خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
اللجوء والهجرة في أوروبا ـ الانقسام يتعمق وسط سباق لإغلاق الحدود
أعادت ست دول مجاورة لألمانيا فرض الرقابة على حدودها، وبدءًا من اليوم السابع من شهر يوليو 2025 تنضم بولندا إلى هذا التوجه، لتصبح الدولة السابعة التي تفعل ذلك. هذه العودة إلى الرقابة الحدودية لا تتعلق بأمن فعلي، بقدر ما تعكس سياسات رمزية أحادية ـ سواء من بولندا أو ألمانيا.
فرض وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبرينت (من حزب CSU)،منذ مطلع مايو2025 رقابة حدودية مشددة. يدّعي أن هذه الإجراءات ناجحة، لكن الواقع يقول غير ذلك. فهي السبب المباشر وراء قرار حكومة دونالد توسك في بولندا بفرض رقابة مماثلة على حدودها مع ألمانيا. هذه التطورات لا تعني فقط ازدحامًا على المعابر، بل تعني أيضًا انتهاكًا للقانون الأوروبي وتقويضًا لحقوق طالبي اللجوء.وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، انخفض عدد طلبات اللجوء في النصف الأول من العام الجاري إلى 61,336 مقارنة بـ121,426 في نفس الفترة من العام الماضي. دوبرينت ينسب هذا الانخفاض إلى الرقابة الحدودية المشددة التي بدأ تطبيقها منذ 8 مايو 2025، والتي تسمح حتى برفض دخول طالبي اللجوء.
إلا أن الواقع لا يدعم هذا الادعاء، إذ تشير الأرقام إلى أنه تم ترحيل 285 شخصًا فقط حتى الأول من يوليو2025 بموجب هذه السياسة. والأسوأ أن محكمة إدارية في برلين قضت في يونيو 2025، في حكم له دلالات واسعة، بأن ترحيل ثلاثة صوماليين كان غير قانوني. لكن دوبرينت تجاهل الحكم مدعيًا أنه “حالة فردية”، رغم أن خبراء القانون يعتبرون أن هذا الحكم قد يشكل سابقة قانونية.
الأسباب الحقيقية لتراجع اللجوء
الانخفاض في أعداد اللاجئين لا يعود أساسًا لسياسات ألمانيا، بل لعدة عوامل خارجية:
- بعد سقوط نظام بشار الأسد، تراجع عدد اللاجئين القادمين من سوريا.
- الرقابة الحدودية الصارمة على طريق البلقان الغربي بدأت تؤتي أُكلها.
- اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع دول شمال إفريقيا، خاصة تونس، ساهمت في صد اللاجئين باستخدام وسائل عنيفة وغير إنسانية في كثير من الأحيان.
هذا يجعل من دوبرينت “محظوظًا سياسيًا”، إذ جاءت سياساته الرمزية في وقت تشهد فيه أوروبا تحولًا متسارعًا إلى “جزيرة مغلقة” يصعب الوصول إليها.
الشعوبية في قلب السياسات
وعدت الأحزاب المحافظة في ألمانيا بـ”تحول جذري” في سياسة اللجوء في سياق الحملات الانتخابية، تحت ضغط حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، متبنية خطابًا يهدف إلى جذب أصوات اليمين المتطرف. وبرغم أن اتفاق الائتلاف الحكومي ألزم الحزب بالتنسيق مع الدول المجاورة بشأن سياسات الحدود، يزعم دوبرينت أنه يحظى بتأييد جيرانه – وهو ادعاء دحضه الواقع.
رد فعل بولندا، التي شهدت انتخاب رئيس محافظ يميني هو كارول نافروتسكي، كان واضحًا: لا تأييد، بل تصعيد. نافروتسكي استغل القضية في حملته ودعا إلى فرض رقابة على الحدود مع ألمانيا، بل وعبّر عن دعمه لميليشيات متطرفة تقوم بدوريات على الحدود. ما كان من رئيس الوزراء دونالد توسك إلا أن رضخ، فأمر بفرض الرقابة الحدودية حتى 5 أغسطس 2025، واستخدم رمزيًا الجنود والطائرات المسيّرة.
ارتدادات السياسة الألمانية
السياسة البولندية ليست موجهة ضد اللاجئين بقدر ما هي رد فعل على عمليات الإرجاع التي تنفذها ألمانيا. ما ينتج عن ذلك ليس فقط زحامًا وخنقًا لحركة السياحة والعمالة، بل أيضًا إذلالًا لطالبي اللجوء.
حادثة مؤلمة وقعت مؤخرًا في مدينة غوبن (Brandenburg)، حيث تم رفض دخول شاب أفغاني يبلغ من العمر 18 عامًا، وأعيد إلى بولندا، ليتم توقيفه من قبل أفراد من مجموعة مسلحة وإجباره على العودة إلى ألمانيا. وعندما حاول مجددًا، رفضت الشرطة البولندية التدخل ضد هذه الجماعة المسلحة. في النهاية، تم نقله إلى معبر آخر حيث لم تكن هناك حواجز بشرية، ليُستكمل إجراء العودة.
خطة دومينو: العزلة لا الأمن
السياسة الألمانية تهدف في حقيقتها إلى خلق “تأثير الدومينو” ـ بحيث تغلق كل دولة حدودها مع الدولة التي تأتي منها تدفقات اللاجئين. لكن النتيجة، كما يرى كثير من المراقبين، هي أن الضغط يعود في نهاية السلسلة إلى دول الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومنها بولندا.
الغضب البولندي قابل للفهم، خاصة وأن البلاد تعاني من ضغوط مزدوجة. على الجبهة الشرقية، يتعرض الحدود لهجوم غير تقليدي من قبل بيلاروسيا ـ حيث يقوم نظام لوكاشينكو، الحليف لموسكو، منذ أربع سنوات، بنقل لاجئين عمدًا إلى الحدود البولندية كجزء من حرب هجينة تشنها روسيا على أوروبا. والرد البولندي كان عنيفًا للغاية: ضرب، كلاب بوليسية، ورفض عشوائي لطلبات اللجوء، حسب ما أفادت به منظمة “أطباء بلا حدود”.
الانقسام الأوروبي يتعمق
ما لم يتم إصلاح النظام الأوروبي المشترك للجوء بشكل فعّال ـ بحيث يتم فحص طلبات اللجوء عند الحدود الخارجية وتوزيع اللاجئين المؤهلين بشكل عادل على الدول الأعضاء – فإن سياسة العزلة ستؤدي إلى مزيد من التوحش والانقسام داخل أوروبا. الأمل معقود على “نظام اللجوء الأوروبي المشترك” (GEAS) المقرر بدء العمل به في منتصف عام 2026. لكن دولًا مثل هولندا والمجر تطالب بإعفاءات، وبولندا تعلن معارضتها. لذا، بدلاً من الانشغال بسياسات رمزية تفرق الأوروبيين، على ألمانيا أن تركز جهودها لإنجاح نظام GEA وستكون هناك فرصة لذلك قريبًا: في منتصف يوليو، يستضيف وزير الداخلية الألماني “قمة الهجرة” على قمة تسوغشبيتسه ـ بُعد رمزي في أعلى نقطة جغرافية في البلاد، ولكن الأمل أن تصل القرارات إلى أدنى نقاط المعاناة على الحدود.
استراتيجية المفوضية الأوروبية لتطبيق قواعد الهجرة واللجوء
نشرت المفوضية الأوروبية خطة استراتيجية تتكون من (10) أجزاء في 12 يونيو 2024، لتطبيق قواعد الهجرة واللجوء الجديدة. تساعد الاستراتيجية الدول الأعضاء على تطبيق القواعد خلال العام 2026. يخضع لعمليات الفحص على الحدود مقدمو طلب اللجوء القادمين من دول بها معدل اعتراف باللجوء من الاتحاد الأوروبي أقل من (20%)، وكذلك الدول التي يتم اعتبار أنها تشكل خطراً على الأمن العام. يسجل الوافدين إلى دول الاتحاد ببصمات الأصابع والصور من أجل الفحص واكتشاف من يشكلون تهديدات للأمن العام.
اعتمدت المفوضية الأوروبية نظام لتكنولوجيا المعلومات يسمى “يوروداك”، لتخزين ومعالجة بيانات الأشخاص الذين يطلبون اللجوء لمراقبة المتقدمين بشكل أفضل. فضلا عن توسيع دور منسق العودة في الاتحاد الأوروبي، وهو منصب استحدثته المفوضية عام 2022، ليلعب دوراً في تحويل إجراءات الترحيل في التكتل إلى إجراءات مركزية وذلك لضمان فعالية الإجراءات. تريد (15) دولة من دول الاتحاد الأوروبي الذهاب إلى ماهو أبعد من اتفاقية الهجرة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي خلال العام 2024 والتي تتمحور حول تشديد الرقابة على الهجرة في أوروبا. وتدعو هذه الدول المفوضية الأوروبية إلى “تحديد وتطوير واقتراح وسائل وحلول جديدة لمنع الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا”.
تقليل المزايا التي يحصل عليها “لاجئو دبلن”
تنص لائحة دبلن على أن مسؤولية معالجة إجراءات اللجوء لشخص ما موجود في دولة من دول الاتحاد الأوروبي تنتقل إلى دولة أخرى داخل التكتل إذا كان هذا الشخص تقدم بطلب لجوء في هذه الدولة الأخرى أو دخل أراضيها أولا، على أن يتم الترحيل إلى تلك الدولة خلال (6) أشهر مع إمكانية تمديد المهلة فقط في حالات استثنائية. وفي حال لم يتم التمكن من ترحيل طالب اللجوء إلى الدولة الأخرى المسؤولة وفقا لاتفاقية دبلن، فإنه يصبح تحت اختصاص الدولة الموجود بها ومن ثم يمكنه التقدم بطلب لجوء فيها. وضمن ما أطلق عليه “الحزمة الأمنية” التي قدمها الائتلاف الحاكم في ألمانيا، يريد الائتلاف تقليل المزايا التي يحصل عليها “لاجئو دبلن” إلى الصفر في كثير من الحالات نتيجة للهجوم في “زولينغين”.
إجراء إصلاحات على بنود قانون حدود “شنغن”
بدأت المفوضية الأوروبية في الأول من مايو 2024 بإجراء إصلاحات على بنود قانون حدود شنغن (SBC) بسبب ما وصفته بالتحديات والتهديدات الإرهابية التي طرأت في السنوات الأخيرة والتي كان يجب التعامل معها. عندما تمت صياغة اتفاقية شنغن عام 2006، لم تتوقع الدول الأوروبية أنها ستحتاج إلى بنود قانونية للسيطرة على الحدود الداخلية لوقف الهجرة غير النظامية وتسلل المتطرفين من خلالها . البنود الجديدة ضمن القانون مصممة بصيغة كفيلة بمنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور الحدود من خلال السماح للشرطة للقيام بعمليات تفتيش، وأيضا تطبيق بنود اتفاقيات تسمح بإعادة المهاجر غير القانوني الذي يتم القبض عليه من على الحدود، حيث سيكون تطبيق هذه القواعد والقوانين في يد السلطات الوطنية.
فرونتكس تستجيب لطلبات أعضاء الاتحاد لتعزيز حماية الحدود
خصصت وكالة “فرونتكس” نحو (400) مليون يورو لشراء طائرات بدون طيار وغيرها من تقنيات المراقبة المتطورة في 22 أغسطس 2024 وشملت هذه دعوة للحصول على طائرات بدون طيار والخدمات المرتبطة بها للمراقبة البحرية بقيمة (184) مليون يورو، ودعوة للحصول على معدات مراقبة بما في ذلك نظارات للرؤية الليلية بقيمة (19) مليون يورو، ودعوة لخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بقيمة (186.5) مليون يورو، بالإضافة إلى مشروع تجريبي بقيمة (3) ملايين يورو للطائرات بدون طيار على الحدود البرية للعمليات المشتركة مع بلغاريا. وذلك استجابة لطلبات أعضاء الاتحاد الأوروبي المتعلقة بتعزيز حماية الحدود .
تعهدت مفوضة الشؤون الداخلية “إيلفا جوهانسون “بتشديد نظام التأشيرات في الاتحاد الأوروبي، وفتح باب استقبال مناقصات بقيمة (150) مليون يورو لمقترحات بشأن “قدرة مراقبة الحدود” في الاتحاد الأوروبي. كما وقعت صربيا ووكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس” اتفاقاً لتعزيز إدارة الحدود والحد من المهاجرين غير النظاميين في 26 يونيو 2024. يهدف الاتفاق إلى تعزيز “التعاون العملياتي” بين الاتحاد الأوروبي والدولة الواقعة على طريق البلقان، والتي تشكل منذ فترة طويلة نقطة عبور للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى الاتحاد الأوروبي. كذلك شن عمليات مشتركة ونشر ضباط من حرس الحدود وحرس السواحل الأوروبية على أراضي صربيا، بما في ذلك على حدودها مع الدول المجاورة من خارج الاتحاد الأوروبي
