Select Page

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

إعداد: الدكتور العميد سعد معن

يعتمد تنظيم  داعش اساليب الغسيل الايدلوحي الفكري الى جانب العامل المادي وبحداثة وتطورفي مخاطبة الاطفال والقاصرين والشباب في اعمار مبكرة، كونهم الفئة الاكثر استهدافا الى تنظيمه. فهو يستهدف تجنيد الانتحاريين بصورة خاصة من بين  الاطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين  10و22 سنة . وفي تكرار لتجربة القاعدة في افغانستان وسوريا، سعى التنظيم الارهابي الى التركيز على الاطفال، في محاولة لزرع جذوره المتطرفة. وتعطي داعش الشباب والاطفال في اجندتها القتالية والاعلامية، بعد اخضاعهم الى غسيل الدماغ او الترهيب واجبارهم على العمل داخل التنظيم على مستوى العمليات الانتحارية.

في العقود الأخيرة, شاع استخدام عبارة “غسل الدماغ” للتعبير عن ظاهرة الانسياق القسري والطوعي في التيارات الفكرية والاجتماعية والسياسية المخالفة للميول الشخصية. ومن هنا ظهر القول أن فلاناً قد “غُسل دماغه”, ما يعني أنه استبدل ما كان يختزنه من ميول وعادات وتقاليد بأخرى تناسب الواقع على الأرض.وعلى الرغم من اعتراف العلم بظاهرة المرونة الدماغية هذه, كجزء من طبيعة الإنسان التي تخدم بقاءه وتأقلمه مع الواقع, فإن التساؤلات ما زالت قائمة حول ماهية هذه المرونة وخصائصها, خصوصاً بعدما تمكن العارفون من تسخيرها لإعادة برمجة العقول لغايات ومصالح تجارية وسياسية وشخصية.فكيف يغيّر الدماغ البشري من توجهاته, وما هي العوامل التي تفرض هذا التغيير؟

ما هي المرونة الدماغية؟

المرونة الدماغية كما هو معروف, ميزة بشرية لافتة, وآلية دفاع بالغة الدقة, يطلقها الدماغ السليم في وجه الضغوطات أو الصعوبات المستمرة للحفاظ على سلامة وظائفه. من هنا تعدد الأقوال الشائعة في مدح المتحلّين بهذه الميزة كالقول مثلاً “فلان يملك المقدرة على التأقلم والرضوخ للواقع”, أو “يتحلى برجاحة العقل والمقدرة على التكيف ومجاراة التيار”.إذن السير بعكس التيار, والتشبث بالرأي والمبدأ في الظروف القاهرة, هو دليل ضعف في المقدرة الدفاعية الفطرية, والعكس هو الصحيح. بمعنى أن الدفاع السلبي المتمثل بالاستسلام أو المهادنة هو الأضمن “إلى حد ما” لتوفير السلامة.


هذه وسواها من المفاهيم دفعت ببعض العلماء إلى إجراء تجارب وأبحاث بالغة الدقة للتعرف إلى كيفية عمل الخلايا العصبية أثناء الضغوطات. وفي بداية الثلاثينات, تمكن العالم الروسي بافلوف الذي أجرى في مختبره تجارب على الحيوانات, من التأكيد على أن الضغوطات المستمرة تتعب خلايا الدماغ التي تختزن المعلومات, وتشل عملها تدريجاً إلى أن تفرغها أو تغسلها من محتواها. وهذا بالطبع يمهد السبيل أمام إعادة تعبئتها بمعلومات جديدة. وعملية الغسل هذه التي اكتسبت لاحقاً اسمها العلمي العصري, تشبه إلى حد بعيد تقنية الضغط على شريط التسجيل لمحو المعلومات التي يختزنها بهدف استخدامه من جديد.

هل هي حقاً آلية دفاع؟

الى ذلك, أفادت الدراسات المقـرونة بالإحـصاءات والصور الشعاعيـة, أن ردات فـعل الإنسان في الظروف القاهرة تخـتلف باخـتلاف تكوينه الوراثي. فهـنالك مثلاً من يفـقد توازنه نتيجة اختلال الاتصال بين خلايا دماغه, فيضطرب وتبدو عليه علامات القلق والتوتر, وقد يصل إلى مرحلة الاكتئاب المرضي. وهنالك من يصمد ويحاول التوفيق بين ميوله والأفكار المفروضة عليه. أما الأكثرية الساحقة فتلجأ بالفطرة إلى تقنية الدفاع السلبي أو الاستسلام لدوافع بيولوجية, الهدف منها منع حصول الاضطراب أو الاختلال. وهذا ما يوصل في النهاية إلى حالة “الغسل” لمجاراة الظروف.

العوامل التي تسبب غسل الدماغ؟

كما سبق وأشرنا, تحصل عملية غسل الدماغ تدريجاً تحت تأثير عوامل مختلفة, أهمها الخوف الشديد نتيجة الصدمات والحروب والكوارث الطبيعية والترهيب المقصود. كما يتسبب به عموماً الإرهاق الجسدي والفكري بفعل السهر أو الحرمان من النوم لمدة طويلة, بالإضافة إلى الجوع والعطش والقلق النفسي.وقد يدخل تأثير بعض الأدوية كأحد العوامل الفاعلة. ولا يمكن إغفال عوامل التوجيه المستمر والإقناع والترغيب التي تتسبب عموماً بالإجهاد الدماغي, ومن ثم الانصهار الطوعي في التيارات الضاغطة. من هنا الانصياع الذي تفرضه عموماً التيارات السياسية والعقائدية, والمصالح التجارية في الجماعات الخاضعة لتأثيرها المباشر، وفي الحياة العامة براهين حية تعكس هذه النظرية بأشكال مختلفة.

الرضوخ للعادات والتقاليد

إذا ما عدنا إلى خلفيات المجتمعات البدائية, حيث تقضي الأصول بالرضوخ للعادات والتقاليد وسيطرة القادة, نرى أن آلية غسل الأدمغة كانت تطبّق بعفوية بالغة من خلال ممارسات لافتة.في هذه المجتمعات, يرضخ الفرد لبيئته, ويجبر على التقيد بقوانينها الصارمة بشكل لا يترك له حرية التفكير أو الاختيار. ولتأمين ذلك, يخضع منذ الصغر لأشكال من البرمجة من خلال الاجتماعات المستمرة التي تمارس من خلالها وسائل الضغط والترهيب, وحلقات الرقص والغناء الصاخب التي تتعب أعصابه وتحوّله إلى مجرد آلة مسيّرة.


الوسائل الحديثة في المجتمعات الحضاريةعلى الرغم من تبدل المفاهيم, وشيوع مبادئ حرية الفـكر والمعتـقد, نرى أن هـذه الحرية بالذات أصبحت أداة طيّعة في يد الفئات الضاغطة لاجتذاب الميول واقتناص الأفكار والعقائد بالطرق البدائيةذاتها.


فعلى الصعيد السياسي حيث تقضي المصلحة باجتذاب المؤيدين وصهر الأفكار في بوتقة اهتمامات الزعماء, تستخدم عموماً الوسائل الإيحائية التقليدية بأشكال مدروسة لإحداث التأثير المطلوب. واللافت, كما تؤكد الدراسات, أن الذين ينساقون في هذه التيارات الضاغطة, يفعلون ذلك بهدف الدفاع اللاواعي عن النفس, والاحتماء بالدعم الجماعي من أجل البقاء. من هنا يصبح الاستسلام قوة تؤمن الحماية على حساب الهوية الشخصية الضائعة.

 

في المجال العسكري

إلى جانب استغلال ظاهرة الاستسلام أو الدفاع السلبي لغرس الأفكار والعقائد والميول, فقد تمّ تسخيرها منذ القدم لكسب المعارك العسكرية.ففي أيام السلم, يلعب التوجيه دوراً بالغ الأهمية في تنمية مشاعر الوطنية والانتماء. وفي أثناء الحروب تستغل ظاهرة “غسل الأدمغة” في الحرب النفسية بهدف رفع معنويات المقاتلين واختراق خطوط الأعداء, عن طريق التهويل والتخويف ونشر الإشاعات التي من شأنها أن تحبط العزائم وتثني عن القتال.

تأثير التكرار على الدماغ

إلى جانب وسائل التخويف والإجهاد النفسي والجسدي, هنالك كما سبق وذكر وسيلة التكرار المتعمد الذي يؤدي الغرض نفسه. فالتكرار يتعب الجهاز العصبي ويؤدي الى تحويل الميول نحو الاتجاهات المطلوبة. وما الإعلانات التجارية التي تتكرر أمامنا يومياً على شاشات التلفزة, وفي الصحف والمجلات وملصقات الشوارع, سوى البرهان الساطع على صحة هذه النظرية, والدليل على إقدام المستهلكين على شراء الأصناف التي يروّج لها باستمرار, وذلك تحت تأثير الوهن الذي يصيب خلايا الدفاع بفعل رؤيتها المتكررة, ومن ثم الاقتناع بجودتها قبل تجربتها في معظم الأحيان.هذه وسواها من الأمثلة التي تدل على مرونة الإنسان واستعداده الدائم لتقبل المستجدات, ليست سوى اختصار موجز للحظات الضعف والانكفاء التي تمد الكيان البشري بقوة الدفاع لصد أذى العواصف.إنها سنّة الطبيعة, وأحد أهداف التشبث بالبقاء.

 

التكامل الجسدي وعمليات غسيل المخ جراحيا

يتكون الجسم من مجموعة أعضاء تؤدي وظائف ذهنية ونفسية إذ لا يمكن الفصل والتمييز بين وظيفة وأخرى في إبلاغ حماية القانون لها فبمجموع هذه الوظائف يتميز الإنسان عن باقي المخلوقات ،ويعد المخ مركزا للسيطرة والتحكم بأعضاء الجسم ومن ثم فهو يمارس وظيفة ذهنية للجسم تتمثل في إمكانية التفكير واتخاذ القرار المناسب وبذلك فأن أي خلل بهذه الوظيفة يعد اعتداء على حق الإنسان في التكامل الجسدي وبدوران عجلة التطور العلمي تم اكتشاف وسائل جديدة يمكن استخدامها للتأثير في طريقة تفكير الأفراد وتوجيهها نحو اتجاه معين دون الآخر ،ومن هذه الوسائل زرع أسلاك معدنية دقيقة في الرأس بعد الولادة بعدة أشهر ومن ثم توجيه إشارات لاسلكية كهرومغناطيسية تؤثر في خلايا الدماغ المعنية باتخاذ القرارات ،ومن هذه الوسائل أيضا إجراء عملية جراحية في الرأس بقصد استئصال جزء من خلايا المخ واستبدالها بأخرى للتأثير في طريقة التفكير واتخاذ القرارات

وحسب ما رأينا فإن عملية غسل الدماغ والسيطرة على العقل وتحوير أفكار الآخرين، تحتاج إلى تخصص ومنهجية واحتراف وتمكن من الأسس والأدوات والوسائل الفنية فضلا عن الاستعدادات والقدرات الشخصية (الكاريزم).ومع ذلك، فإن من المفارقات أنك ربما تجد حولك إنساناً عادياً لا يملك كل هذه المؤهلات الفطرية أو المكتسبة، ومع ذلك استطاع (وعلى المستوى الفردي) أن يقوم بعملية سيطرة على دماغ وهيمنة على فكر ومشاعر وتحوير للاتجاهات والعواطف!فعملية غسل دماغ عشوائية وعلى الفطرة!


وان كل مؤهلاته وأدواته بدائية، لا تتعدى المكر والخبث والدهاء + التفاف حول الفريسة وحصار تام + إصرار ومتابعة متواصلة, وساعدته الظروف أن تكون الفريسة واقعة تحت شدة (كربة) نفسية! وبذلك خدمته طبيعة شخصيته والظروف المناسبة ليتمكن من تحقيق غاية، اجتهد العلماء والمفكرون والباحثون والخبراء في دراستها وبحثها بالأساليب العلمية والتجريبية على مدى نصف قرن!

إن  تنظيم داعش والقاعدة، يركزا على موضوع الاطفال بين سن 13 ـ 17 لعدة اعتبارات، ابرزها سهولة اخضاع الاطفال في هذه الفئة العمرية الى غسيل الدماغ، واعداد كبيرة من هؤلاؤء الاطفال من فقدوا ذويهم خلال الحرب والدمار ومايزيد الامر تعقيدا، هو عدم وجود مراقبة. ويستهدف تنظيم داعش الاطفال، لانهم يكسبوا تعاطف عامة الناس ولايثيروا الشكوك خلال تحركاتهم وتنقلاتهم في المجتمع. وان اغلب هؤلاء الاطفال يستخدمهم داعش في مهمات، نقل وزرع العبوات الناسفة، نقاط رصد ومراقبة ونقل المعلومات بالآضافة الى تنفيذ العمليات الانتحارية.

الدكتور العميد سعد معن

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات