دراساتقضايا ارهاب

المغربيات والإرهاب.. ظاهرة اجتماعية أم حالات معزولة؟ بقلم مصطفى الحسناوي

بقلم مصطفى الحسناوي ، باحث في الجماعات الإسلامية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

بحلول أكتوبر من هذه السنة 2018، ستكون قد مرت سنتان، على إعلان تفكيك خلية إرهابية مكونة من عشرة نساء، خلية نسائية خالصة مائة بالمائة، ما أثار موجة من القراءات والتحليلات والتكهنات والفرضيات، حول الإرهاب بنون النسوة، وماهي خطورته؟ وكيف تقع النساء ضحايا لهكذا خطاب؟ وما موقع المرأة في عمليات الاستقطاب والتحريض والتنفيذ؟ لدرجة بدأت بعض الأصوات تتحدث عن ظاهرة اجتماعية.

وبخلاف ما أثاره باحثون مغاربة ويابانيون، ضمن كتاب جماعي[1]، عن مشاركة النساء المغربيات في أعمال إرهابية، ووصف ذلك بالظاهرة،فإن باحثين عديدين، يرفضون اعتبار الأمر مقلقا، ويرفضون الحديث عن ظاهرة اجتماعية، والاكتفاء بالحديث عن مشكلة اجتماعية حينا، والحالات المعزولة حينا آخر، بالنظر للأرقام والمعطيات المتوفرة، ليس فقط على المستوى المغربي، بل على المستويين العربي والعالمي.

حاولنا الغوص في ملف المغربيات المتورطات في ملفات الإرهاب٬ وتتبع خيوطه من جهات وزوايا متعددة، (الأرقام والإحصائيات٬ والأسماء والحالات المعروفة٬ وأيضا تلك التي تم التكتم عليها لسبب أو لآخر) لكشف بعض الجوانب الخفية في الموضوع٬ والمساهمة في تقديم المعطيات التي تساعد الباحث على القراءة السليمة٬ والخروج بالخلاصات والاستنتاجات الصحيحة، وبناء تصور جامع مانع بخصوص هذا الموضوع الحساس والشائك، أتمنى أن تكون هذه الورقة إحدى لبناته.

في المغرب بدأت الاعتقالات في إطار ملفات الإرهاب، قبل ضربات 16 ماي 2003، بسنة تقريبا، أي منذ سنة 2002، حيث تم اعتقال أعضاء ما سمي بخلية يوسف فكري، وهي الخلية المكونة من 17 عضوا لا يوجد بينهم أي امرأة.

وفي يوم 16 ماي الماضي، تم تخليد الذكرى 15 لهجومات الدار البيضاء الإرهابية، الضربات التي لم تتبناها أية جهة، ولا يوجد في صفوف المنفذين الانتحاريين، ولا المتهمين المرتبطين بالملف، والبالغ عددهم 98 شخصا، أي امرأة أيضا.

وعلى مدى 16 سنة، أي منذ سنة 2002 وإلى سنة 2018. فإن عدد النساء اللواتي أعلنت السلطات اعتقالهن ومتابعتهن، ارتباطا بملف الإرهاب بشكل من الأشكال، هو في حدود 25 امرأة، بمعدل 1،5 امرأة في السنة تقريبا، وهو رقم له دلالاته، التي سنحاول كشفها في الأسطر القادمة.

بالرغم من الرقم الذي قدمنا، وهو بالمناسبة ليس الرقم الوحيد للحالات النسائية، يبقى موضوع التطرف بنون النسوة، موضوعا محاطا بنوع من التجاهل واللامبالاة، وحتى بالتكتم والتستر، بالنظر لما كتب حوله من ورقات، لا تساهم في تجليته، ولا ترقى لاعتمادها كأرضيات، إذ هي في مجملها بعض القصاصات الإخبارية غير المتحقق منها، أو بعض الحوارات أو البورتريهات لحالات خاصة، وحتى بعض المجازفات التهويلية كإصدار الأحكام وإطلاق الأوصاف غير الدقيقة، بالحديث عن ظاهرة، وعن خلايا نائمة… بغرض الإثارة لدى بعض المنابر غير المهنية.

هذه الضبابية وهذا النقص، وهذه الإثارة حينا، والتجاهل حينا آخر، دفعنا لخوض غمار البحث، والبدء بطرح السؤال التالي:

هل يمكننا أن نتحدث عن ظاهرة، في ما يخص ارتباط النساء المغربيات بموضوع الإرهاب؟

فكان جواب الدكتور محمد حقيقي[2]: “أعتقد أن موضوع النساء اللواتي تعرضن للاعتقال أو هاجرن إلى بؤر التوتر. لم يتحول إلى ظاهرة، بقدر ما هو حاﻻت معزولة “،إذا أضفنا تصريح الدكتور حقيقي، إلى ماتوصلت إليه دراسة حديثة، عن الخلايا الإرهابية المفككة من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، من أن الذكور يشكلون 95 بالمائة من المعتقلين، فيما تشكل الإناث 5 بالمائة فقط، بعضهن قاصرات[3].

إضافة لإعلان السلطات إلقاء القبض بتهم مختلفة على خمسة وعشرين امرأة على مدى 16 سنة، بمعدل امرأة ونصف في السنة، مع استحضار أن تلك الحالات منفصلة عن بعضها، ومتباعدة زمانيا ومكانيا وأيضا على مستوى الدوافع والتصورات،كل هذه مؤشرات تدل على أن تورط المرأة المغربية في قضايا التطرف والإرهاب، لايزال ضعيفا جدا.

وسنحاول تحليل تلك الحالات، التي أعلنت السلطات اعتقالها على مدى 16 سنة، وتصنيفها حسب المعطيات والأرقام المتوفرة، للاقتراب من الإجابة عن سؤال: هل يمكننا أن نتحدث عن ظاهرة؟ أم أن الأمر لايعدو أن يكون حالات معزولة؟
(م ش)، اعتقلت رفقة زوجها سنة2002، وقضت رفقته سنتين في الزنزانة، قبل أن يتم الإفراج عنها، وبقي هو ليكمل عقوبة 20 سنة من السجن.

(ح ر)، اعتقلت وعمرها 14 سنة بتهمة عدم التبليغ عن التوأم القاصر (س) وأختها (إ)، وهو نفس الملف الذي اعتقلت فيه (غ ت)، التي حكم عليها بسنة من السجن، كان ذلك سنة 2003،التوأم (س) و (إ)، تم اعتقالهن في ملف ضخم جدا، أكبر منهن بكثير، حيث كانتا لم تتجاوزا 14 سنة، ومع ذلك وجهت لهن تهم خطيرة، كمحاولة تفجير مبنى البرلمان، حكم عليهما بخمس سنوات سجنا، قضتا منها سنتان فقط، وأفرج عنهما بعفو ملكي سنة 2005.

الأختان بوعرفة اعتقلتا بتهمة عدم التبليغ عن أخيهما، وحكم عليهما بسنة من السجن، تركتا والدهما الطاعن في السن والمريض بأمراض مزمنة، دون معيل.

سنة2005  قضت إحدى النساء الصحراويات، 6 سنوات من السجن، فيما عرف بالمسلمين الجدد.

في سنة 2006 اعتقلت زوجتا طيارين وطبيبة وربة بيت، في ما سمي خلية أنصار المهدي، توبعن بتهمة تمويل أنشطة إرهابية، تقول إحداهن: “أنهن أعطين الأموال لغرض المساعدة الإنسانية، ولا علم لهن بأي أنشطة إرهابية”. قضين أربع سنوات في السجن، وفقد زوجاهما الطياران عملهما.

(ح م) اعتقلت سنة 2007 رفقة زوجها وهي حامل في شهرها الثالث، وحكم عليها بسنتين موقوفة التنفيذ، بعد أن قضت منها سنة وتسعة أشهر، وضعت فيها مولودتها داخل السجن.

طبيبة أخرى هي (ض أ)، اعتقلت نهاية 2009 لأنها سلمت أموالا كمساعدة لشقيقها، الذي كان قد اختفى، لتجد نفسها متهمة بالتستر على أخيها الذي قيل إنه التحق بإحدى بؤر التوتر، فاتهمت أيضا بتمويل الإرهاب.
الطالبة (ف أ)، اعتقلت مطلع 2010، وقضت أزيد من سنة من السجن، بتهمة تكوين عصابة إجرامية لإعداد وارتكاب أعمال إرهابية.

الحالات التي ذكرنا كانت كلها في الفترة بين 2002 و2010، وهي حالات كما يظهر، توبعت بتهم عدم التبليغ أو التمويل، أو الاعتقال رفقة الزوج، وهي 15 حالة، ثلثهن قاصرات.

لكن هل الرقم الذي أعلنته السلطات هو الرقم الوحيد الذي يعكس تورط النساء في ملفات كهذه؟ أم أن هناك أرقاما وحالات أخرى؟ الجواب عن هذا السؤال، لن نجده في القصاصات الإخبارية، ولا في بيانات السلطات الأمنية.

بحكم تعاملنا مع بعض الجهات الحقوقية المشتغلة على الملف، وتواصلنا المباشر مع بعض المتورطات، أو مع عوائلهن ومحيطهن، توصلنا لأرقام وحالات ومعطيات أخرى غير معلنة، لكن قبل ذلك، دعونا نتوقف مع رقم آخر، هذه المرة هو رقم رسمي أعلنت عنه السلطات، ويتعلق بالمغربيات المتورطات في ملفات إرهاب، لكن خارج التراب الوطني.

بحسب عبد الحق الخيام، مدير المكتب المركزي للتحقيقيات القضائية[4]، فإن عدد النساء اللواتي ذهبن لسوريا والعراق منذ اندلاع الثورة السورية، أي ما يزيد عن 7 سنوات، هو في حدود 284، رجعت منهن 52 امرأة، ولم يتطرق المسؤول الأمني، لمصير العائدات.

للتأكد من اعتقال العائدات، توجهنا بسؤال إلى اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، وهي تكتل حقوقي متخصص في الدفاع عن المتابعين في ملفات الإرهاب، مفاده: هل اعتقلت السلطات أيا من النساء العائدات من بؤر التوتر؟ فكانت الإجابة بالنفي.

سنة 2015، دخلت مجموعة فتيات السجن في صمت وخرجن منه بصمت، ولم تسلط وسائل الإعلام الأضواء عليهن٬ كانت التهمة حسب معلومات حصلنا عليها، من طرف العوائل، محاولة الالتحاق ببؤر التوتر، فتم اعتقالهن في المطار، وبحسب معلومات أدلت بها لنا إحدى الموقوفات، فإن عدد المعتقلات هو خمس فتيات، فضلن هن وعوائلهن، عدم الحديث عن قضيتهن أو تسليط الأضواء عليها، فمر اعتقالهن وخروجهن صامتا.

في أكتوبر 2016، أعلنت السلطات اعتقال خلية نسائية خالصة، مكونة من عشر فتيات، بينهن سبع قاصرات، اثنتان تبلغان 15 سنة، واثنتان تبلغان 16 سنة، وثلاثة 17 سنة، اتهمتهن السلطات بمبايعة داعش والإعداد لعمل إرهابي داخل البلاد، كانت هذه أول حالة معلنة لاعتقال خلية مكونة من النساء فقط.

قبل ذلك بثلاثة أشهر، وتحديدا في شهر يوليوز 2016، كانت هناك اعتقالات كثيفة وصامتة تجري على قدم وساق، اعتقلت مجموعات من الفتيات بينهن قاصرات، قضين ثلاثة أيام في مخافر الشرطة، وتمت متابعتهن في إطار سراح مؤقت، لتصدر الأحكام تباعا في حق الواحدة تلو الأخرى، ابتداء من مطلع ماي 2017، بالبراءة وبسنة موقوفة التنفيذ.

(ليلى أ ع) طالبة جامعية بشعبة الدراسات الفرنسية، هي إحدى الموقوفات اللواتي اعتقلن لمدة ثلاثة أيام بتهمة الإشادة بالإرهاب، عن طريق تدوينة فيسبوكية على حسابها، قالت في تصريح خاص لنا، أنها كانت ضمن مجموعة من سبع فتيات إحداهن قاصر، من مدن مراكش تطوان المحمدية القنيطرة الجديدة وسيدي بنور، تم اعتقالهن في إطار خلية، لكن تمت متابعة كل واحدة بتهم مختلفة، (الإشادة، التواصل، محاولة الهجرة). وأضافت ليلى في حديثها لنا، أنها تعرف مجموعة أخرى مكونة من ست فتيات، توبعن بنفس التهم.

(دنيا س) ناشطة في مواقع التواصل الاجتماعي، أمدتنا بمعطيات ومعلومات عن ناشطات بمواقع التواصل اختفين عن الأنظار فجأة في وقت متزامن، قالت أنها علمت فيما بعد أنهن اعتقلن، تقول أنهن في حدود عشرين فتاة أو أزيد.

عدد المعتقلات من القاصرات والطالبات إذن، هو في حدود العشرين٬ اعتقلن قبل سنتين، بتهم تتراوح بين الإشادة والتدوين والتواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي المعطيات التي حصلنا عليها، من مصادر متعددة ومختلفة، لكنها متطابقة.

نحن إذن أمام 15 حالة اعتقال معلنة بين 2002 و 2010.

و5 حالات اعتقلن بصمت بين 2015 و 2016، وقضين فترات سجنية وخرجن بصمت.

وحوالي 20 حالة غير معلنة تمت متابعتهن في إطار سراح مؤقت، بين شهري يونيو ويوليوز 2016.

و10 حالات ضمن خلية نسائية تم الإعلان عنها في أكتوبر 2016.

ما مجموعه 50 حالة بين المعلن عنها وغير المعلن، على مدى 16 سنة، بمعدل ثلاث حالات في السنة.

وبحسب تصريح الخيام السابق، فإن حوالي50 امرأة على الأقل عادت من بؤر التوتر، ولم يتم اعتقال أي واحدة منهن، كما أجابتنا اللجنة المشتركة.

فما الذي جعل السلطات توقف بعض الفتيات في المطار، ولا تسمح بمغادرتهن أرض الوطن، وتعتقلهن وتتابعهن بقانون الإرهاب، وتقضين عقوبات سجنية من سنة إلى سنتين؟ رغم أن أي واحدة منهن لم  تقم بأي عمل إرهابي داخل بلدهن، في الوقت الذي لم يتم اعتقال عدد من النساء، قلنا أنه فاق 280 امرأة، بينهن نساء معروفات عالميا، كفتيحة الحساني، المعروفة بأم آدم المجاطي، زوجة القيادي في تنظيم القاعدة كريم المجاطي، التي غردت على تويتر، بعد وصولها لسوريا، أنها تلقت معاملة حسنة في المطار حين كانت تهم بمغادرة أرض الوطن.

سؤال بقي عالقا طيلة إعدادنا لهذا الملف الشائك، ولم نجد له جوابا، عند بعض من اتصلنا بهم من المحامين والحقوقيين، لكننا يمكن أن نلتقط منه إشارة تساعدنا في الإجابة عن سؤالنا الرئيسي.

حسب المعطيات والأرقام المذكورة، فإن مجموع المتورطات في ملفات الإرهاب على مدى 16 سنة، سواء الحالات المعلنة أو غير المعلنة، والمتهمات داخل أرض الوطن، أو المتورطات خارج التراب الوطني، هو في حدود 334، تشكل اللواتي ذهبن منهن إلى بؤر التوتر حوالي 85 في المائة، أغلبهن أمهات وزوجات وأخوات وبنات، القاسم المشترك بينهن، هو المستوى التعليمي والاجتماعي المتدني، والارتباط بالرجل ابنا أو أبا أو أخا أو زوجا.

أما 15 في المائة المتبقية، أي حوالي 50 امرأة، فإنهن موزعات على مدى السنوات الستة عشر، على تهم مختلفة ومتفاوتة تتراوح بين التمويل أو عدم التبليغ أو التعاطف مع المقاتلين في بؤر التوتر، وحتى التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو كتابة تدوينات، بمعدل ثلاث حالات في السنة، وبينهن عدد لابأس به من القاصرات والأميات وذوات التعليم المحدود، وتوجد بينهن أيضا طبيبات ومهندسات وطالبات جامعيات، لكن هذه التخصصات معدودة على أصابع اليد الواحدة.

نحن إذن أمام مؤشرات توحي بأن هناك سياسة أمنية تتساهل نسبيا مع العائدات، باعتبارهن ضحايا ذهبن مكرهات تحت سلطة وتبعية الرجل، وهو أمر يمكن أن نفهم منه أن السلطات لا ترى فيه تهديدا حقيقيا، وأنه لايرقى لدرجة الظاهرة التي تستدعي تعاملا خاصا، بخلاف الناشطات داخل التراب الوطني، فإنها ترى فيهن خطرا أكبر، فتبادر لتفعيل الخطط الأمنية الاستباقية في حقهن.

وبحسب أسئلة وجهناها لعدد من المتابعات، فإن أجوبتهن ساعدتنا على رسم خارطة تمكننا من إدراجهن ضمن ثلاث فئات:

  • المقتنعات بإيديولوجيا التطرف قناعة راسخة نابعة عن اعتقاد جازم
  • المتحمسات من المغرر بهن الواقعات تحت تأثير الإبهار بكل أشكاله
  • المرتبطات بأزواجهن أو بالرجل عموما ممن لاحول ولاقوة لهن

لاشك أن هذه المعطيات وهذه الأرقام الدقيقة والتي استطعنا التوصل إلى جزء منها عن طريق الاتصال المباشر، وتتبع الأخبار المتعلقة بتفكيك الخلايا، تكشف للباحثين والمهتمين٬ جزءا من الحقيقة٬ ومن المسكوت عنه٬ للمساهمة في مقاربة أفضل للموضوع٬ والتوصل لنتائج تفيد في وضع الموضوع ضمن إطاره الصحيح٬ للإجابة عن سؤال: هل نحن أمام ظاهرة بدأت بالاستفحال؟ أم أن الأمر لايزيد عن كونه حالات معزولة؟

ولتجلية الموضوع بشكل أكبر، لابد من استحضار حالات وتجارب خارج السياق المغربي، على سبيل المقارنة، وذلك باستعراض أمثلة لمشاركات المرأة، منذ انفجار مواضيع التطرف والإرهاب، وطفوها على السطح، وسنتطرق بإيجاز لمحطات مختلفة زمانيا ومكانيا على مدى 16 سنة أيضا.

في الفترة ما بين 2001 و 2004، روج تنظيم القاعدة، عدة سرديات تحث على إشراك المرأة في جميع أنواع العمليات والمجالات، الفكرية والشرعية والميدانية، وهي الفترة التي عرف الجهاد الإلكتروني النسوي توهجا وإشعاعا منقطع النظير، لدرجة أن حملة السكينة، التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية، قالت في دراسة لها أن 40 في المائة من المواقع والمنتديات الجهادية، كانت تديرها وتشرف عليها نساء[5].

لقد تطور دور النساء داخل التنظيم، من التأثير على الأقارب، إلى تحريض الأباعد، إلى تقديم الدعم المعنوي والتقني واللوجستي للجماعات المسلحة، إلى التأليف وإعداد الرسائل والمنشورات، من أجل التجنيد، كرسالة حملت عنوان “يا نساء دوركن فقد نام الرجال”، نشرها موقع “صوت الجهاد”، ثم جاءت مجلة “الخنساء”، التي صدر أول عدد منها سنة 2004، وكانت المسؤولة عن تحريرها سيدة مصرية تدعى “أم أسامة”.

وهكذا كان للمرأة دور مهم في نشاط تنظيم القاعدة في هذه الفترة، تنوع بين العمل الشرعي والعمل الإعلامي والعمل التحريضي والعمل الميداني… بل كان التنظيم يفخر بهن ويذكر أسماءهن، فبرزت عدة أسماء سواء الحقيقية أو الحركية، كمنى صالح الشرقاوي، بنت نجد الحبيبة، وفاء الشهري، هيلة القصير، أروى البغدادي، هاجر الأزدي….

وكان أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، نوه في مرات عديدة، بأهمية دور النساء، ومشاركتهن، في “الجهاد الأفغاني”.

الشيء نفسه فعله يوسف العييري، أحد كبار قادة التنظيم في السعودية، الذي أشاد في رسالته “دور النساء في جهاد الأعداء” بدور النساء داخل التنظيم، واستعرض سيرة الكثير من النساء اللاتي شاركن في القتال في أفغانستان.

رغم هذا الزخم الذي تحدثنا عنه، ورغم هذا النشاط الواضح والملموس للمرأة، إلا أن مسؤول حملة السكينة، عبد المنعم المشوح، اعتبر حجم مشاركة المرأة، لم يصل للمستوى الذي خطط له رموز التنظيم، حيث قال في تصريح نشره موقع السكينة: “القاعدة فشلت في تحقيق استهدافها المرأة بالسعودية، فالمتعاطيات فعليا مع التنظيم عدد قليل جدا، والمتعاطفات لا يمثلن نسبة كبيرة”، مشيرا إلى أن “نسبة التراجع لدى المتعاطفات أكبر”.

تصريحات المسؤول السعودي، لا تعتبر ما وصل إليه الأمر ظاهرة خطيرة، واعتبر ما حققه التنظيم وسط النساء فشلا، لا يرقى لما كان يخطط له، رغم الأدوار المهمة التي لعبتها المرأة داخل التنظيم.

في أكتوبر 2002، تابع العالم مباشرة، عملية رهائن مسرح موسكو، حيث استخدم المقاتلون الشيشان، العنصر النسوي في المواجهات مع الحكومة الروسية، وقد كان ضمن المهاجمين للمسرح، 18 امرأة شيشانية، تم قتلهن جميعا.

بعد احتلال العراق سنة 2003، وفي عام واحد فقط فجرت 31 امرأة نفسها، 17 منهن في محافظة ديالى، شمال شرقي العاصمة بغداد.

في نونبر 2005 تم تفجير فندق “غراند حياة” في العاصمة الأردنية عمان، وتبين لاحقا أن عراقية تدعى ساجدة الريشاوي كانت ضالعة في الهجوم، لكنها نجت لأن حزامها لم ينفجر، وقد أعدمتها السلطات الأردنية، سنة 2014، مباشرة بعد أن أحرق تنظيم “داعش” الطيار الأردني معاذ الكساسبة.

في صيف 2008، ستظهر أم أسامة، مسؤولة تحرير مجلة “الخنساء” الإلكترونية، على التلفزيون السعودي، مدلية باعترافاتها، ومعلنة عن مراجعاتها.

في بداية 2009، ستتمكن وفاء الشهري، من التسلل والهروب من السعودية إلى اليمن، للالتحاق بزوجها الرجل الثاني في تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب، والعائد من سجن غوانتانامو، سعيد الشهري، بعد طلاقها من زوجها الأول ومقتل زوجها الثاني القيادي في القاعدة أيضا، عبد الرحمن الغامدي، ثم لتعلن من اليمن انتسابها صراحة للتنظيم، وهي أول سعودية تخرج من بلدها وتلتحق بالقاعدة.

أواخر 2009، ستوجه زوجة أيمن الظواهري وتدعى “أميمة”، رسالة مفتوحة إلى النساء المسلمات بـ”عدم الالتحاق بالجهاد”، داعية إياهن إلى “دعم الجهاد بوسائل أخرى”.

سنة 2010، ستعلن السلطات السعودية اعتقال أخطر قيادية في القاعدة، هي هيلة القصير، وقد وجهت لها السلطات 18 تهمة من أبرزها جمع أكثر من مليون ريال وذهب، وتسليمه لعناصر من تنظيم القاعدة، ومساهمتها في القيام بنقل أجهزة اتصال لاسلكي من منطقة القصيم للمنطقة الجنوبية، بهدف توصيلها لتنظيم القاعدة باليمن.

نهاية 2010، أعلنت السلطات السعودية، اعتقال خبيرة الإنترنت صاحبة معرفات (الغريبة، بنت نجد الحبيبة…) على شبكة الإنترنت، ووجهت لها تهم التحريض والتخطيط لتنفيذ اغتيالات.

في 28 مارس 2012 اختطف تنظيم القاعدة في اليمن نائب القنصل السعودي عبد الله الخالدي، وعقد صفقة مع النظام السعودي، لإطلاق سراحه مقابل إطلاق عدد من أعضاء وقادة التنظيم، بدا لافتا حجم الأسماء النسائية التي طالب بها التنظيم، نذكر منها:

هيلة القصير (مؤهل جامعي معروفة بأم الرباب، وبسيدة القاعدة)

  • نجوى الصاعدي (درجة الماجستير من جامعة الملك عبد العزيز، وهي زوجة خالد الوافي الحربي أحد المعتقلين)
  • أروى بغدادي (زوجة ياسين العمري المحكوم بعشر سنوات من السجن)
  • حنان سمكري (أرسلت ابنيها واحد إلى العراق والآخر إلى أفغانستان)
  • نجلاء الرومي (عرفت حركيا بأم الزبير، يمنيّة الأصل، وهي زوجة أحد المعتقلين)
  • هيفاء الأحمدي (اعتقلت سنة 2011، واشتغلت مع أسر المعتقلين لسنين طويلة)

سنة 2014، استطاعت أروى البغدادي أن تهرب من السعودية إلى اليمن وتلتحق بتنظيم القاعدة هناك، بعد أن قضت حوالي سنة ونصف في سجون السعودية، لتخرج بكفالة، ثم لتهرب مع ابنة أخيها وزوجته، وتترك وراءها طفليها وزوجها المحكوم بعشر سنوات داخل السجن، تاركة له رسالة غريبة، على حسابها في التويتر، تقول فيها: “زوجي العزيز.. أضحت جراح المسلمين تدميني، فأصبحت بين خيارين؛ إما فراقك والنفير، أو الخذلان والنعيق مع القاعدين”.

وفي نفس الفترة، مع الإشعاع الذي عرفه تنظيم “الدولة”، بعد إعلان خلافته، ستتمكن السعودية “أم هاجر”، المشهورة باسم “أحلام النصر”، والمعروفة بأنها شاعرة “داعش”، من التسلل إلى سوريا، والزواج بقيادي داعشي هو أبو أسامة الغريب.

داعش بعد 2014، أسست لمرحلة أخرى في التطرف النسائي، وفتحت المجال لكل أنواع المشاركة النسائية، في شتى المجالات التي يمكن أن تخطر أو لاتخطر على البال، واستطاعت “داعش” بخطابها الاستقطابي وآلتها الدعائية، أن تجلب 1000 امرأة من مختلف الجنسيات، بينهن أوربيات وأمريكيات، قاصرات وطالبات جامعيات ومهندسات وطبيبات، وانخرطت المرأة في دولة “داعش” في كل الخدمات، لدرجة تشكيل كتائب نسائية للحسبة وأخرى للعمليات الأمنية وأخرى خاصة بالعمليات العسكرية، مثل كتيبة “الخنساء” أشهر كتائب “داعش”، سرية “أم محمد” تقودها باكستانية، سرية “أم مقداد” تقودها سعودية، سرية “أم الريان”  تقودها تونسية، وهذا يقودنا للحديث عن دور التونسيات وحجمهن، داخل تنظيم داعش، حيث عرفت التجربة التونسية، أكبر عملية استقطاب وأكبر عملية هجرة للعنصر النسوي باتجاه الجماعات المقاتلة أو المتطرفة، وتصدّرت التونسيات قائمة المتورّطات في قضايا الإرهاب في سوريا. قبل أن ينكمش هذا التواجد مع بداية انكماش التنظيم بداية 2017.

لقد أسالت التجربة التونسية مدادا كثيرا، وأثارت نقاشا كبيرا، سواء بانخراط التونسيات في تنظيم أنصار الشريعة، بين سنتي 2011 و 2012، أو في هجرتهن باتجاه سوريا التي بدأت بالتقلص نهاية 2016،ولعل أبرز بحث سلط الضوء على التجربة التونسية، هو ذاك الذي صدر لمؤلفتيه بالاشتراك، الدكتورة آمال قرامي ومنى العرفاوي[6].

وبالرغم من كل الزخم الذي عرفته تونس منذ مطلع 2011 وإلى نهاية 2016، وحجم مشاركة التونسيات في التنظيمات المتطرفة، إلا أنه وعند سؤالنا للدكتورة آمال قرامي، حول ما إذا كانت تعتبر تحول موضوع النساء التونسيات في علاقتهن بالإرهاب، إلى ظاهرة اجتماعية، أجابتنا بالنفي، قائلة[7]: “الظاهرة الاجتماعية، لها قوانينها الناظمة، ولها نسق محدد وعندما تحدث لايمكن حصرها في مجموعة من السمات العامة، ويمكن دراستها على هذا الأساس، والظاهرة الاجتماعية سلوك ونمط في التفكير، أحيانا يكون خارجا عن إرادة المرء، ولها أيضا قوة الضغط.

وبالنسبة للحالة التي درستها والمتعلقة بالتحاق النساء التونسيات بمختلف التنظيمات الإرهابية، فإن هذا السلوك له خصائص تميزه، ولكنه لايمثل حالة جماعية، باعتبار أن كل حالة وراءها مجموعة من العوامل والميكانزمات المختلفة التي تؤدي إلى ظهور هذا السلوك” وأضافت المتحدثة أنها تعتبر هذا السلوك “مشكلة اجتماعية تعوق سير المجتمع، ولكن ليست ظاهرة، هي مشكلة اجتماعية وليدة ظروف أثرت في عدد من الفتيات”.

إن ماصرحت لنا به الباحثة التونسية الدكتورة آمال قرامي، يعزز ما نميل باتجهاه، من أن الأمر في المغرب لا يتعلق بظاهرة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قياس الحالة المغربية على الحالة التونسية، وامال قرامي ترى أن إقبال التونسيات على المشاركة في الأعمال والتنظيمات الإرهابية سيزداد، وهي الفكرة التي ضمنتها في كتابها السالف ذكره، ومع ذلك لا يرقى في نظرها لاعتباره ظاهرة اجتماعية.

هذه أمثلة واضحة وصارخة، على الأدوار التي قامت بها المرأة، في أفغانستان والشيشان والعراق والسعودية واليمن ومصر وتونس، ميدانيا وعسكريا وإعلاميا ولوجيستيا ودعويا، على مدى 16 سنة.

إن هذه الأمثلة إذا ما قارناها مع الحالة المغربية، سيبدو لنا الفارق شاسعا، وسيظهر لنا الحجم والمساحة التي تحتلها المغربيات في مجال كهذا، وأي أدوار تقوم بها المغربيات، وأي خطورة تشكلنها؟

لاشك أن الأمر خطير ومقلق، ينبغي التعامل معه باعتماد مقاربات متنوعة، ومداخل متعددة، لكن لاينبغي التهويل من شأنه، ورسم صورة مخيفة مرعبة، بحيث تنعكس علي جو الثقة، وتسيء لصورتنا عموما ولصورة المرأة المغربية بشكل خاص، كما ينبغي التعامل مع هذه الحالات من النساء كضحايا وليس كمذنبات.

الهوامش

بعنوان: “الكتاب الأبيض عن الإرهاب بالمغرب” صدر قبل ثلاث سنوات. [1]

المدير التنفيذي للرابطة العالمية للحقوق والحريات وممثلها بالمغرب. [2]

[3] – الدراسة أنجزها محمد بنعيسى، عضو المركز المغربي لدراسة التطرف والإرهاب.

– على هامش المنتدى الإسباني المغربي الثاني حول الأمن ومكافحة الإرهاب المنظم في نسخته الثانية تحت عنوان “مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل: مساهمة المغرب وإسبانيا والاتحاد الإفريقي”، منتصف ماي 2017. [4]

[5] – موقع السكينة علي الأنترنت

[6] – كتاب “النساء والإرهاب دراسة جندرية” صادر سنة 2017، عن دار “مسكيلياني” في تونس

[7]- حوار خاص مع الباحثة

رابط مختصر: https://www.europarabct.com/?p=47885

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

 الباحث مصطفى الحسناوي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق