Safety Fuel): يهدف هذا التدريب إلى ضمان استمرارية تدفق الوقود والمواد الأساسية إلى القوات في الميدان، بما يعزز من مرونتها واستعدادها في حالات الأزمات أو النزاعات الممتدة.
ومن المقرر أن يشارك في هذه المناورات ما يقارب 8000 جندي وجندية من القوات المسلحة الألمانية، إلى جانب قوات من 13 دولة شريكة داخل حلف شمال الأطلسي. وستُجرى معظم هذه التدريبات في دول البلطيق، وعلى وجه الخصوص في ليتوانيا، التي أصبحت في السنوات الأخيرة محورًا رئيسيًا في استراتيجية الردع ضد إي هجوم روسي محتمل.
المناورات تندرج في إطار الردع الدفاعي
أكدت القيادة العسكرية الألمانية أن هذه المناورات تندرج في إطار الردع الدفاعي، وهي مصممة للتأكيد على جاهزية حلف شمال الأطلسي واستعداده لحماية أعضائه وردع أي محاولات لزعزعة الأمن الأوروبي. أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع: “تسهم هذه التمارين بشكل واضح وملموس في ردع الطموحات والتهديدات الروسية الرامية إلى التشكيك في النظام الأوروبي القائم على القوانين والمؤسسات.”
يُذكر أن مناورات “كوادرِيغا” في عامي 2023 و2024 ركزت على البعدين الجوي والبري، أما في عام 2025، فقد تقرر أن يكون التركيز الرئيسي على البُعد البحري، وهو ما يعكس أهمية تأمين الممرات البحرية وخطوط الإمداد الحيوية عبر بحر البلطيق. وقد أُسندت المسؤولية العامة عن التخطيط والتنفيذ إلى قيادة البحرية الألمانية في مدينة روستوك، ما يعكس الثقة الكبيرة في قدرة البحرية الألمانية على قيادة العمليات متعددة الجنسيات.
روسيا وبيلاروسيا تستعدان لإجراء مناورات عسكرية ضخمة
على الجانب الشرقي من أوروبا، تستعد روسيا وبيلاروسيا لإجراء مناورات عسكرية ضخمة تحت اسم (Zapad2025) وهي سلسلة مناورات تُجرى كل عدة سنوات وتعد من أبرز الأحداث العسكرية الروسية على حدود حلف شمال الأطلسي. وأعلنت وزارة الدفاع البيلاروسية أنها ستُجري خلال هذه المناورات اختبارات لصواريخ متوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، ومن بينها صاروخ (Oreschnik)، مما أثار قلق الدول الغربية والحلف.
ردًّا على ذلك، بدأت ليتوانيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، مناورات عسكرية خاصة بها على الحدود مع بيلاروسا، في رسالة واضحة بأنها تتابع عن كثب التطورات العسكرية في الجوار ولن تتردد في اتخاذ إجراءات دفاعية عند الحاجة.
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن نشر طائرات قاذفة في النرويج، وذلك لأول مرة منذ عام 2021. ويُعتبر هذا التحرك مؤشرًا جديدًا على إعادة تعزيز التواجد العسكري الأمريكي في شمال أوروبا، في ظل تصاعد التوترات مع موسكو.
كل هذه التحركات العسكرية تأتي في وقت بالغ الحساسية، مع استمرار التصعيد الروسي في أوكرانيا، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين روسيا والغرب. ويرى مراقبون أن العام 2025 قد يكون حاسمًا في بلورة التوازنات الأمنية في القارة الأوروبية، وأن ما يجري من مناورات واستعدادات ليس إلا جزءًا من سباق استراتيجي واسع بين روسيا من جهة، وحلف الناتو من جهة أخرى.
النتائج
تعكس مناورات “كوادرِيغا 2025” تحوّلًا استراتيجيًا مهمًا في السياسة الدفاعية الأوروبية، لاسيما من قبل ألمانيا التي تسعى إلى لعب دور أكثر فاعلية في أمن القارة.
المشاركة الواسعة من قبل دول الناتو، وتنوع التدريبات من البر إلى البحر، تشير إلى إدراك الحلف لتعدد طبيعة التهديدات وضرورة الجاهزية الشاملة.
يأتي التركيز على منطقة بحر البلطيق تحديدًا نتيجة لتصاعد التوترات مع روسيا، لا سيما بعد إعلان موسكو ومينسك عن مناورات “زاباد 2025” وتجربة صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.
من المرجح أن تشهد أوروبا تعزيزًا أكبر للوجود العسكري الأطلسي في أوروبا الشرقية، وربما إنشاء بنى تحتية دائمة للنقل والدعم اللوجستي في دول مثل ليتوانيا وبولندا.
إن انخراط الولايات المتحدة المتجدد، عبر نشر قاذفات في النرويج، يشير إلى نية أمريكية واضحة لردع روسيا دون خوض مواجهة مباشرة.
قد تدفع هذه التحركات موسكو إلى توسيع تحالفاتها الدفاعية وربما تسريع سباق التسلح. وعليه، فإن عام 2025 قد يكون نقطة تحوّل حاسمة في ميزان القوى الأوروبية، يُرَسِّخ مرحلة جديدة من الحرب الباردة، قائمة على استعراض القوة والردع المتبادل بدلًا من المواجهة المباشرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107779
