المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI وحدة الدراسات والتقارير “30”
الموقف الروسي ـ الصيني من التصعيد العسكري في طهران: قراءة في الأبعاد القانونية والجيوسياسية
تتصدر منطقة الشرق الأوسط مجدداً واجهة الأحداث الدولية مع اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق تستهدف تغيير الهيكل السياسي في طهران. هذه الحرب، التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تنحصر تداعياتها في الجغرافيا الإيرانية فحسب، بل تمتد لتضرب عمق المصالح الاستراتيجية لروسيا والصين. وبينما تتابع موسكو وبكين بقلق تساقط حلفائهما تحت وطأة الضربات العسكرية والسياسية، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة القوى الطامحة لـ “تعددية الأقطاب” على الصمود أمام العودة القوية للهيمنة الأمريكية في عهد دونالد ترامب.
ما هي طبيعة التحركات العسكرية الأخيرة في إيران؟
تشهد الأراضي الإيرانية منذ فجر السبت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، حيث هزت انفجارات متتالية مراكز حيوية في مختلف أنحاء البلاد. وتُظهر التقارير الميدانية والمصادر المفتوحة سحباً كثيفة من الدخان تغطي سماء العاصمة طهران نتيجة الهجمات الجوية. وتأتي هذه التطورات تنفيذاً لتوجهات الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب، التي لم تكتفِ بوضع حد للطموحات النووية الإيرانية، بل رفعت سقف أهدافها إلى إحداث تغيير جذري في نظام الحكم القائم.
كيف تأثر الهيكل القيادي الإيراني بالضربات الأولى؟
تشير المعطيات الراهنة إلى أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي نجح في توجيه ضربة استراتيجية مؤثرة منذ الساعات الأولى للعمليات. فقد تم استهداف قمة الهرم القيادي في الدولة، مما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى جانب قيادات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى مثل قائد القوات البرية للحرس الثوري محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده. هذا الاستهداف المباشر للنخب الحاكمة أوجد حالة من الفراغ القيادي الذي يهدد استقرار المؤسسات السياسية والعسكرية في البلاد.
لماذا تثير الحرب قلقاً استراتيجياً في موسكو وبكين؟
لا تُعد إيران مجرد لاعب إقليمي في نظر روسيا والصين، بل هي شريك أمني واقتصادي استراتيجي تم تعزيز الروابط معه بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة. لذا، فإن انهيار النظام في طهران يمثل انتكاسة سياسية كبرى لكل من الكرملين والقيادة الصينية. فبالنسبة لموسكو، تعني هذه الحرب فقدان حليف وثيق في مواجهة الضغوط الغربية، بينما ترى بكين في هذا التصعيد تهديداً لاستثماراتها الطموحة ومشاريعها الجيوسياسية في منطقة حيوية لمصادر الطاقة والتجارة الدولية.
ما هي انعكاسات هذه الحرب على نفوذ الرئيس بوتين؟
يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه في موقف محرج دولياً، حيث يراقب عجز بلاده عن حماية حلفائها أمام الضربات الأمريكية الإسرائيلية المتلاحقة. إن نجاح ترامب ونتنياهو في دفع النظام الإيراني نحو الهاوية يبعث برسالة قوية حول حدود القدرة الروسية في التأثير خارج حدودها المباشرة. ويُعد هذا التطور خسارة لمكانة روسيا كقوة حامية، خاصة وأن العمليات أظهرت أن بوتين، المنخرط في صراع طويل الأمد في أوكرانيا، يفتقر للأدوات اللازمة لثني واشنطن عن تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط.
كيف وصفت روسيا الهجوم من منظور القانون الدولي؟
تبنت موسكو خطاباً دبلوماسياً حاداً عبر وزارة خارجيتها، حيث صنّفت العمليات العسكرية ضد إيران كـ ‘انتهاك جسيم للقانون الدولي’. ورغم ما يثيره هذا الموقف من مفارقات لدى المحللين بالنظر إلى الانخراط العسكري الروسي في أوكرانيا، إلا أن الكرملين يسعى جاهداً لتوظيف الأروقة الأممية والمنصات الدولية كأداة للضغط الدبلوماسي على واشنطن وتل أبيب. ويعكس هذا التحرك استراتيجية روسية تهدف إلى الحفاظ على هيكلية النظام الإيراني، ولو في حدها الأدنى، لضمان ديمومة النفوذ الروسي في المنطقة وتفادي انكسار جيوسياسي شامل في الشرق الأوسط.
ما هي الرسائل السياسية التي حملها بيان بوتين الأخير؟
في تعليق شخصي على التطورات، وصف الرئيس بوتين اغتيال القيادة الإيرانية بـ “الجريمة البشعة” التي تخالف المعايير الأخلاقية، وفقاً لما نقلته وكالة “تاس”. هذا الخطاب يعكس حالة الغضب الروسي من إظهار الولايات المتحدة لتفوقها العسكري التكنولوجي مجدداً. فبينما يواجه الجيش الروسي تحديات ميدانية في أوكرانيا المستمرة منذ سنوات، يُظهر الجيش الأمريكي قدرة على توجيه ضربات خاطفة وحاسمة، مما يعيد التأكيد على الفوارق العسكرية التي يحاول الكرملين تقليصها.
هل تتجه روسيا نحو فقدان المزيد من حلفائها الدوليين؟
تأتي أزمة إيران ضمن سلسلة من التراجعات الروسية على الساحة الدولية؛ فبعد العجز عن حماية نظام الأسد في سوريا، وتهميش الحليف الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفشل موسكو في تأمين ناقلات نفطها من الملاحقة الأمريكية، يبدو أن الدائرة تضيق حول نفوذ بوتين الخارجي. وتخشى موسكو الآن من وصول قيادة إيرانية جديدة تتبنى نهجاً تعاونياً مع الغرب، مما يعني تحولاً كاملاً في الولاءات الجيوسياسية في المنطقة، وهو سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا مؤخراً.
ما هي الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تخشاها الصين؟
بالنسبة للصين، تمثل إيران سوقاً ضخمة تضم 90 مليون نسمة وفرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها التكنولوجي والعسكري. وقد استثمرت بكين طويلاً في دمج طهران ضمن منظمتي “بريكس” و”شنغهاي للتعاون” لخلق جبهة موحدة ضد الهيمنة الغربية. إن انهيار هذا التحالف يوجه ضربة قوية لمصداقية الصين كشريك استراتيجي بديل، ويظهر أن القوة الاقتصادية الصينية لا تزال بحاجة إلى غطاء أمني وعسكري قادر على مواجهة التدخلات المباشرة.
لماذا لم تنجح الأسلحة الروسية والصينية في حماية طهران؟
رغم قيام موسكو وبكين بتزويد إيران بأنظمة تسليح متقدمة قبيل الهجوم، إلا أن التفوق الجوي والتقني للتحالف الأمريكي الإسرائيلي كان حاسماً. فالطائرات المسيرة والمقاتلات الحديثة تعمل في الأجواء الإيرانية دون عوائق تذكر، مما يضع مصداقية السلاح الروسي والصيني على المحك. هذا الفشل التقني يدفع دولاً أخرى، مثل كوريا الشمالية، إلى إعادة تقييم تحالفاتها والبحث عن قنوات تفاوض مباشرة مع واشنطن، إدراكاً منها لتغير موازين القوة العالمية.
كيف ستوظف بكين هذا الصراع في سياستها تجاه تايوان؟
تعتمد القيادة الصينية نهجاً انتهازياً في التعامل مع الأزمة، حيث تستغل الهجمات الأمريكية لتقديم نفسها كقوة عظمى “عقلانية” تحترم السيادة الوطنية، وهي رواية تأمل أن تجد صدى في أوروبا. ومن جانب آخر، قد تستخدم بكين هذه التدخلات العسكرية الأمريكية كمبرر سياسي مستقبلي للتحرك تجاه تايوان، بدعوى أن القوة هي اللغة السائدة في النظام الدولي الحالي، مما يجعل من أزمة إيران ذريعة لفتح جبهات صراع أخرى.
ما هو شكل النظام العالمي بعد حسم الصراع في إيران؟
تتجاوز نتائج الحرب في إيران حدود الإقليم لتعيد رسم ملامح نظام عالمي جديد. على المدى القريب، تؤكد هذه الحرب أن الهيمنة الأمريكية، عسكرياً على الأقل، لا تزال هي القوة المهيمنة التي لا يمكن تجاوزها بسهولة. أما على المدى المتوسط، فإن روسيا والصين سيحاولان استغلال هذه الأحداث سياسياً لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد الذي يقوده الغرب، وتصويره كنظام انتقائي يخدم مصالح واشنطن فقط، مما يمهد الطريق لصراع طويل الأمد على شرعية القيادة الدولية.
قراءة استشرافية
يُفضي نجاح العمليات الأمريكية الإسرائيلية في تفكيك الهيكل القيادي الإيراني إلى تآكل تدريجي في موثوقية “المظلة الأمنية” الشرقية؛ إذ تجد العواصم المتحالفة مع موسكو وبكين نفسها أمام حقيقة قاسية تؤكد عجز هذه القوى عن تأمين حماية عسكرية لحلفائها ضد استراتيجيات “تغيير الأنظمة” الخاطفة. هذا الواقع قد يدفع القوى المتوسطة والدول المتحالفة مع المحور الشرقي نحو مراجعة راديكالية لتموضعها، والتوجه لفتح قنوات دبلوماسية استباقية مع إدارة ترامب، إدراكاً منها لخلل موازين القوى التكنولوجية والعسكرية، وتفادياً لصدام غير متكافئ أثبتت فيه الترسانة الغربية قدرتها على الحسم بأقل تكلفة بشرية.
أما على الصعيد الجيوسياسي، قد تضطر روسيا لانتهاج سياسة الانكفاء التكتيكي في الشرق الأوسط لإعادة ترتيب أولوياتها وتحصين جبهاتها في أوكرانيا وشرق أوروبا، بينما ستستغل الصين هذا التدخل كـ “حجة قانونية” لتبرير أي تحرك عسكري مستقبلي تجاه تايوان، مستخدمة نفس المنطق والمبررات التي استخدمتها أمريكا لحماية أمنها القومي. وفي المقابل، يتبنى المحور الروسي-الصيني استراتيجية “المواجهة الهجينة” عبر تكثيف الهجمات السيبرانية والأدوات غير المتماثلة، مع تسريع ولادة نظام مالي ومصرفي بديل بعيداً عن هيمنة الدولار، بغرض تحصين الحلفاء ضد سلاح العقوبات الاقتصادية الذي بات يمثل المرحلة التالية لكل عملية تغيير نظام تقودها واشنطن.
من المرجح أن يشهد سوق السلاح العالمي تحولاً دراماتيكياً إثر تراجع الطلب على المنظومات الدفاعية الروسية والصينية التي لم تثبت فاعليتها في الاختبار الإيراني، لصالح التقنيات الغربية. هذا التباين التقني قد يعزز من حالة الاستقطاب الدولي، حيث تسعى بكين لتبني “الاحتواء البراغماتي” لضمان تدفقات الطاقة وتأمين استثماراتها المليارية، بينما تقود موسكو حملة دبلوماسية مضادة في المحافل الدولية لتقويض الشرعية الأخلاقية للنظام العالمي القائم، مما يؤسس لصراع بارد ممتد حول هوية القيادة الدولية في المرحلة المقبلة.
رابط النشر- https://www.europarabct.com/?p=115754
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
