داعش والجهاديون

المقاتلين الأجانب ما بين الاحتواء والحظر فى أوطانهم

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

عودة مقاتلي داعش الأجانب بين الاحتواء والحظر

مرصد الأزهر ـ 22 مارس 2018 ـ شهد عام 2017 المنقضي نجاحًا كبيرًا في محاربة التطرف على المستوى العسكري؛ حيث نجح التحالف الدولي والقوات العراقية في السيطرة على الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي.وقد أسفر هذا عن تراجع كبير في قدرات التنظيم العسكرية الميدانية وكذلك الإعلامية.

وبناءً على ذلك، لم يعد لمقاتلي التنظيم الأجانب -الذين كانت تقدر أعدادهم بنحو 40 ألف مقاتل- موطئ قدم في العراق، وهذا ينطبق على سوريا أيضًا؛ إذ أعلنت قوات مكافحة التطرف هناك أنها أوشكت على السيطرة التامة على الأمور، وطرد فلول التنظيم تمامًا من الأراضي السورية.

كان من نتيجة هذا التقدم المُحرَز على الجبهة العسكرية أن برزت إشكالية جديدة؛ حيث لم تعلن قوات مكافحة التطرف أنها قضت على مقاتلي داعش، ومن ثم برز السؤال: أين ذهبت عناصر داعش؟ وهو السؤال الذي اهتم مرصد الأزهر لمكافحة التطرف بالإجابة عنه، وأصدر تقريرًا منذ عدة أسابيع يتناول بعض السيناريوهات المحتملة للإجابة بناء على ما تم رصده ومتابعته على مدى عامين ونصف.

وكان من بين السيناريوهات القوية عودة المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى داعش في وقت سابق إلى بلدانهم الأصلية. وتمثل هذه العودة في حد ذاتها إشكالية كبرى؛ حيث إن انضمام هؤلاء الأشخاص إلى التنظيم يجعلهم يمثلون خطورة على الصعيدين الفكري والأمني.

لقد انضموا إلى التنظيم بعد أن تم تجنيدهم وبطبيعة الحال كانوا مقتنعين تمامًا بأهداف التنظيم وما يسعى لتحقيقه على مستوى العالم، كما أنهم تلقوا تدريبات على استخدام الأسلحة، وعاشوا في أجواء من العنف والقسوة والتطرف العنيف، ومن ثم فقد اكتسبوا خبرات قتالية واسعة تجعل منهم خطرًا دائمًا أينما حلّوا.

ولهذا تباينت الآراء بشأن هؤلاء المقاتلين ما بين الاحتواء والحظر؛ حيث يرى البعض أنه يجب تصفيتهم والتخلص منهم ومن خطرهم دفعة واحدة، ويرى آخرون أنه يجب عدم السماح لهم بالعودة أبدًا، بينما يرى فريق ثالث أنه ينبغي السماح لهم بالعودة مرة أخرى إلى بلدانهم، طالما رغبوا في ذلك وتخلوا عن هذا الفكر المتطرف.

إن الخيار الأول يبدو وكأنه صعب المنال؛ حيث إنه مع تحالف دولي واسع النطاق، ونشاط كبير من جانب القوات العراقية لم يكن من الممكن القضاء على هذه العناصر المنتمية للتنظيم أو القبض عليها.

وهو ما يشير إلى أن هذا الأمر في غاية الصعوبة، ثم إنه قد يكون من بين هؤلاء الأشخاص من تراجع عن هذا الفكر المتطرف بعدما عاين واقع الحال وما مر به من تجارب مع هذه الجماعة المتطرفة، ومن ثم يكون من المفيد في هذه الحالة احتواء هذه العناصر، وإعادة تأهيلها مرة أخرى، والاستفادة من تجربتها في فهم كيف تتم عملية التجنيد، وكيف تسيطر هذه الجماعات المتطرفة على عقول هؤلاء الأشخاص إلى الحد الذي يتركون فيه حياتهم كلها ويسعون إلى هذا المصير المجهول.

كما أن عدم السماح لهم يجعلهم يفقدون أي أمل في استئناف حياتهم الاعتيادية مرة أخرى، ومن ثم يعزز هذا من حنقهم على المجتمعات التي حرمتهم من هذه الفرصة التي يستعيدون فيها أنفسهم مرة أخرى، وهكذا تستمر عجلة التطرف في الدوران، ويستميتون في إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى بمن تطالهم أيديهم من البشر.

كما أن عدم السماح لهم بالعودة إلى بلدانهم الأصيلة لا يعدو كونه سماحًا لهم بالتواجد في منطقة، أو مناطق، أخرى من العالم. وهذا لا يعني سوى أن هذه الدول تمنع ضررًا محتملاً عن نفسها لتحلق بدلا منه ضررًا محققًا بدول أخرى.

يرى مناصرو الخيار الثالث أنه ينبغي السماح لمقاتلي داعش الأجانب بالعودة مرة أخرى إلى بلادهم؛ لأنهم قد تعرضوا للتضليل وغسل الأدمغة من قبل دعاية محترفة للغاية، وأنهم ليسوا بالضرورة أشرارًا.

وفي هذا السياق، أوردت صحيفة ديلي ميل البريطانية تصريح ريتشارد دي ناتالي، رئيس حزب الخضر الأستراليين، الذي أوضح فيه أنه يجب السماح لمقاتلي داعش الأستراليين بالعودة مرة أخرى إلى البلاد، واصفًا الأشخاص الذين سافروا إلى الشرق الأوسط بـ”الأناس الطيبين” المغرر بهم.

وكان دي ناتالي، عضو البرلمان عن ولاية فكتوريا- قد عارض إعلان بيتر داتون، وزير الشؤون الداخلية، بسحب الجنسية الأسترالية ممن يحملون جنسيتين -أحدهما أسترالية- إذا ثبت انغماسهم في المجازر الإرهابية في الخارج.

إن تجارب سابقة تظهر مدى خطورة هذا الأمر، فقد شهدت المنطقة العربية من قبل ظاهرة العائدين من أفغانستان الذين كانوا قد تدربوا على استخدام الأسلحة وانخرطوا في القتال لفترات طويلة، ثم عاد بعضهم إلى بلدانهم وحاولوا رفع السلاح حيث ضد بلدانهم مدّعين أنهم يسعون إلى تطبيق الشريعة.

إن مثل هذه التجارب تظهر أن هذه القضية شائكة للغاية، وتمثل تحديًا كبيرًا لجميع دول العالم؛ حيث إن الأساليب التي يتبناها هذا التنظيم متباينة وغير متوقعة حيث يوجه أتباعه حول العالم بالقيام بعمليات فردية يطلقون عليها “عمليات الذئاب المنفردة”، ولا تتطلب هذه العمليات تنسيقًا مع التنظيم دعمًا منه.

بل إن التنظيم يوضح لهم فقط الخطوط العريضة، وكيفية التحضير لهذه العملية وإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وأكبر ضرر ممكن بالممتلكات، وهذا بدوره يجعل من كل من انضم لهذا التنظيم قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، وفي أي مكان.

ولهذا ينبغي من جميع الدول اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في هذا الصدد، وإعداد برامج استقبال وتأهيل قوية لهؤلاء العائدين يمكن من خلالها التأكد من ألا يكون هؤلاء العائدين وسيلة لتدمير البلاد أو إلحاق الأذي بالمواطنين.

بدوره، يؤكد المرصد على ضرورة إعداد برامج تأهيل لهؤلاء العائدين مع الاستعانة بالمؤسسات الدينية العريقة والتى تعكس حقيقة تعاليم الإسلام فى مناهجها وتراثها، وقد تبنى الأزهر الشريف فى تسعينيات القرن الماضى تجربة رائدة أطلق عليها “المراجعات الفكرية” والتي تمت تحت إشراف علماء من الأزهر الشريف وساهمت في تخلي الكثيرين منهم عن الأفكار المتطرفة والعودة مرة أخرى إلى الوسطية والاعتدال. بيد أن أعداد قليلة منهم عادت مرة أخرى إلى التطرف والإرهاب.

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-bxM

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق