المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI
المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد: إدارة الصراع وإعادة تشكيل التوازنات
تشير المعطيات المرتبطة باللقاءات التي جمعت بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد يوم الحادي عشر من شهر آبريل 2026 إلى نمط تفاوضي غير تقليدي، يتجاوز إطار “الجولات الرسمية” نحو ما يمكن توصيفه بمسار استكشافي يهدف إلى اختبار النوايا وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. هذه اللقاءات لا تعكس فقط رغبة في فتح قناة تواصل، بل تعبر عن إدراك متبادل بأن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد تسمح بإدارة الصراع بالأدوات القديمة.
يأتي هذا الحراك في سياق إرث ثقيل من التوتر، بدأ مع انهيار التفاهمات النووية، وتطور عبر مراحل من التصعيد الاقتصادي والعسكري غير المباشر، وصولًا إلى حالة توازن هش يمكن وصفها بـ”اللاحرب واللاسلم”، حيث تتعايش أدوات الردع مع قنوات اتصال محدودة.
اختيار إسلام آباد كمنصة للحوار يعكس توجهًا نحو تقليل الحساسية السياسية والإعلامية المرتبطة بمسارات التفاوض التقليدية. هذا الخيار يوفر بيئة مرنة تتيح للطرفين اختبار إمكانيات التفاهم دون التزامات علنية، كما يمنح مساحة لإشراك أطراف إقليمية بشكل غير مباشر في عملية إعادة صياغة التوازنات. مفاوضات إيران ـ الاتحاد الأوروبي وإشكالية التوازن بين توسيع النفوذ والمخاطر
هذا النمط من اللقاءات يعكس تحوّلًا في إدارة الأزمات الدولية، حيث لم تعد المفاوضات العلنية هي المسار الوحيد، بل أصبحت القنوات الخلفية جزءًا أساسيًا من هندسة الحلول أو إدارة الصراعات.
قصر مدة اللقاء: دلالات تكتيكية واستراتيجية
اقتصار المفاوضات على يوم واحد لا يعكس محدودية في الأهمية، بل يشير إلى طبيعتها الاستطلاعية. في هذا النوع من اللقاءات، يكون الهدف الأساسي هو تحديد الخطوط الحمراء، وقياس هامش المناورة لدى الطرف الآخر، بدل الدخول في مفاوضات تفصيلية. أن قصر المدة يخدم اعتبارات داخلية لدى الطرفين؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تجنب تقديم إشارات ضعف أو تنازل مبكر، بينما تحرص إيران على الحفاظ على تماسك خطابها السياسي داخليًا وإقليميًا. بالتالي، يمكن اعتبار هذا اللقاء بمثابة “إطار تمهيدي” لوضع جدول أعمال غير معلن، أكثر منه محاولة للوصول إلى اتفاق نهائي.
إعادة التموضع السياسي والعسكري كهدف ضمني
تشير المؤشرات إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لهذه اللقاءات هو إعادة التموضع الاستراتيجي. فواشنطن تميل إلى إدارة التوتر بدل حسمه، في ظل انشغالاتها بملفات دولية أخرى، بينما تسعى طهران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وكسر العزلة السياسية. هذا التلاقي في المصالح لا يعكس تقاربًا بقدر ما يعبر عن إدراك متبادل لمخاطر التصعيد غير المنضبط، ما يدفع الطرفين إلى استخدام التفاوض كأداة لإعادة ضبط الإيقاع، وليس بالضرورة لحل الخلافات جذريًا.
محددات الموقف الأمريكي: مقاربة شاملة للأمن الإقليمي
تعتمد الولايات المتحدة في مقاربتها على رؤية شاملة تربط بين الملف النووي، وبرامج الصواريخ، والسلوك الإقليمي. يشكل البرنامج النووي محورا أساسيا، خاصة فيما يتعلق بمستويات التخصيب وآليات الرقابة الدولية، لكنه ليس الملف الوحيد. تولي واشنطن أهمية كبيرة لأمن الملاحة في مضيق هرمز، باعتباره عنصرا حيويا في استقرار الاقتصاد العالمي. وتسعى إلى بناء معادلة ردع مستدامة تضمن احتواء إيران دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
محددات الموقف الإيراني: أولوية رفع العقوبات وتثبيت النفوذ
تنطلق إيران من أولوية واضحة تتمثل في رفع العقوبات، وتعتبره شرطًا لأي تقدم في المسارات الأخرى. كما ترفض إدراج برنامجها الصاروخي ضمن التفاوض، وتتمسك باعتبار دورها الإقليمي جزءًا من معادلة التوازن في الشرق الأوسط. في الملف النووي، قد تُظهر طهران مرونة تكتيكية، لكنها تربط أي التزام بضمانات تمنع تكرار الانسحاب الأمريكي، ما يعكس أزمة ثقة بنيوية في العلاقة بين الطرفين.حرب الوظائف والطاقة: إعادة تعريف القوة في الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران
مضيق هرمز كمتغير حاسم في معادلة التصعيد
تشير التقديرات إلى أن اللقاء في إسلام آباد يمثل بداية لمسار تفاوضي أطول، قد يتخذ أشكالًا متعددة، من قنوات خلفية إلى جولات رسمية لاحقة. استمرار هذا المسار مرتبط بغياب البدائل؛ إذ إن كلفة التصعيد مرتفعة، في حين تبقى التسويات الجزئية خيارا عمليا. يظل مضيق هرمز أحد أهم عناصر الضغط الاستراتيجي في العلاقة بين الطرفين. فالمضيق لا يمثل فقط ممرًا بحريا، بل أداة تأثير جيوسياسي يمكن استخدامها في سياق التصعيد أو الردع. في حال تعثر المسار التفاوضي، قد يعود التوتر إلى هذا الممر عبر حوادث محدودة أو استعراضات قوة، ضمن سياسة محسوبة تهدف إلى رفع الكلفة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.
احتمالات التدخل العسكري الأمريكي: بين الردع والانخراط المحدود
يبقى خيار التدخل العسكري المباشر من قبل الولايات المتحدة احتمالًا قائما، لكنه منخفض في المدى القريب. التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن واشنطن تفضل أدوات الردع غير المباشر، مثل العقوبات والوجود العسكري البحري والضربات المحدودة. إن أي انخراط عسكري واسع ضد إيران يحمل مخاطر توسع الصراع إقليميًا، ما يجعله خيارًا مكلفًا وغير مفضل إلا في حالات استثنائية.
ردود الفعل الأوروبية: دعم دبلوماسي ضمن هامش تأثير محدود
تُظهر دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة دعما واضحا للمسار التفاوضي، انطلاقًا من قناعتها بأن الحل الدبلوماسي هو الخيار الأقل كلفة. غير أن الدور الأوروبي يبقى مقيدا بعوامل عدة، أبرزها ارتباطه بالسياسات الأمريكية، ومحدودية قدرته على التأثير في ملفات العقوبات والأمن الإقليمي، ما يجعله أقرب إلى دور داعم أو ميسر منه إلى فاعل رئيسي.
سلوك إيران تجاه دول الخليج
تشير التقديرات إلى أن سلوك إيران تجاه دول الخليج والعالم العربي لا يقوم على نمط ثابت من الاستهداف المباشر، بل يخضع لحسابات استراتيجية دقيقة توازن بين استخدام أدوات الضغط وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ففي حال تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، قد تلجأ طهران إلى توسيع نطاق الرد بشكل غير مباشر، عبر استهداف مصالح أو مواقع ذات دلالة في الإقليم، إلا أن هذا السلوك غالبا ما يكون محدودا وانتقائيا ويأتي ضمن سياق تصعيد أكبر، وليس كسياسة دائمة أو مفتوحة. وتُعد دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ساحات حساسة في هذه المعادلة، نظرا لارتباطها بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعلها نقاط ضغط محتملة أكثر من كونها أهدافًا لحرب مباشرة. “الناتو”: تحولات العقيدة العسكرية في أعقاب حرب إيران
تحرّك وكلاء، أذرع إيران في المنطقة
أن تحرك “وكلاء” إيران في المنطقة يُعد أحد الأدوات المركزية في “عقيدتها” لإدارة الصراع، خصوصا في ظل التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الاستراتيجية لا تقوم فقط على تجنب المواجهة المباشرة، بل على خلق بيئة ضغط متعددة المستويات تتيح لطهران التأثير في موازين القوى الإقليمية دون تحمّل كلفة الحرب التقليدية. ومن هذا المنطلق، فإن تفعيل هذه الشبكات يصبح الخيار الأكثر ترجيحا في حال تعثر المسارات الدبلوماسية أو الانتقال إلى مرحلة تصعيد مفتوح.
في سيناريو التصعيد، تتحرك هذه القوى ضمن جغرافيا واسعة تمتد عبر أكثر من ساحة إقليمية، ما يمنح إيران قدرة على توزيع الضغط بشكل أفقي بدل تركيزه في نقطة واحدة. هذا الانتشار لا يُستخدم لإشعال مواجهة شاملة، بل لإدارة “تصعيد متدرج” يربك الخصوم ويجبرهم على التعامل مع تهديدات متعددة في آن واحد. وبهذا المعنى، تتحول هذه الأدوات إلى وسيلة لرفع كلفة أي تحرك عسكري ضد إيران، عبر خلق بيئة عملياتية معقدة تتداخل فيها الجبهات العسكرية والأمنية والاقتصادية.
اللافت في هذا النمط من التحرك أنه لا يتم بصورة عشوائية أو فوضوية، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالتوقيت، ونوع الأهداف، ومستوى الرسائل السياسية المراد إيصالها. غالبًا ما يبدأ التصعيد بخطوات محدودة، مثل عمليات رمزية أو ضغط منخفض الحدة، قبل أن يتدرج نحو مستويات أعلى إذا استمر الضغط على طهران. هذا التدرج يمنح صانع القرار الإيراني قدرة على التحكم في إيقاع الأزمة، والانتقال بين مستويات مختلفة من التصعيد دون فقدان السيطرة.
كما أن هذه الاستراتيجية تتيح لإيران هامشًا من “الإنكار المقبول”، حيث يمكنها التأثير في مجريات الأحداث دون الظهور كطرف مباشر، وهو ما يقلل من احتمالات الرد العسكري المباشر عليها. في المقابل، يدرك خصومها هذا النمط، ما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على توازن دقيق بين الفعل ورد الفعل، ضمن ما يشبه “قواعد اشتباك غير مكتوبة”.
في المحصلة، فإن تحرّك “الوكلاء” لا يُفهم كخطوة منفصلة، بل كجزء من منظومة متكاملة لإدارة الصراع، تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف متوازية: تجنب الحرب الشاملة، واستنزاف الخصوم تدريجيًا، والحفاظ على قدرة الردع. غير أن هذا النموذج، رغم فعاليته النسبية، يبقى محفوفًا بمخاطر الانزلاق غير المقصود، حيث قد يؤدي خطأ في الحسابات أو حادث ميداني غير متوقع إلى تصعيد يتجاوز حدود السيطرة.
فرض ترامب الحصار على مضيق هرمز
في حال اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خيار فرض حصار على مضيق هرمز، فإن هذا السيناريو يُعد من أكثر التطورات خطورة في معادلة الصراع مع إيران، لأنه يعني عمليا الانتقال من سياسة الردع والضغط الاقتصادي إلى مستوى أعلى من المواجهة البحرية المباشرة. مثل هذا الإجراء لن يكون حصارا بالمعنى التقليدي المغلق بالكامل، بل أقرب إلى فرض سيطرة عسكرية مشددة على الملاحة عبر نشر قوات بحرية لاعتراض أو تفتيش السفن وفرض قيود فعلية على حركة الصادرات النفطية الإيرانية.
هذا التصعيد سيضع المنطقة أمام اختبار حاد، حيث يُرجح أن تعتبره طهران تهديدا وجوديا لمصالحها الحيوية، ما قد يدفعها إلى الرد عبر أدوات غير مباشرة تشمل تحريك شبكاتها الإقليمية أو استهداف مصالح في الخليج العربي أو تعطيل الملاحة بشكل جزئي. وفي المقابل، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام ضرورة توسيع الانتشار العسكري لحماية خطوط الإمداد وحلفائها، ما يرفع احتمالات انزلاق الوضع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تشمل أطرافًا متعددة، وتؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية والاستقرار الدولي.
الأستنتاج
ـ تشير مجمل المعطيات إلى أن ما يجري ليس مسارا نحو تسوية شاملة، بل إعادة إنتاج لنمط “إدارة الصراع”. كل من الولايات المتحدة وإيران يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي دون تقديم تنازلات جوهرية، ما يجعل أي تقدم محتمل جزئيًا ومؤقتًا.
ـ إن اللقاء في إسلام آباد يمكن فهمه كجزء من عملية أوسع لإعادة ضبط التوازنات، وليس كاختراق دبلوماسي. السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار حالة التوازن الهش، حيث تتعايش قنوات التفاوض مع أدوات الضغط، وتبقى احتمالات التهدئة والتصعيد مفتوحة في آن واحد.
ـ يعتمد النهج الإيراني بدرجة كبيرة على تفعيل ما يُعرف باستراتيجية “الوكلاء”، حيث يُرجّح أن تنشط هذه الشبكات في حال تعثر المسارات الدبلوماسية أو تصاعدت المواجهة، لكن ضمن إيقاع محسوب يهدف إلى توزيع الضغط على عدة جبهات دون إشعال حرب إقليمية شاملة. هذا التحرك لا يتم بصورة عشوائية، بل يخضع لمنطق تدريجي يبدأ بعمليات محدودة أو رسائل رمزية، وقد يتوسع وفقًا لمستوى التصعيد المقابل.
ـ تحرص طهران على إبقاء هذا النشاط ضمن حدود يمكن احتواؤها، لتفادي ردود فعل مباشرة تستهدفها بشكل واسع. وعليه، فإن السيناريو الأرجح يتمثل في استمرار نمط “التصعيد المضبوط”، الذي يحقق توازن ردع نسبي عبر أدوات غير مباشرة، مع بقاء احتمالات الانزلاق غير المقصود نحو تصعيد أوسع قائمة في أي لحظة.
ـ في هذا الإطار، تصبح المنطقة أمام نموذج طويل الأمد من “الاستقرار غير المستقر”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي، بل إدارة دقيقة لصراع قابل للاشتعال في أي لحظة، خصوصا في نقاط حساسة مثل مضيق هرمز.
ـ “فشل المفاوضات لا يعني نهاية المسار، بل بداية مرحلة إدارة تصعيد مضبوطة، حيث تنتقل الأطراف من محاولة الحل إلى إعادة تموضع سياسي وعسكري، مع ارتفاع احتمالات التوتر الإقليمي وعودة أدوات الضغط غير المباشر بدل الاتفاقات المباشرة.”
رابط نشر مختصر..https://www.europarabct.com/?p=117167
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
