محاربة التطرف

المرابطون .. تنظيم يستهدف تماسك المجتمع المصرى من خلال عولمة الجهاد

‘المرابطون’.. تنظيم مصري ليبي يستهدف الأقباط ويهدد المجتمع

العرب اللندنية ـ 2 يونيو 2017 ـ استهداف المصريين الأقباط من قبل التنظيمات الإرهابية، فضلا عن كونه شكلا متطرفا من إقصاء الآخر المختلف، يعد أيضا تهديدا لتماسك المجتمع المصري وتنوعه، وهو كذلك استدعاء أو تحفيز لاستتباعات خطيرة على القطر المصري من قبيل توفير مقومات الأفكار الانفصالية أو مبررات التدخل الخارجي. وسط كل ما يحيط بالاعتداءات الإرهابية الموجهة ضد الأقباط يبرز تنظيم آل على نفسه أن يتخصص في هذا الدور التخريبي من خلال سعيه إلى توجيه “رسالة موقعة بالدم لأمة الصليب”، حسب ما أفصح عنه إصدار لخص مسعاه ورسالته.

أكدت العمليات الإرهابية المتعاقبة ضد الأقباط أن هناك حربا ممنهجة، خطط أصحابها لأن تستمر بوتيرة منتظمة، على أن يكون مسيحيو مصر عنوانها الرئيسي، وكان لافتا حرص المخططين والمنفذين على إظهار حجم المعاناة والمحنة التي يحياها الأقباط كونهم ملاحقين ومطاردين بامتداد الجغرافيا المصرية، وهو ما كشفه التوزيع الجغرافي للعمليات التي نفذت ضد الأقباط على مدار السنوات الست الماضية، من سيناء مرورا بالقاهرة ومحافظات الدلتا والوادي وانتهاء بمحافظات الصعيد، حيث الحضور العددي الأكبر للأقباط، تأكيدا على أن الرسالة المطلوب توصيلها “أن لا أمان للمسيحيين في عموم مصر”.

أعاد البعض من الخبراء التنبيه إلى ما يوصف بالمخطط التقسيمي للمنطقة العربية الذي ظلت مصر بمنأى عنه نتيجة لخصوصية مجتمعها والتلاحم التاريخي بين مكوناته، ومع ذلك لم تستسلم القوى المستفيدة من تفكيك هذه الوحدة على مدى سنوات، وحرصت على استمرار العمليات ضد الأقباط وكنائسهم، بهدف الوصول بهم إلى حد اليأس من إمكانية البقاء في أمان، وإعادة البريق لفكرة المطالبة بتكوين دولة مسيحية جنوب غرب مصر.

ويتأسس المخطط التقسيمي القديم على سيناريوهات مشابهة تحققت بعض وجوهها في السودان وسوريا والعراق وليبيا واليمن، من خلال خلق واقع فوضوي تفشل معه مؤسسات الدولة في وقف عمليات استهداف المسيحيين، ما يبرر لقوى غربية التدخل تحت ذريعة حمايتهم.

وفي هذا السياق قال عمرو الشوبكي الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، إن تطور عمل التنظيمات الإرهابية ضد الأقباط يعكس إستراتيجية موحدة لمختلف الجماعات حتى قبل ما سُمي بعولمة الجهاد وانتقال تلك التنظيمات لمرحلة الحرب بالوكالة وارتباط بعضها بأجهزة استخبارات دولية وإقليمية.

وأوضح الشوبكي لـ“العرب” أن ما يجري حاليا مختلف عن ذي قبل عندما كان التعامل مع الأقباط من قبل تلك الجماعات يتم باعتبارهم مخالفين في العقيدة وليست لهم حقوق المواطنة الكاملة، ضمن عمليات لم تتجاوز مستوى الحقد الطائفي وشرعنة التحصل على أموالهم ومجوهراتهم بغرض توفير مصادر تمويل.

وشدد على أن العكس يجري حاليا، بحيث يتم تمويل داعش والقاعدة من خلال عمليات معقدة من خارج القطر هدفها العبث بالوحدة المجتمعية وخلق صراعات بصبغة طائفية تمهد على المدى البعيد لإحداث الفراغ المأمول لتلك القوى، بما يمنحها القدرة على استحداث واقع ديموغرافي مختلف على الأرض.

وربط خبراء في شؤون التنظيمات المسلحة بين واقعة ذبح أقباط في ليبيا على يد تنظيم داعش في فبراير عام 2015 والعملية الأخيرة بمحافظة المنيا، والتي راح ضحيتها 28 قبطيا بينهم نساء وأطفال وأصيب آخرون.

وأكد أن التنظيم الذي يقف وراء تلك العمليات واحد، وأفصح عن أهدافه وملامح منهجه الذي يجمع بين أفكار تنظيمي داعش والقاعدة من خلال فيديو قصير مدته خمس دقائق بعنوان “رسالة موقعة بالدم لأمة الصليب”.

بداية تأسيس التنظيم كانت داخل مصر وتحديدا في سيناء عندما أعلن عن تحالفه مع التنظيم الإرهابي الرئيسي هناك “أنصار بيت المقدس”، وتردد اسم الضابط السابق هشام عشماوي- المتورط في عدة عمليات نوعية على رأسها محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم واغتيال النائب العام السابق هشام بركات- كقائد له، وكان شكل مجموعة من المقربين منه ممن التقى بهم خلال اعتصام جماعة الإخوان في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، منتقلا بهم بعد فض الاعتصام في 14 أغسطس 2013 إلى سيناء ومنها إلى ليبيا متخذا اسم “المرابطون”.

ويقوم التنظيم على إعداد الانتحاريين والمهاجمين المحترفين والعمل على تهريبهم إلى الداخل المصري للقيام بعمليات نوعية كبيرة ضد مؤسسات ورموز الدولة وضد الأقباط، ويكون لها الصدى الواسع وتحقق النتائج المرجوة، لذلك عمد هشام عشماوي إلى استنساخ فكرة أنفاق غزة بمسعى حفر أنفاق بمنطقة الواحات غرب مصر عام 2015، وهو ما أفشلته الأجهزة المصرية.

ولفت البعض من خبراء الأمن إلى تشابك تنظيمي بين حادث المنيا وما تبعه من قصف لمواقع تدريب وتسليح التنظيم ومعسكراته بمدينة درنة الليبية، وما وقع الأربعاء من تفجير لسيارة مفخخة تركتها عناصر إرهابية أثناء مطاردة قوات حرس الحدود لهم بصحراء الباويطي بالواحات البحرية (غرب مصر)، مما أدى إلى مقتل ثلاثة ضباط ومجند.

وكشفت مصادر أمنية لـ“العرب” عن الرابط بين نوعية الأسلحة المضبوطة أثناء محاولات تهريبها عبر الحدود الغربية والكثير من العمليات الإرهابية النوعية التي تمت خلال السنوات الماضية، والمفترض أن تكون بعض محاولات التهريب والتسلل وحفر الأنفاق نجحت بالنظر إلى امتداد الحدود مع ليبيا إلى نحو ألف وخمسين كيلومتر من الشمال عند البحر المتوسط إلى الجنوب حيث الحدود مع السودان.

ومن تلك العمليات هجوم كمين النقب الحدودي، وهجوم كمين وادي الفرافرة الحدودي الذي أدى إلى مقتل 25 من جنود قوات حرس الحدود في يوليو 2014، وبعدها في نوفمبر من نفس العام وقع هجوم نوعي على لنش صواريخ تابع للبحرية المصرية بواسطة أسلحة نوعية وصواريخ محمولة على الكتف ونفذها نحو 65 إرهابيا، ثم عمليات الأعوام الثلاثة الماضية التي تنوعت بين استهداف الكنائس والتمركزات الأمنية واغتيال الشخصيات العامة.

وأوضحت المصادر لـ“العرب” أن الأسلحة والمتفجرات المستخدمة في غالبية تلك العمليات النوعية مماثلة لتلك التي تم ضبطها على الحدود الغربية، منها الجرينوف والأسلحة الثقيلة والألغام ومواد تصنيع المتفجرات، والبعض منها نجح التنظيم الإرهابي في تهريبه عبر مدقات في الصحراء الغربية لمصر وعبر بعض الأنفاق التي نجح في حفرها، وهي التي مكنته من إدخال بعض سيارات الدفع الرباعي إلى داخل الأراضي المصرية.

وشدد نبيل نعيم القيادي الجهادي السابق على استحالة فرضية أن يقوم بتلك العمليات أعضاء عاديون بجماعات محلية، مؤكدا وقوف أجهزة مخابرات دولية وإقليمية خلفهم، وهذا ما يفسر القدرات النوعية التي أظهرتها تلك التنظيمات، سواء في عملياتها في سيناء أو القاهرة أو عمليات الصعيد والوادي الجديد والواحات. وقال نعيم إن توصيف ما يجري لا يخرج عن كونه “حربا ممنهجة بأذرع مختلفة تنتمي إلى تنظيمات تكفيرية وجهادية وإخوانية من خلال ممول ووكيل واحد يسعى لإشاعة الفوضى في مصر وصولا لتمزيقها مجتمعيا وتفكيكها مؤسساتيا”.

ويؤشر الشريط المصور الذي أصدره قائد التنظيم هشام عشماوي قبل انتقاله إلى ليبيا على تنافس مصري-عراقي مرتبط بسباق صدارة قيادة الجهاد وتحديد مركز ومقر دولة الخلافة، أكثر من كونه انشقاقا أو انقساما قاده مرتبطون بالقاعدة في مواجهة داعش، لذلك حرص عشماوي على تنقية تنظيمه من المقاتلين الأجانب واقتصاره على الأعضاء المصريين.

ويتشكل التنظيم من مختلف أطياف الإسلام السياسي والجهادي المصري وأبرز المنتمين له ينحدرون من فصائل “حازمون” و“الجبهة السلفية” و“القاعدة” ومنشقون عن تنظيم “ولاية سيناء”، علاوة على أعضاء من جماعة الإخوان، وجميعهم يعتنقون الأفكار الجهادية القطبية، ومرجعهم الفكري يتمثل في أدبيات المنظر الجهادي المصري رفاعي سرور التي أعاد صياغتها بإسقاطات على الحالة المصرية المعاصرة نجلاه عمر ويحيى وأحدهما يتولى مسؤولية الإفتاء في مجلس شورى مجاهدي درنة، وهما بالإضافة إلى صلاح عبدالرحمن ومبارك سالم وعماد عبدالحميد من أهم معاوني هشام عشماوي.

والفكرة الأساسية التي ينطلق منها مشروعهم هي العمل على زحزحة الفوضى بليبيا في الاتجاه المصري والتقليل من أدوار تنظيم داعش المبايع للخليفة المزعوم أبوبكر البغدادي بتقليص حضور تنظيم أنصار الشريعة الموالي له، والعمل على تعزيز حضور كيان جهادي بديل يمتلك الجغرافيا المصرية والليبية، ومنها يتمدد نحو الشمال الأفريقي.

ويتركز نشاطه في مصر بمحافظة الوادي الجديد التي تشترك في الحدود الدولية مع ليبيا غربا والسودان جنوبا، وفي ليبيا بمدينتي مصراتة ودرنة بعدما اضطر داعش لقصر نشاطه على مدينة سرت، وفي الوقت الذي يعرض قادة داعش وقادة في الجماعة الليبية المقاتلة على باقي التنظيمات فكرة تجاوز الخلافات والاندماج لمواجهة التحديات والمخاطر المشتركة، يسعى هشام عشماوي ومن معه للتهرب من التزام كهذا بمحاولات استمداد القوة من الضرب بالداخل المصري.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق