دراسات

المبادئه ومقوماتها في معارك الانبارـ بقلم ـ هشام العلي

mideast us iraq 5 630x426بقلم ـ هشام العلي، باحث في شؤون الدفاع والتسلح

ألمركز ألاوربي العربي لدراسات مكافحة ارهاب والاستخبار

ذكرنا في دراسة سابقة ان القوات المشتركة وفي جبهة الانبار تحديدا استطاعت الانتقال الى اعلى مستويات الدفاع في المفاهيم العسكرية الحديثه , حيث اصبحت تمارس عمليات الدفاع المرن مستفيدة من التعزيزات الكبيرة المرسلة من قبل بغداد مع دخول الحشد الشعبي الى جبهة الحرب والذي يتمتع افراده بعناصر سيكولوجية تجعلهم يتفوقون على افراد الجيش من ناحية الجرأة العامه , وهي خاصية لها اثرها الحاسم في الحرب الدائرة .. لكن تبقى عناصر المبادئه التي تحتاجها القوات المشتركة غير مكتملة على الرغم من انها اصبحت قريبة من متناول اليد , ولتوضيح ذلك يجب اولا ان نعرف ان المبادئه ليست عنصرا ثابتا في المفاهيم العسكرية بقدر ما هي صراع تتحكم فيه متغيرات المعارك ومفاجئاتها , وعلى من يريد كسب المعركة ان يعمل على انتزاع المبادئه والحفاظ عليها دائما .. كما لا يمكننا التحدث عن كسب الصراع لانتزاع المبادئه في حرب الانبار من دون توضيح اساليب الارتقاء بمستويات الدفاع وتحسينها تزامنا مع عمليات التعرض على مدينتي الفلوجه والرمادي واللاتي يمثلن الاختبار الصعب للقوات المشتركة حيث سيمثل اي فشل في اجتياحهما انتكاسة حقيقية تترجم عجز بغداد عن تحرير كافة المناطق المحتلة بما فيها مدينة الموصل , ومن ثم افلاسها امام متغيرات ومستجدات واضطرابات المنطقة الملتهبة .. نعود الى موضوع الانتقال من الدفاع الى عمليات التعرض ضد المدن والذي يتطلب بالاساس عدة نقاط ليتم بعدها انتزاع المبادئه ومن ثم اجتياح المدن باقل الخسائر ..

ونود ان نوضح ذلك على شكل نقاط للتبسيط : ..

1 ـ قلنا سابقا ان معارك اقتحام المدن هي من اعقد المعارك لما تخلفه من دمار هائل ولمردوداتها السلبية على السكان والذين يستخدمهم المسلحون كدروع بشرية , هذه المشكلة تحاول الجيوش المعاصرة تلافيها كما حدث في حرب احتلال العراق عام 2003م حيث تم سحق القوات المدافعه في المناطق المفتوحه ليتم احتلال المدن دون قتال يذكر , وهنا يجب التذكير بالمبدأ العسكري القائل ( ان اخضاع  العدو دون قتال هو ذروة البراعه ) واذا كان هذا المبدأ مستحيل التحقيق في معارك المدن الدائرة فمن الممكن ان تقوم القوات المشتركة بفعاليات مدروسة جيدا لسحق المسلحين خارج المدن ( بشريا واليا ونفسيا ) من اجل تحقيق نسبة معينة من هذا المبدأ , حيث من الممكن ان يتم كسب حرب المدن قبل اطلاق الرصاصه الاولى لكون مصيرها قد تحدد مسبقا على جبهة الحرب النفسية والمادية.

2 ـ قد يستغرب البعض من كون المسلحين لا زالوا يشنون الهجمات ضد القوات المشتركة في جبهة الانبار على الرغم من ان الاجدر بهم ان يتحصنوا في المدن ويحكموا دفاعاتهم لصد الهجوم المرتقب على المدينتين المذكورتين , وهنا يجب التذكير بان المسلحين يستخدمون عنصر ( الهجوم الاجهاضي ) والذي يمكن تعريفه بانه الهجوم الذي يتم شنه على القوات المتهيئة للتعرض وذلك لتكبيدها خسائر تؤدي الى افشال نواياها التعرضية وارباك خططها ما يضطرها الى تاجيل الهجوم المرتقب , يستهدف الهجوم الاجهاضي دائما مراكز التحشد في العمق وعقد المواصلات ( كالجسور مثلا ) ومراكز القيادة والسيطرة والاحتياط .. حينما ننظر الى الهجمات الاجهاضية التي يشنها المسلحون نرى انها لا ترتقي الى الحجم الذي يمكن تحقيق الغاية الاساسية منها (ارباك الخطط وتاجيل الهجوم ) والسبب هو انتقال القوات المشتركة الى مبدأ الدفاع السيار كما نوهنا في مقالة سابقة .. وبالمقابل نجد ان بامكان القيادات العسكرية ان توظف تلك الهجمات الاجهاضية التي يشنها المسلحون في صالحها وذلك من خلال خطة مخادعة مدروسه جيدا يتم من خلالها ايهام المسلحين حول موانع وعمق الدفاعات الرئيسية وموقع وحجم القوة المتهيئة للهجوم , يضاف الى ذلك استخدام الاهداف الكاذبه مثل المواضع والاسلحة واكداس العتاد وهياكل الدروع والاليات الوهمية , مع خطة مخادعة الكترونية وفي مجال الاتصالات ما يؤدي الى تشتيت نيران المسلحين وزخم هجماتهم الاجهاضية وعدم تمكنهم من استهداف القوة الحقيقية للقوات المدافعه والمستعدة للتعرض .. اذا كتب للقوات المشتركة نجاحا حقيقيا في استخدام خطة المخادعة المنوه عنها فسوف يؤدي الى نجاحها في استخدام استراتيجية ( فرض الفشل ) والتي تتمثل في جر المسلحين الى معارك فاشلة تؤدي الى شعورهم بالاحباط كما تؤدي بالمقابل الى اعادة الثقة لعناصر الجيش واشعارهم بالتفوق وهو ما تحتاجه القوات المشتركة حاليا .

3 ـ كانت الفترة السابقة كافية لاسترخاء المسلحين في مدينتي الفلوجه والرمادي حيث لم يتم شن اي عمل جاد لاستعادة المدينتين , من المعروف ان منح مسلحي العصابات فترة استرخاء يؤدي دائما الى ظهور مشاكل ادارية ومادية ونفسية بسبب انعدام امكانياتهم في السيطرة وادارة المجتمعات في المدن واحتواء جميع جوانب ومتطلبات الحياة , ما يؤدي الى حدوث شرخ نفسي بينهم وبين السكان من ناحيه وفيما بينهم من ناحية اخرى .. بالمقابل كانت القيادات السياسية والعسكرية في بغداد وعلى كافة المستويات تتحدث ومنذ اكثر من عام عن ان عمليات تحرير تلك المدن هي على وشك الانطلاق وهي اخبار كانت وهمية لكن وعلى الرغم من كونها تدل على قصر النظر وسذاجة من كانوا يطلقونها الا انها ساعدت كثيرا في تحقيق استراتيجية ( الاسترخاء والترقب ) والتي اقترحناها منذ اكثر من عام حيث يتم ايهام المسلحين بان الهجوم ضدهم اوشك على البدئ ومن ثم يتم تكذيب ذلك الخبر بعد اجتياز ساعة الصفر المرتقبة .. ان تكرار ذلك لعدة مرات وفي فترات متفاوتة ولمدة تتجاوز العام يؤدي بالتالي الى تراخي المسلحين واهمالهم للتحصينات والدفاعات مع ما له من جوانب نفسية تؤدي الى الاحباط ما يسهل عمليات تحرير المدن التي يتحصن فيها المسلحون المنوه عنهم , وقد استخدمت بغداد هذه الاستراتيجية منذ اكثر من عام وحتى الان من خلال تصريحات مسؤوليها السياسيون والعسكريون بصورة عفوية ومن غير ان تعلم بما فيها من فائدة لتغيير مجرى الحرب النفسية وكان ذلك من حسن حظ بغداد .

4 ـ ان ترافق استراتيجية ( فرض الفشل ) مع استراتيجية ( الاسترخاء والترقب ) ونجاح بغداد في تطبيقهما ادى وسوف يؤدي الى تغيير مجرى الحرب النفسية وهي من اهم المقومات التي تحتاجها القوات المشتركة لانتزاع المبادئه موضوع البحث .

5 ـ في هذه اللحظات ومع تقدم القوات نحو مدينتي الرمادي والفلوجه تحتاج القوات المشتركة الى ادارة حرب الانهاك ( War of exhaustion ) حيث يتم جر المسلحين الى هجمات اجهاضية فاشله كما نوهنا اعلاه اضافة الى التعرض من خلال مبدأ الحرب المحيطيه (Peripheral War ) حيث يتم التدرج في احتلال ضواحي المدن واطرافها بالتدريج ومن عدة محاور لكن على ان يتم ذلك خلال مراحل بطيئة تتخللها توقفات يراعى فيها جانب الاسناد ضد الهجمات المقابلة التي يشنها المسلحون لاستعادة تلك المواقع , ومن خلال ملاحظتنا ليسر المعارك في الرمادي وجدنا ان القوات لا تزال تحقق نجاحا لا باس به في هذا المجال .

6 ـ تبقى هناك مشكلة تواجه القيادات المكلفة بتحرير مدينتي الرمادي والفلوجه تتمثل في ضعف التنسيف بين فصائل الحشد والقيادات العسكرية ما يؤدي دائما الى عرقلة النجاح في حشد القوة في الاتجاه الصحيح مع ضعف التنظيم الذي يؤدي حتما الى الوهن في خطة المخادعة وعدم القدرة على استثمار الفوز لاجراء عمليات المطارده وهي مشكلة تحتاج الى تدخل القيادات الفقهية والسياسية والعسكرية في محاولة تحجيمها .

باختصار يمكننا القول بان معارك الانبار تسير وفق الاتجاه الصحيح واذا تم مراعاة النقاط اعلاه فمن الممكن جدا ان تكسب القوات المشتركه صراعها لانتزاع المبادئه بعد كسب الحرب النفسية كما نود ان ننوه بان مدينة الرمادي تعتبر الارض الحيوية في دفاعات الانبار وفق المفاهيم العسكرية الحديثة ولاسباب كثيرة سوف نعزف عن ذكرها تجنبا للاطاله .

اخيرا نقول ان البطئ في تقدم القوات في تحرير الرمادي هو مسألة طبيعية جدا وسوف تؤدي بالتالي الى انهيار المسلحين لكننا نتسائل هل وضعت بغداد خطة لما بعد تحرير الرمادي ام انها سوف تكتفي باجتياح المدينة ووضع دفاعات هشة لحمايتها مايؤدي الى انتزاع المبادئه من قبل المسلحين مرة اخرى ؟….

اترك الاجابة للمعنيين

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى