الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ هل انتهى فضاء “شنغن”؟ ملف

germany-immigration
يوليو 26, 2025

بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

ملف اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ هل انتهى فضاء “شنغن”؟

يمكن تصفح الملف بنسخة pdf .. ملف اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ هل انتهى فضاء شنغن؟

1 ـ اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ الترحيل القسري إلى أفغانستان

شهدت ألمانيا موجات متصاعدة من الهجرة واللجوء منذ عام 2014، ما ألقى بظلاله الثقيلة على النظام الأوروبي الموحد للحدود المعروف بفضاء “شنغن”. هذا الفضاء الذي كان رمزًا للتكامل الأوروبي وحرية التنقل داخل الاتحاد، واجه تحديات غير مسبوقة جراء الأزمات الإنسانية والسياسية والاقتصادية المتلاحقة. فقد عمدت عدة دول أوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى إعادة فرض القيود على حدودها الداخلية، ما أثار تساؤلات جدية حول مستقبل شنغن كآلية حرة وعابرة للحدود.

يأتي هذا الملف ليقدم قراءة معمقة وشاملة لأزمة اللجوء والهجرة في ألمانيا، مستعرضًا أسبابها، تداعياتها على النظام الأوروبي، وردود الفعل السياسية والقانونية المتعلقة بحدود فضاء شنغن. كما يبحث الملف في مدى تأثير هذه التطورات على فكرة الاتحاد الأوروبي، ومدى قدرة الدول الأعضاء على التوفيق بين سيادتها الوطنية ومتطلبات التضامن الأوروبي. في ضوء ذلك، يطرح الملف تساؤلًا جوهريًا: هل فعلاً انتهى زمن شنغن كما عرفناه، أم أن أوروبا بصدد إعادة ترتيب قواعد هذا الفضاء في مواجهة واقع جديد؟ الهجرة واللجوء ـ إلى أين تتجه سياسات الاتحاد الأوروبي؟

لأول مرة منذ قرابة عام، تم ترحيل مجرمين أفغان مرة أخرى من ألمانيا. وقد أقلعت الآن طائرة جديدة متجهة إلى أفغانستان .قامت ألمانيا للمرة الثانية، منذ استيلاء طالبان على السلطة في أغسطس 2021، بترحيل مواطنين أفغان إلى وطنهم. وكما أكدت متحدثة باسم وزارة الداخلية الاتحادية التي يترأسها ألكسندر دوبريندت (من الاتحاد المسيحي الاجتماعي CSU)، فقد أقلعت صباح يوم  18 يوليو 2025 طائرة من مطار لايبزيغ وعلى متنها 81 شخصًا لإعادتهم إلى بلدهم الأصلي. وهذه أول رحلة ترحيل منذ تشكيل الحكومة الجديدة في ألمانيا وتولي دوبريندت وزارة الداخلية.وتم نقل الركاب إلى الطائرة بواسطة عدة حافلات. وبدأ أول من صعدوا إلى الطائرة في حوالي الساعة وكان أحدهم يرتدي سوارًا إلكترونيًا في القدم.

وكان وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت قد صرح في وقت سابق بأنه يرغب في إجراء محادثات مع طالبان بشأن عمليات الترحيل. وتتم الرحلة في نفس اليوم الذي يلتقي فيه دوبريندت بعدد من ممثلي الدول الأوروبية المجاورة على قمة تسوغشبيتسه، حيث ستُجرى مناقشات حول تشديد إضافي لقواعد اللجوء الأوروبية.في أعقاب الهجمات العنيفة التي وقعت في مانهايم وزولينغن، أعلنت الحكومة  الألمانية الصيف الماضي أنها ستجعل من الممكن مجددًا ترحيل الأشخاص إلى أفغانستان. لكن لم تنفذ سوى رحلة واحدة فقط. وبعد الانتخابات العامة هذا العام، وقبل أسابيع قليلة من تولي الحكومة الجديدة مهامها، وعد رئيس ديوان المستشارية  في مقابلة مع صحيفة “بيلد” بأن عمليات الترحيل المنتظمة إلى أفغانستان وسوريا ستُستأنف. وقال: “يمكن للألمان أن يثقوا في ذلك”، مؤكدًا أن ذلك “سيتم تنفيذه بشكل دائم وعلى نطاق أوسع بكثير”.

لكن تنفيذ هذه العمليات لا يزال معقدًا حتى اليوم، إذ لا توجد علاقات دبلوماسية بين ألمانيا ونظام طالبان الحاكم في كابول. وتُعد حركة طالبان معزولة دوليًا، من بين أمور أخرى، بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وحقوق المرأة. وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول (من CDU) قد صرح مؤخرًا بأن بلاده لا تعترف بهذا النظام كحكومة شرعية. وأكد أن ألمانيا لديها فقط اتصالات تقنية مع السلطات في كابول من خلال مكتب ارتباط في قطر.

قطر والدور الوسيط

وقد نُظّمت الرحلة مجددًا بمساعدة من دولة قطر، حيث لا تملك ألمانيا علاقات رسمية مباشرة مع طالبان. وتُعد روسيا الدولة الوحيدة التي تعترف رسميًا بحكومة طالبان.أما في الرحلة الوحيدة السابقة، التي جرت في 30 أغسطس 2024، فقد تم ترحيل 28 مجرمًا أفغانيًا من لايبزيغ إلى أفغانستان بمساعدة من الإمارة الخليجية قطر أيضًا. وكانت قطر قد قامت سابقًا بدور الوسيط بين الغرب وطالبان. وقبل استيلاء طالبان على الحكم، كانت آخر رحلة ترحيل من ألمانيا قد وصلت إلى كابول في يوليو 2021، وكانت الرحلة الأربعين من نوعها منذ أول عملية ترحيل جماعي في ديسمبر 2016. وبحلول ذلك الوقت، كانت الحكومة الألمانية والولايات الفيدرالية قد أعادت 1,104 رجال أفغان إلى وطنهم. حتى نهاية مايو 2025، كان هناك 446,287 أفغانية وأفغانيًا يقيمون في ألمانيا، وفقًا لرد حكومي. ومن بينهم 11,423 شخصًا ملزمين بمغادرة البلاد، منهم 9,602 يحملون تصاريح تأجيل الترحيل (دولدونغ)، و1,821 لا يحملونها، كما أفاد المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين لشبكة التحرير الألمانية (RND) في بداية يوليو2025.

ويُمنح تصريح “الدولدونغ” عندما يتم تعليق ترحيل شخص ملزم بالمغادرة مؤقتًا، وذلك لأسباب متعددة، مثل: تفادي فصل الأسر، أو وجود عوائق قانونية أو عملية (كعدم توفر أوراق السفر أو وجود مرض)، أو عندما يكون الشخص مسجلاً في برنامج تعليمي أو تدريبي.

2 ـ اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ لماذا انخفض عدد المهاجرين البولنديين إلى ألمانيا؟

سجّلت ألمانيا، التي كانت لفترة طويلة واحدة من الوجهات الرئيسية للهجرة البولندية، انخفاضًا في عام 2024 لأول مرة منذ عام 2000. وتُظهر بيانات مكتب الإحصاء الألماني أن 90,807 أشخاص غير ألمان انتقلوا من ألمانيا إلى بولندا في عام 2024، وهاجر 82,082 شخصًا في الاتجاه الآخر.على الرغم من أن البولنديين ينتقلون إلى ألمانيا منذ فترة طويلة، فإن عدد المهاجرين ارتفع بشكل حاد بعد عام 2011، عندما فتحت ألمانيا سوق العمل بشكل كامل أمام العمال من بولندا والدول السبع الأخرى التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004.“وفقًا لمكتب الإحصاء الألماني، فإن عدد البولنديين العائدين إلى بلادنا من الهجرة سيفوق عدد المهاجرين إلى ألمانيا في عام 2024″، هذا ما كتبه أندريه كوبيسياك، نائب مدير المعهد البولندي للأبحاث الاقتصادية (PIE). ويضيف قائلًا: “إن الاتجاه أوسع وينطبق على بلدان أخرى في أوروبا الوسطى والشرقية، ولكن نظرًا للتحديات الديموغرافية، فإن هذا يُعد خبرًا جيدًا بالنسبة لبولندا”.

التقارب الاقتصادي بين الشرق والغرب في الاتحاد الأوروبي

قد علّقت وسائل الإعلام الألمانية، مثل صحيفة فرانكفورتر تسايتونج (FAZ): “سواء في مجال التمريض أو الزراعة، فإن الأشخاص القادمين من أوروبا الشرقية كانوا منذ فترة طويلة ركيزة أساسية في سوق العمل الألمانية”.وأفادت: “ولكن هذا الوضع يتغيّر، لأن عدد الأشخاص القادمين إلى ألمانيا من بولندا أو رومانيا أو بلغاريا للعمل أصبح أقل فأقل.”وبحسب الصحيفة، فإن السبب الرئيسي وراء هذا التغيير هو “التقارب الاقتصادي بين الشرق والغرب في الاتحاد الأوروبي”. ويقول كوبيسياك: “هذه أخبار جيدة لبولندا لأنها، أولًا، إشارة إلى أن دولة أخرى كانت رائدة في الهجرة البولندية تسجّل الآن توازنًا سلبيًا”، ويستشهد بأيرلندا والمملكة المتحدة كمثالين، حيث أصبحتا أقل شعبية كوجهتين للهجرة البولندية في السنوات الأخيرة.

ألمانيا لم تَعُد جذابة اقتصاديًا لبولندا

يرى الخبراء أن ألمانيا لم تَعُد جذابة اقتصاديًا لبولندا، نظرًا لانخفاض معدلات البطالة نسبيًا وارتفاع الأجور. ويضيف كوبيسياك: “من الممكن أن يكون الركود الاقتصادي الذي نشهده اليوم في ألمانيا عاملًا أدى إلى تراجع أهمية بلد آخر كان رائدًا في الهجرة، من منظورنا الاقتصادي “. وبالمقارنة، نما اقتصاد بولندا بشكل أسرع من أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي على مدى العقود الثلاثة الماضية. وبحسب كوبيسياك، لم تَعُد هناك حوافز قوية تشجّع البولنديين، أو المقيمين في بولندا بشكل عام، على الهجرة.

أشاد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بالتنمية الاقتصادية في البلاد قائلاً: “إن الاقتصاد البولندي سيحتل المرتبة العشرين في العالم بحلول عام 2025، متجاوزًا سويسرا، وستكون القدرة الشرائية للبولندي أعلى من القدرة الشرائية للياباني”. ورغم أن الأرقام الخاصة بعام 2024 لا تُظهر ما إذا كان جميع المهاجرين البولنديين الذين غادروا ألمانيا قد عادوا إلى بولندا أو ذهبوا إلى دولة أوروبية أخرى، فإن الخبراء يقولون إن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن العديد منهم سيعودون بالفعل إلى وطنهم. الهجرة واللجوء في أوروبا: توازن هش وتحديات متصاعدة لفضاء “شنغن” . ملف

3 ـ اللجوء والهجرة ـ الحدود القانونية لمنطقة شنغن، هل تم تجاوزها؟

عندما فرضت بولندا إجراءات تفتيش حدودية مع ألمانيا وليتوانيا في يوليو 2025، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها دولة عضو في اتفاقية شنغن مثل هذه الخطوة. عادةً ما تُبرَّر هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية للحد من الهجرة غير النظامية، أو مكافحة تهريب البشر، أو معالجة مخاوف الأمن القومي. لكن بالنسبة للعديد من المحللين، قد يكون هذا من أوضح الدلائل على أن منطقة السفر بلا حدود في الاتحاد الأوروبي، والتي تُعد رمزًا للتكامل والهوية المشتركة، تتعرض لضغوط متزايدة.وفقًا لرئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، فإن هذه الضوابط مؤقتة وتهدف إلى وقف الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية. إلا أن هذه الخطوة تأتي بعد تشديد ألمانيا إجراءات التفتيش على جميع حدودها البرية، بما في ذلك مع بولندا، في ظل الحكومة المحافظة الجديدة للمستشار فريدريش ميرتس. ويرى العديد من المراقبين في بروكسل أن هذه الإجراءات تعكس تحولًا أعمق بعيدًا عن التضامن الأوروبي نحو المصلحة الوطنية.

ما هي شنغن؟

أُنشئت منطقة شنغن في تسعينيات القرن الماضي، وتتيح التنقل بحرية بين 29 دولة أوروبية، تغطي معظم دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى عدد من الدول غير الأعضاء مثل النرويج وسويسرا. وتُسهّل هذه المنطقة حرية تنقل أكثر من 450 مليون شخص، وتدعم السوق الأوروبية الموحدة من خلال إلغاء عمليات التفتيش الحدودية الداخلية للسلع والخدمات والعمالة. وتُعدّ منطقة شنغن، بالنسبة للشركات والمسافرين على حدٍّ سواء، أحد أهم إنجازات الاتحاد الأوروبي العملية. أكدت بيرته نينابر، الأستاذة المشاركة في جامعة لوكسمبورغ: “أن أوروبا تشهد تآكلًا بطيئًا للحرية من الحدود، حدودًا واحدة في كل مرة”.

تأثير الدومينو بدأ بالفعل

يتفق ديفيد كولومبي، الباحث في شؤون الهجرة في مركز دراسات السياسة الأوروبية ومقره بروكسل، على أن النزاع البولندي الألماني الأخير يتناسب مع نمط أوروبي أوسع.أبقت فرنسا على عمليات تفتيش حدودية منذ الهجمات الإرهابية عام 2015. أما النمسا، فقد فرضت ضوابط على حدودها مع سلوفينيا والمجر لأول مرة في سبتمبر 2015، في ذروة أزمة اللاجئين، وظلت تجددها كل ستة أشهر منذ ذلك الحين، مستشهدةً بضغوط الهجرة والأمن الداخلي.بدأت سلوفينيا بتطبيق إجراءات تفتيش مع كرواتيا بعد أقل من عام من انضمام الأخيرة إلى منطقة شنغن، مشيرةً إلى تزايد الهجرة والمخاوف بشأن الجريمة المنظمة. أما ألمانيا، التي لطالما قاومت تشديد حدودها الداخلية، فقد بدأت بتوسيعها في العام 2024، وهي خطوة لم تُعارضها المفوضية الأوروبية رسميًا. وبموجب قانون الاتحاد الأوروبي، لا يُسمح بمثل هذه الإجراءات إلا في ظروف استثنائية، ويجب أن تكون مؤقتة.

تقول البروفيسورة نينابر: “إن هذه الضوابط الحدودية مجرد رمزية سياسية، دون أي تأثير حقيقي في الحد من الهجرة”. وتؤكد أنه مع صعود قوى اليمين المتطرف في أوروبا، تكتسب الخطابات الشعبوية زخمًا لدى جميع الأحزاب. ويواجه قادة الوسط ضغوطًا لإظهار “صرامة” في التعامل مع الهجرة، وتُعدّ الضوابط الحدودية إجراءً واضحًا يحظى بشعبية لدى الجمهور.

رمزية الحدود أهم من الجوهر

لكن ما مدى فعاليتها حقًا؟ تُثير الإحصاءات الرسمية شكوكًا حول جدوى عمليات تفتيش الحدود داخل منطقة شنغن. تُشير الشرطة الألمانية إلى أنه في الشهر الأول من عمليات الحدود المُعززة، لم يُرفض سوى 160 طالب لجوء. وتُفيد وسائل الإعلام البولندية بأن ألمانيا أعادت حوالي 1000 مهاجر إلى بولندا بين مايو ومنتصف يونيو 2025، وهو رقم لا يختلف كثيرًا عن السنوات السابقة. أوضحت نينابر: “المهربون أو من يحاولون الدخول بشكل غير نظامي يعرفون تمامًا كيفية تجنب نقاط التفتيش الرسمية. الضوابط لا توقفهم، بل تخلق لديهم وهم السيطرة”. واتفق الباحث كولومبي على أن هذه الاستراتيجيات تُركّز على المظهر أكثر من النتائج. وأكد أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تُثبت حتى الآن ضرورة الضوابط، على سبيل المثال، في الحدّ من الهجرة أو منع الهجمات الإرهابية. الهجرة واللجوء ـ هل تنجح ألمانيا وبولندا في تشكيل درع أوروبي مشترك؟

التكلفة الاقتصادية

بدأت المجتمعات الحدودية، وخاصة في مناطق مثل لوكسمبورغ والنمسا وبولندا، تشعر بالفعل بالآثار السلبية: فترات انتظار أطول، وتعطل سلاسل التوريد، وضغوط اقتصادية متزايدة على الشركات المحلية العابرة للحدود. وقدّرت دراسة مفصلة أجراها البرلمان الأوروبي أن إعادة فرض عمليات التفتيش على الحدود الداخلية تؤدي إلى خسائر زمنية كبيرة: من 10 إلى 20 دقيقة للسيارات، ومن 30 إلى 60 دقيقة للمركبات الثقيلة، وتكلف قطاع النقل حوالي 320 مليون يورو وهذا يشمل التأخيرات فقط، وليس التداعيات الاقتصادية الأوسع.

لذا، فإن التكلفة الاقتصادية ليست هينة. فاتفاقية شنغن تؤثر على حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص: الركائز الأربع للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. وقد ترتفع الأسعار، وتتباطأ سلاسل التوريد، وقد تُفقد الوظائف والشركات العابرة للحدود.قدّرت جمعية لوجستية بلغارية أن التأخيرات على الحدود تُكلّف القطاع 300 مليون يورو (352 مليون دولار) سنويًا. منذ انضمام رومانيا وبلغاريا إلى منطقة شنغن في العام 2025، ازدادت حركة المرور عبر الحدود بشكل ملحوظ وأصبحت أكثر كفاءة. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025 وحدها، ارتفعت حركة المرور بين البلدين بنسبة 25%، حيث عبرت أكثر من 160 ألف مركبة، مقارنةً بـ128 ألف مركبة في الفترة نفسها من العام 2024، وفقًا لوكالة إدارة الطرق الرومانية.

انخفض متوسط أوقات الانتظار عند المعابر من أكثر من عشر ساعات إلى أقل من ساعتين. بالنسبة لشركات النقل الإقليمية والمدن الحدودية التي تعتمد على انسيابية تدفقات التجارة، أدى ذلك إلى تسريع عمليات التسليم وانتعاش الاقتصاد. ويحذر الخبراء من أن العودة إلى الحدود الصارمة قد تُفسد هذا التقدم، مما يؤثر سلبًا ليس فقط على سلاسل التوريد، بل على سبل عيش الآلاف الذين يعتمدون على انسيابية المعابر اليومية.

الحدود القانونية لمنطقة شنغن، هل تم تجاوزها بهدوء؟

يسمح قانون الاتحاد الأوروبي بإجراء عمليات تفتيش على الحدود الداخلية في حالات استثنائية: يجب أن تقتصر على ستة أشهر مع إمكانية تجديدها بمبررات واضحة. ومع ذلك، واصلت عدة دول أعضاء تمديدها. ففرنسا تطبق عمليات التفتيش بشكل شبه مستمر منذ ما يقرب من عقد من الزمان. كما عملت النمسا والدنمارك والسويد، والآن ألمانيا، بموجب استثناءات طويلة الأجل. يقول الباحث كولومبي: “نرى أن عمليات التفتيش الحدودية هذه أصبحت دائمة في بعض الدول الأعضاء. لم يكن هذا قطّ هدف اتفاقية شنغن”. ويوضح: “أن المفوضية الأوروبية واجهت انتقادات لعدم تطبيقها الحدود بشكل أكثر صرامة، على سبيل المثال من خلال إجراءات المخالفات. ويؤدي هذا إلى فتح الباب أمام الآخرين، مما يُحدث تأثير الدومينو”.

مراجعة اتفاقية شنغن، أم التخلي عنها؟

يُدرك الاتحاد الأوروبي وقادته المخاطر. فإذا أصبحت عمليات تفتيش الحدود الداخلية دائمة، فقد ينهار نظام شنغن تمامًا. ولن يؤدي هذا إلى تعطيل حرية حركة الأشخاص والسلع والخدمات ورأس المال فحسب، وهي الركائز الأساسية للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، بل سيؤدي أيضًا إلى تقويض النزاهة القانونية لمعاهدات الاتحاد الأوروبي، وزيادة التكاليف على الشركات، وإبطاء سلاسل التوريد، وربما تآكل ثقة المواطنين في المشروع الأوروبي نفسه.تعمل المفوضية على تحديث قانون حدود شنغن، وإطلاق أداتين رقميتين لإدارة الحدود: نظام الدخول والخروج (ESS)، ونظام (ETIAS)، وهو منصة لفحص طلبات الإعفاء من التأشيرة. صُممت كلتا الأداتين لتحسين تتبع دخول مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى المنطقة وتقليل الحاجة الملحة إلى عمليات تفتيش داخلية.

تقول المفوضية إن هذه الإصلاحات تُمثّل تطورًا لنظام شنغن، وليس انهياره. لكن كولومبي يُجادل بأنه إذا أُريد لشنغن أن يبقى، فسيحتاج إلى أكثر من مجرد تعديلات قانونية أو أدوات رقمية. ويقول كولومبي: “نحن بحاجة إلى شجاعة سياسية، وإعادة بناء الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء، وتطبيق من جانب المفوضية الأوروبية”. وفوق كل شيء، ينبغي نزع الطابع السياسي عن موضوع الهجرة، وتحويل النقاش العام بعيدًا عن التدابير الرمزية مثل مراقبة الحدود. يشكك الخبيران في إمكانية حدوث ذلك قريبًا. توضح نينابر: “أنه مع إعادة تشكيل أحزاب اليمين المتطرف للروايات السياسية في العديد من الدول، يتزايد الضغط لإعادة تأكيد السيادة الوطنية”. وتحذر من أنه إذا استمرت الحكومات في استخدام ضوابط الحدود الداخلية كأدوات سياسية، بدلًا من كونها أدوات أمنية أخيرة، فقد تنهار منطقة شنغن قريبًا.

انهيار اتفاقية شنغن؟

في حال انهيار اتفاقية شنغن، قد يكون الضرر الاقتصادي فادحًا. ستؤدي إعادة فرض عمليات التفتيش الحدودية إلى إبطاء تدفق البضائع، وتعطيل سلاسل التوريد في الوقت المناسب، وزيادة تكاليف النقل، لا سيما في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الخدمات اللوجستية مثل الزراعة، وتجارة التجزئة، والتصنيع. سيواجه العاملون عبر الحدود تنقلات أطول، بينما قد تفقد الشركات الصغيرة في المناطق الحدودية عملاء أساسيين. بالنسبة للمواطنين العاديين، قد يعني ذلك طوابير أطول على الحدود، وارتفاعًا في الأسعار في المتاجر، وتراجعًا في إمكانية الوصول إلى الخدمات وأسواق العمل عبر الحدود.

لكن الخسارة الرمزية قد تكون بنفس القدر من العمق، كما يقول كولومبي: “شنغن من أبرز علامات الهوية الأوروبية المشتركة وإنجازها الرائد”. في حال انهيار شنغن، ستنهار معها الطريقة الأكثر واقعية لتجربة الاتحاد الأوروبي كمشروع عابر للحدود الوطنية للمواطنين.ولمنع ذلك، يزعم الخبيران أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء يجب أن يُعيدوا الالتزام بالفكرة الأساسية وراء اتفاقية شنغن: وهي أن الأوروبيين يجب أن يكونوا قادرين على التحرك، دون خوف أو تأخير أو مواقف سياسية، عبر قارتهم المشتركة.

4 ـ الهجرة واللجوء في ألمانيا ـ هل تساهم استراتيجية “ضوابط الحدود الإلكترونية” في تحسين أمن الحدود؟

وافق البرلمان الأوروبي في الثامن من يوليو 2025 على التطبيق التدريجي لضوابط الحدود الإلكترونية. وفي حال موافقة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على هذه الخطط، فقد يبدأ تطبيق الضوابط في خلال العام 2025.نظام الدخول والخروج هو نظام تحكم آلي يُستخدم للتحقق من هوية المسافرين من خارج الاتحاد الأوروبي عند دخولهم أو مغادرتهم. عند الوصول، يُطلب من المسافرين إبراز جوازات سفرهم، وتحديد تاريخ المغادرة، والخضوع لمسح بصمات الأصابع والتعرف على الوجه. تم تأجيل تطبيق النظام عدة مرات، كان آخرها في أكتوبر من العام 2024، لعدم استعداد ألمانيا وفرنسا وهولندا له بعد. أما في بلجيكا، فقد وافقت الغرفة التجارية على النظام في مارس 2023.

في مايو 2025، توصلت الدول الأعضاء والبرلمان إلى اتفاق لتطبيق النظام على مدى 180 يومًا، مما يسمح بالتدخل في حال حدوث أي مشاكل فنية. بعد شهر واحد، يجب تسجيل 10% من عمليات عبور الحدود، على أن يرتفع هذا الرقم تدريجيًا ليشمل جميع المسافرين من خارج الاتحاد الأوروبي بعد ستة أشهر. خلال الفترة الانتقالية، ستواصل الدول الأعضاء ختم وثائق السفر. في حالات استثنائية، كالطوابير الطويلة، يجوز لها تعليق النظام مؤقتًا. صوّت 572 عضوًا في البرلمان الأوروبي لصالح القرار، و42 ضده، وامتنع 67 عن التصويت. وصرحت المقررة أسيتا كانكو: “لقد قام البرلمان بدوره، وضمن إمكانية استخدام نظام الدخول والخروج على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في أقرب وقت ممكن”. يعود الأمر الآن إلى المفوضية الأوروبية لتحديد موعد تطبيق النظام. وكان كانكو قد أشار سابقًا إلى أن أكتوبر هو موعد البدء الفعلي.

انخفاض عدد الباكستانيين طالبي اللجوء في الدول الأوروبية

انخفض عدد الباكستانيين طالبي اللجوء في الدول الأوروبية في عام 2024، بعد أن وصل إلى مستويات قياسية في عام 2023، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي حول اتجاهات اللجوء. وبعد ارتفاع حاد منذ عام 2020، بلغت الطلبات ذروتها العام 2024، بأكثر من 30 ألف باكستاني يطلبون الحماية الدولية. بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2024، قدّم حوالي 28 ألف باكستاني طلبات لجوء، وهو انخفاض واضح عن العام 2023. وانخفض عدد الطلبات الشهرية من 3,400 طلب عام 2023 إلى 1,900 طلب فقط بحلول أكتوبر 2024، مما يشير إلى تحوّل كبير في أنماط الهجرة.

ظلّت إيطاليا الخيار الأمثل لطالبي اللجوء الباكستانيين، تليها فرنسا، واليونان، وألمانيا بفارقٍ ضئيل. وشهدت هذه الدول ارتفاعًا مستمرًا في أعداد الطلبات، بفضل وجود جاليات مهاجرة، وسهولة دخولها، وفرصها الاقتصادية المتوقعة. رغم ارتفاع عدد المتقدمين، ظلّت معدلات النجاح منخفضة. فمن بين 20 ألف حالة عُولجت خلال فترة الاثني عشر شهرًا، مُنحت 12% فقط صفة اللاجئ. أما الطلبات المتبقية، فقد واجهت الرفض أو التأخير المستمر في اتخاذ القرار.

كشف التقرير أن 34 ألف قضية لجوء من باكستان لا تزال عالقة في جميع أنحاء أوروبا. ويشير هذا التراكم المتزايد، إلى جانب سياسات الهجرة الأكثر صرامة، إلى أن طريق الحماية أصبح أكثر صعوبة بالنسبة للعديد من الباكستانيين الباحثين عن الأمان والاستقرار في الخارج. يعكس التقرير تباطؤًا في أعداد الوافدين الجدد، وتشددًا في إجراءات منح اللجوء. ومع تشديد الدول الأوروبية سياساتها، قد يواجه المهاجرون الباكستانيون تحدياتٍ متزايدة في الحصول على وضع اللاجئ في السنوات المقبلة.

انخفاض عدد طلبات اللجوء في ألمانيا

انخفض عدد طلبات اللجوء في ألمانيا بشكل كبير في الأشهر الستة الأولى من عام 2025 مقارنة بأرقام الفترة نفسها من العام 2024. وذكرت تقارير أن إجمالي عدد الطلبات المقدمة بلغ 65,495 طلبًا في الفترة من الأول من يناير 2025 إلى 30 يونيو 2025، نقلاً عن بيانات غير منشورة سابقًا من وكالة اللجوء بالاتحاد الأوروبي (EUAA) وهو انخفاض بنسبة 43% على أساس سنوي. وهناك 61,300 طلب لجوء فقط تم تقديمه للمرة الأولى في ألمانيا في النصف الأول من عام 2025. في يونيو 2025، كان عدد الطلبات الجديدة أقل من 7,000 طلب، بانخفاض قدره 60% عن أرقام يونيو 2024، و70% عن العامين 2023 و2024. ويُسجل هذا الرقم رقمًا قياسيًا جديدًا لأدنى عدد طلبات شهرية مُقدمة منذ مارس 2013.

يرى وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت من الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) أن الأرقام بمثابة تأكيد على فعالية سياسته المتعلقة بالهجرة، والتي يراها كثيرون مثيرة للجدل. وأشار إلى أن الأرقام تشير إلى “نجاحات واضحة في تحول الهجرة”، وأكد أن وزارته ستواصل العمل على إصلاح نظام الهجرة “من الرأس إلى القدمين”.ترى لينا دوبونت، النائبة الأوروبية عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) وخبيرة الهجرة، أن انخفاض أعداد طالبي اللجوء يُعدّ إنجازًا كبيرًا. وأشارت إلى أن اتفاقيات الشراكة مع دول شمال أفريقيا الرئيسية لعبت دورًا رئيسيًا في خفض أعداد طالبي اللجوء. وأكدت أن التعاون الأكبر بين الدول الثالثة ووكالة حماية الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي “فرونتكس” كان سبب وراء هذا النجاح. الهجرة واللجوء ـ كيف تقود ألمانيا التحول في سياسة الهجرة الأوروبية؟

إحصائيات على مستوى أوروبا

في النصف الأول من عام 2025، تلقّت إسبانيا أكبر عدد من طلبات اللجوء، حيث سجّلت الدولة شبه الجزيرة الأيبيرية ما يزيد قليلاً عن 76,020 طلبًا. وجاءت فرنسا في المرتبة الثانية، مسجلةً حوالي 75,428 طلبًا. تلتها ألمانيا بـ 65,495 طلبًا للجوء في النصف الأول من عام 2025. وتلقت إيطاليا 62,534 طلبًا، وسجلت اليونان 27,718 طلبًا، بينما تلقت بلجيكا ما يزيد قليلًا على 17 ألف طلب. تلقّت المجر، التي تتبنى سياسة هجرة صارمة للغاية في عهد رئيس الوزراء فيكتور أوربان، 47 طلبًا فقط. وسجلت سلوفاكيا 84 طلبًا، بينما تلقت ليتوانيا 152 طلبًا.

بلدان المنشأ لطالبي اللجوء في ألمانيا وأوروبا

بحسب التقرير، فإن نحو 22% من طالبي اللجوء في ألمانيا هم مواطنون أفغان، بينما شكل السوريون نحو 20% من المتقدمين، في حين شكل المواطنون الأتراك 11% من الطلبات التي تلقتها برلين.وشكل الروس خامس أكبر جنسية من بين طالبي اللجوء، حيث تقدموا بأكثر من 3%. وفي المجمل، تقدم ما يقرب من 400 ألف شخص بطلبات اللجوء في بلدان الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا في النصف الأول من العام 2025.يُمثل هذا انخفاضًا بنحو 23% عن إجمالي أعداد العام 2024. وعلى المستوى القاري، كانت الجنسيات الثلاث الأولى من المتقدمين هي الفنزويليون، بنحو 50 ألفًا، والأفغان بنحو 41 ألفًا، والسوريون بنحو 23 ألفًا.

5 ـ الهجرة واللجوء ـ كيف تقود ألمانيا التحول في سياسة الهجرة الأوروبية؟

أصبحت ألمانيا في موقع القيادة فيما يتعلق بالهجرة، كما أوضح وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت من الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) في بيانه. فقد دعا وزير الداخلية الاتحادي خمسة من نظرائه الأوروبيين لمناقشة القضايا الملحة المتعلقة بسياسة الهجرة. كانت النتيجة إعلانًا مشتركًا حثّت فيه ألمانيا والنمسا والدنمارك وبولندا وجمهورية التشيك وفرنسا على مواصلة عمليات الترحيل وتشديد سياسة الهجرة. أشاد دوبريندت بالإعلان ووصفه بأنه “إشارة إلى الوحدة والوضوح والالتزام المشترك”. وشارك في المحادثات مفوض الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر.

تمكين الترحيل إلى سوريا وأفغانستان

ينص البيان المشترك على أن “العودة الفعّالة شرط أساسي للثقة في سياسة هجرة أوروبية متوازنة”. ويشمل ذلك عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان. أكد الوزراء على ضرورة أن تكون هذه العمليات “ممكنة”. ارتبطت مغادرة طالبي اللجوء المرفوضين إلى هذين البلدين بعقبات كبيرة حتى يوليو 2025.غادرت رحلة ترحيل تقل 81 مجرمًا أفغانيًا من لايبزيغ إلى العاصمة الأفغانية كابول في 18 يوليو 2025. صرح دوبريندت: “هؤلاء الرجال مجرمون خطيرون وخطيرون للغاية”. وأضاف أن هناك “مصلحة مشروعة تمامًا للمواطنين في تنفيذ هذه العمليات”. كان هذا أول ترحيل من هذا النوع منذ تولي حكومة الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) الائتلافية السلطة، برئاسة المستشار فريدريش ميرز. نظرًا لحكم طالبان لأفغانستان ونظامها، انتقدت منظمات اللاجئين، مثل “برو أزول”، بشدة عمليات الترحيل إلى أفغانستان.

لا تربط الحكومة الألمانية أي علاقات رسمية بطالبان، وقد تم ترتيب رحلة الترحيل الحالية بوساطة قطرية. أكد دوبريندت: “ألمانيا يجب أن تكون قادرة على تنفيذ عمليات الترحيل في المستقبل حتى من دون شركاء استراتيجيين مثل قطر”. أضاف مجددًا: “لا يحق للمجرمين الخطيرين البقاء في بلدنا”.

العودة إلى البلدان خارج الاتحاد الأوروبي

اتفق وزراء الداخلية على أن ما يُسمى بالدول الثالثة، أي الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ينبغي أن تكون أكثر قدرة على مساعدة من يُطلب منهم مغادرة البلاد. وهذا يعني إمكانية نقل طالبي اللجوء المرفوضين إلى مراكز آمنة خارج الاتحاد الأوروبي في المستقبل.يجري العمل بالفعل على مستوى الاتحاد الأوروبي على ما يُسمى “مراكز العودة”، وهي جزء من مقترح المفوضية لإصلاح توجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العودة. وتُعدّ هذه المراكز مرافق تُنسّق فيها السلطات الوطنية، بالتعاون مع وكالات الاتحاد الأوروبي مثل “فرونتكس”، عمليات العودة وتُعدّها. يدعو وزراء الداخلية إلى منح تفويض أقوى لوكالة حماية الحدود “فرونتكس”: “في المستقبل، ينبغي منح فرونتكس تفويضًا لتنفيذ عمليات العودة من دول ثالثة مثل دول غرب البلقان”، كما ورد في البيان.

أكد الوزراء على ضرورة التعاون البنّاء مع دول المنشأ والعبور للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية، وشددوا على ضرورة تنفيذ إصلاح نظام اللجوء الأوروبي (CEAS)، المتفق عليه على مستوى الاتحاد الأوروبي، بسرعة وثبات. كما أكدوا ضرورة توفير الاتحاد الأوروبي موارد مالية كافية لهذا الغرض.

مكافحة المهربين وتجار البشر

من المطالب المشتركة الأخرى اتخاذ إجراءات صارمة ضد المهربين والمتاجرين بالبشر. وفي هذا السياق، يدعو وزراء الداخلية مفوضية الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور أكثر فاعلية في إبرام اتفاقيات دولية بشأن تبادل البيانات الشخصية بين “اليوروبول” والدول المعنية، مثل تركيا. يرى وزراء الداخلية أن على سلطات إنفاذ القانون في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التعاون بشكل أوثق مع هذه الدول، كما يطالبون بملاحقة التدفقات النقدية غير المشروعة بشكل أكثر حزمًا.

أكد مفوض الاتحاد الأوروبي برونر أن أوروبا هي التي تقرر من يدخل القارة، وليس المهربون والمتاجرون بالبشر. وأوضح قائلًا: “يجب أن نعيد للناس الشعور بأننا نتحكم بما يحدث في أوروبا”، مشيرًا إلى أن ذلك أمر مهم لمنع الشعبويين من اكتساب المزيد من الزخم. وسيُسرّع إصلاح قانون اللجوء في الاتحاد الأوروبي من إجراءات البت في طلبات اللجوء. وأشار إلى أنه من غير المقبول أن يُعاد واحد فقط من كل أربعة أشخاص يقيمون بشكل غير قانوني في أوروبا، ومن المتوقع أن يتحسن هذا الوضع مع إصلاح لائحة العودة. كما أكد وزراء الداخلية المدعوون على ضرورة اتباع سياسة تقييدية للجوء والهجرة. وصرح برونو ريتيلو، وزير الداخلية الفرنسي: “أن مكافحة الهجرة غير النظامية أمر بالغ الأهمية للديمقراطية، وأن الشعوب تطالب بذلك”. اللجوء والهجرة ـ ما تداعيات تشديد ضبط الحدود الأوروبية ومستقبل اتفاقية شنغن؟

بولندا تؤكد رغبتها في أوروبا بدون ضوابط حدودية

أكد وزير الداخلية البولندي، توماس سيمونياك: “إن المهاجرين يُستخدمون كسلاح”. وأضاف: “بيلاروسيا وروسيا تحاولان التأثير على الوضع لتشجيع المهاجرين على القدوم، لذلك ثمّة حاجة إلى تشديد الرقابة على الحدود. وفي الوقت نفسه، أعرب عن رغبته في عودة حرية السفر داخل منطقة شنغن، التي تنتمي إليها معظم دول الاتحاد الأوروبي.كان سيمونياك يُلمّح إلى تشديد الرقابة على الحدود من الجانب الألماني، والذي أمر به وزير الداخلية دوبريندت بعد توليه المنصب بفترة وجيزة. ومن غير المُرجّح أن يتراجع عن هذا المسار، بل على العكس تمامًا. وأكد دوبريندت: “هذا هو التغيير في السياسة في ألمانيا. هذا هو التغيير في السياسة الذي أعلنته الحكومة الفيدرالية الجديدة”.

6ـ الهجرة واللجوء ـ هل تنجح ألمانيا وبولندا في تشكيل درع أوروبي مشترك؟

أجتمع وزراء داخلية الدول الأعضاء السبعة والعشرين في الاتحاد الأوروبي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال شهر يوليو 2025 لإجراء محادثات تركز على الهجرة والأمن الأوروبي. تركزت المناقشات على أفضل السبل لإعادة الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم، وكيفية مكافحة الهجرة غير النظامية. وكان موضوعا مكافحة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات على جدول الأعمال.

تشمل المقترحات المطروحة إمكانية إنشاء ما يُسمى بمراكز الإعادة إلى الوطن خارج الاتحاد الأوروبي. ومن المتوقع أن يكون وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت من بين الحضور. وقد نفذ دوبريندت بالفعل إجراءات صد على حدود ألمانيا، والتي قضت المحكمة بأنها غير قانونية. وقد دفع السياسي المحافظ من الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا باتجاه تطبيق سياسات هجرة أوروبية أكثر صرامة، في محادثات مع نظرائه من النمسا وفرنسا والدنمارك وبولندا وجمهورية التشيك. وشمل ذلك مقترحات بتشديد أكبر في إعادة الأشخاص إلى بلدانهم الأصلية التي يُعتبر وضعها الأمني هشاً، مثل سوريا وأفغانستان.

أشاد وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت بالجهود الكبيرة التي تبذلها بولندا لتعزيز وتأمين حدودها الشرقية مع بيلاروسيا في زيارة رسمية حملت رسائل أمنية واضحة وتأكيدًا على الشراكة الأوروبية، واصفًا هذه الإجراءات بأنها ذات “تأثير هام” على أمن القارة الأوروبية بأسرها.جاءت تصريحات دوبريندت خلال تفقده للحدود البولندية البيلاروسية، والتي تُعد من أكثر المناطق حساسية في الاتحاد الأوروبي من حيث الضغوطات الناتجة عن الهجرة غير النظامية والتوترات الجيوسياسية. يقول الوزير المنتمي إلى حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، خلال جولته الميدانية التي رافقه فيها نظيره البولندي توماس سيمونياك: “هنا، يمكننا أن نرى بأعيننا مدى فعالية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، الإجراءات المتخذة تُثبت أن الالتزام البولندي يُساهم بشكل مباشر في حفظ استقرار وأمن القارة”.

الهجرة كسلاح جيوسياسي: مخاوف متزايدة

أعرب دوبريندت عن قلقه من أن روسيا وبيلاروسيا تستخدمان الهجرة كأداة ضغط سياسي و”كسلاح هجومي” لزعزعة استقرار عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بولندا وألمانيا. وأوضح أن هذه الاستراتيجية، التي تعتمد على دفع موجات من المهاجرين غير النظاميين نحو الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، تستهدف إثارة الفوضى وإضعاف التماسك الأوروبي، مشددًا على ضرورة التصدي لهذه السياسات المشتركة بأساليب موحدة وفعالة.

أكد دوبريندت: “ما نراه ليس مجرد تحدٍ إنساني أو أمني فحسب، بل هو جزء من تكتيك هجومي ممنهج يهدف إلى اختراق الجبهة الأوروبية الموحدة”. وتابع: “أن أمن بولندا هو من صميم أمن ألمانيا والاتحاد الأوروبي برمته”.أُعيد 311 طالبَ لجوءٍ من الحدود الألمانية حتى 9 يوليو 2025، منذ صدور الأمر المقابل من وزير الداخلية الاتحادي، ألكسندر دوبريندت، في مايو 2025. جاء ذلك في ردّ الحكومة الاتحادية على سؤال برلماني من الكتلة البرلمانية لحزب “البديل من أجل ألمانيا”. ووفقًا للحكومة الاتحادية، أُعيد ما مجموعه 6948 شخصًا خلال تشديد إجراءات الرقابة على الحدود الألمانية، لأسبابٍ منها، على سبيل المثال، عدم امتلاكهم وثيقةَ سفرٍ سارية أو تصريحَ إقامة. ويشمل هذا العدد طالبي اللجوء المرفوضين.

جولة شاملة على البنية التحتية الأمنية للحدود

اطلع وزير الداخلية الألماني على الوضع الميداني في معبر “بولوتشي” الحدودي المغلق مع بيلاروسيا، حيث رافقه نظيره البولندي سيمونياك في جولة شاملة على البنية التحتية الأمنية التي تم تشييدها مؤخرًا. ويُعد هذا المعبر أحد المواقع الأكثر تحصينًا، حيث تم تدعيمه بسياج فولاذي عالٍ، مزود بأحدث أجهزة المراقبة الإلكترونية، وكاميرات حرارية، ومستشعرات حركة متطورة.قدّم المسؤولون البولنديون شرحًا مفصلًا حول الإجراءات الوقائية المتخذة، والتي تشمل تعزيز الوجود الأمني في المنطقة الحدودية ونشر آلاف الجنود وأفراد الشرطة بهدف اعتراض محاولات التسلل والتصدي لأي أعمال عنف محتملة من قبل المهاجرين. وصرح سيمونياك: “إن بلاده نشرت ما يقرب من 11 ألفًا من ضباط الأمن والجنود على امتداد الحدود مع بيلاروسيا”. وأضاف موضحًا: “نحن ندرك أن مسؤولية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تبدأ من هنا، ولهذا نتعامل مع الوضع بأقصى درجات الجدية والمسؤولية”.

تقدير ألماني للإجراءات البولندية

لم يقتصر الثناء الألماني على الجانب التقني أو الميداني، بل امتد ليشمل البُعد السياسي والتنسيقي. فقد أشاد دوبريندت بما وصفه بـ”الخطوات الحازمة” التي اتخذتها بولندا، ليس فقط لحماية حدودها، وإنما لحماية أوروبا من موجات الهجرة غير المنظمة التي يُعتقد بأنها تُحرّك ضمن خطط محسوبة من قبل موسكو ومينسك. أشار الوزير الألماني إلى أن “هذه التدابير تتناغم مع السياسات الألمانية الأخيرة التي شهدت تعزيزًا للرقابة على الحدود الألمانية البولندية”، مشيرًا إلى أن بولندا قد فرضت، بدورها، ضوابط مماثلة كجزء من تعاون ثنائي يستهدف الحد من تسرب المهاجرين إلى عمق الأراضي الأوروبية. نوّه الوزير الألماني إلى الإجراءات المتخذة على الحدود مع ليتوانيا، مؤكدًا أن هذا التعاون بين دول الجوار يشكل ركيزة أساسية في استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير النظامية. وأردف قائلًا: “ندعم هذه الإجراءات بشكل كامل، لأنها تُعد مساهمة فعّالة في منع ظهور طرق تهريب جديدة من بيلاروسيا عبر دول البلطيق”.

شدد دوبريندت على أهمية التعاون مع بولندا، واصفًا إياها بـ”أهم شريك لألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب فرنسا”. وأكد: “أن وحدة الصف بين برلين ووارسو تمثل عنصرًا حاسمًا في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في أوروبا، لا سيما في ظل البيئة الجيوسياسية المعقدة التي فرضتها الحرب في أوكرانيا وتصاعد الضغوط الروسية”.

الدعم الأوروبي ضرورة لا خيار

شدد الوزير البولندي سيمونياك على أن بلاده بحاجة إلى دعم ألماني وأوروبي مستمر، ليس فقط على مستوى التنسيق الأمني، بل على مستوى التمويل والمساعدات التقنية واللوجستية. وأوضح أن النفقات التي تتحملها بولندا في سبيل حماية حدود الاتحاد الأوروبي كبيرة، وتستدعي تضامنًا حقيقيًا من شركائها الأوروبيين.أوضح سيمونياك: “أكدتُ مرارًا أن أزمة الهجرة ليست أزمة محلية أو تخص دولة واحدة، بل هي تحدٍ أوروبي مشترك، ويجب مواجهته بتضامن كامل، دون أن تُترك أي دولة لتدفع الثمن وحدها”. وأضاف: “أن نسبة النجاح في اعتراض محاولات عبور الحدود غير القانونية تتراوح بين 97% و98%، ما يعكس فعالية التدابير المتبعة على أرض الواقع”.

الأمن الأوروبي مسؤولية مشتركة

في خضم التهديدات المتزايدة القادمة من الشرق، تبدو الشراكة البولندية الألمانية نموذجًا للتعاون الأوروبي المطلوب في هذا التوقيت الحرج. وفيما تتصاعد الدعوات لتعزيز قدرات الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده الخارجية، تُظهر بولندا التزامًا راسخًا يُقابل بتقدير من جيرانها، وعلى رأسهم ألمانيا.تُجمع تصريحات الوزيرين، الألماني والبولندي، على أن حماية أوروبا من مخاطر الهجرة غير المنظمة لا يمكن أن تُفهم خارج سياق الجغرافيا السياسية، وأن التعامل مع هذه التهديدات يتطلب مزيدًا من التنسيق، التمويل، والتضامن، دفاعًا عن استقرار القارة الأوروبية بأسرها.

7ـ اللجوء والهجرة في أوروبا ـ هل تتخلى أوروبا عن شراكتها مع أفريقيا مقابل الحد من الهجرة؟

اقترحت مفوضية الاتحاد الأوروبي ربط مساعدات التنمية المُقدمة للدول الأفريقية وغيرها من الدول بتعاونها في إنفاذ قوانين الهجرة. وبموجب “الآلية الأوروبية”، قد يعتمد تخصيص المساعدات على مدى تعاون الدولة في عمليات الإعادة، وإعادة القبول، ومراقبة الحدود. تشير وثائق داخلية للاتحاد الأوروبي، إلى أن الدول التي لا تلتزم باتفاقيات الترحيل قد تُخفض مساعداتها. وقد أثارت هذه الخطوة انتقادات من المنظمات الإنسانية، حيث وصفتها منظمة أوكسفام بأنها “تشويه لأهداف الاتحاد الأوروبي الإنمائية” و”حل سياسي قصير المدى” لقضايا هيكلية أعمق.يأتي هذا التحول في السياسة في ظل تزايد الضغوط داخل أوروبا للحد من الهجرة غير النظامية عبر البحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى. وتشتد هذه الضغوط بشكل خاص في دول مثل ألمانيا، وإيطاليا، واليونان، حيث تواجه الحكومات الوطنية معارضة محلية متزايدة لطالبي اللجوء.

ردود الفعل الإفريقية

يدين خبراء السياسة والباحثون في جميع أنحاء أفريقيا هذا التحول في السياسة، ويجادلون بأن نهج الاتحاد الأوروبي من المرجّح أن يقوّض السيادة والثقة. تقول ماريا أيوك، باحثة ما بعد الدكتوراه في السلام والأمن بجامعة أوتو فون جيريكه في ماغديبورغ بألمانيا: “أوقفوا شعبكم عن الهجرة أو فقدان المساعدات يبدو لي وكأنه رسالة إكراه وليس تعاونًا”. وأضافت: “ما يفعله الاتحاد الأوروبي هو إجبار الأفارقة على إبقاء شعوبهم في أفريقيا، لأنهم يخافون من ‘أفريقنة’ أوروبا”. هذا يُحوّل الدول الأفريقية إلى مجرد حرس حدود، بدلًا من أن تكون شركاء متساوين في التنمية، فالاتحاد الأوروبي يُؤمّن مسألة الهجرة، وقد قام على مر السنين بتسييسها.

تجاهل الأسباب الجذرية للهجرة

يؤكد صانعو السياسات الأوروبيون غالبًا على “عوامل الجذب” مثل الوظائف والأمن، يقول المحللون الأفارقة إن هناك حاجة إلى مزيد من الاهتمام بالظروف التي تدفع الناس إلى الهجرة في المقام الأول. أكد فيدل أماكي أووسو، المستشار الجيوسياسي والأمني المقيم في غانا: “سيشعر الناس بالتأكيد برغبة في النزوح”، وأضاف: “أن من أبرز العوامل الدافعة لذلك المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وفجوات التنمية بين الريف والحضر، والفقر المدقع، والصراعات، والبطالة”.

يتفق بول إيجيمي، محلل الإعلام والشؤون العالمية، مع هذا الرأي، قائلاً: “إنهم يغادرون لأن البيئة غير مواتية”. وأشار إيجيمي إلى أن “الفقر والمشقة وعدم الاستقرار تدفع الأفارقة إلى المخاطرة بحياتهم بحثًا عن سُبل العيش، وإن إغلاق الأبواب أو بناء الجدران ليس الحل”. ووفقًا لأيوك، فإن إخفاقات الحُكم جزء من المشكلة، وأكدت: “لدينا العديد من القادة المستبدين الذين يريدون البقاء في السلطة إلى الأبد، هذه قضايا جوهرية علينا معالجتها”.

يُجمع الخبراء على أن ممارسات أوروبا التجارية وتدخلاتها الخارجية ساهمت بشكل مباشر في عدم الاستقرار والتخلف الاقتصادي في أفريقيا. ويجادلون بأن هذه الظروف تُفاقم الهجرة. تابعت أيوك: “إن سياسات التجارة الاستخراجية الأوروبية، وصادرات الأسلحة، والتدخلات الانتقائية ساهمت في عدم الاستقرار وانعدام الأمن، وبالطبع التخلف، مما أدى إلى تأجيج الهجرة التي تسعى إلى منعها”.أشار إيجيمي إلى أن “معظم الكوادر الصحية في هذه البلدان موجودة في أوروبا وأمريكا. يعاني قطاع الصحة من ضعف التمويل وقلة الموارد، والكوادر العاملة فيه تغادر البلاد”. وتتفاقم المشكلة بسبب ما وصفه بالمعايير المزدوجة الأوروبية: “يُمكنهم فتح أبوابهم للقادمين من أوكرانيا، لكن عندما يتعلق الأمر بالأفارقة، يُشددون القواعد”.

يُنظر إلى تكتيك الاتحاد الأوروبي المتمثل في ربط المساعدات الإنمائية بالتعاون مع أهدافه المتعلقة بالهجرة على أنه تكتيك استغلالي. تقول أيوك: “نعم، أعتقد أن الاتحاد الأوروبي يُقدّم مساعداتٍ للسيطرة على الهجرة. إنه يُحوّلها إلى سلاح، ويُحوّل المساعدات من التضامن إلى المصلحة الذاتية”. وأضافت: “أن مثل هذا النهج “يُقوّض الثقة والاحترام المتبادل بين أوروبا وأفريقيا”. أكد إيجيمي: “إنهم يفعلون ذلك دائمًا”، وأضاف: “في بعض الأحيان يضعون شروطًا عندما يريدون تقديم أي دعم”. اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ ترحيل 81 شخصًا إلى أفغانستان

القيادة الأفريقية تحت التدقيق

ورغم انتقادهم الشديد للتحول في سياسة الاتحاد الأوروبي، اتفق الخبراء على أن الحكومات الأفريقية تتحمل مسؤولية كبيرة عن الأزمة وسياسات الهجرة الصارمة تجاه مواطنيها. تقول أيوك: “أفريقيا هي المشكلة لأنها تفتقر إلى الوكالة الدولية، من يُفترض أن يمثلوا أفريقيا لا يمثلون المصلحة الجماعية لأفريقيا، بل المصالح الفردية للنخب”.يدعو بعض الخبراء القادة الأفارقة إلى إعادة صياغة شروط المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. أوضح إيجيمي: “للأسف، يتفاوضون من موقف ضعف. إنهم ضعفاء. اقتصاداتهم ضعيفة. سياسيًا، لا يحظون بشعبية حتى في بلدانهم، وبعضهم فاسد”. وأضاف: “في الماضي، في ظل العنصرية، كان الأفارقة يُجبرون على الهجرة، أما اليوم، فالشباب هم من يهربون، لأن البيئة غير مواتية”.

هل بقي هناك أي نفوذ لأفريقيا؟

رغم الانتقادات، يعتقد الخبراء أن أفريقيا ليست عاجزة، ويؤكدون أن قوة القارة لا تتحقق إلا بحشد الإرادة السياسية. تقول أيوك مشيرة إلى موارد القارة وتكتلاتها الإقليمية: “أفريقيا تمتلك الإمكانات، والنفوذ موجود. لكن أفريقيا تتطلب قيادة موحدة، وتحولًا من التبعية إلى تنمية ذاتية”. ويرى أووسو “ضرورة تسخير التكنولوجيا وضمان إدارة فعّالة للحدود الوطنية، حيث تفتقر العديد من الدول الأفريقية إلى التكنولوجيا اللازمة لمراقبة جميع حدودها. من الصعب جدًا إدارة هذه الحدود والتحكم في تدفق الأشخاص”.حذّر أووسو من أن نهج الاتحاد الأوروبي قد يكون له نتائج عكسية على الدول التي تبذل جهودًا حقيقية. ومع تزايد انعزالية أوروبا في سياساتها المتعلقة بالهجرة، قد تبدأ بعض الدول الأفريقية بالتحول نحو شراكات عالمية بديلة، على سبيل المثال مع دول البريكس أو مبادرات أخرى في دول الجنوب العالمي.

أشار أووسو إلى أن: “إذا استمرت أوروبا في استخدام مساعدات التنمية كوسيلة ضغط، فقد تُعزز أفريقيا علاقاتها مع القوى الناشئة مثل الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا. وأوضح: “كلما انطوى الغرب على نفسه بحثًا عن حلول، ازدادت سياساته عدائية، واتجهت أفريقيا نحو الشرق”.اقترح إيجيمي نهجًا مختلفًا قائلًا: “على أفريقيا أن تكون استراتيجية، وأن تُعظّم مصالحها، وأن تتفاوض من موقع قوة”. وأضاف: “إذا سافر العمال المهرة إلى الخارج، فربما ينبغي إبرام اتفاقية أو عقد يُرسِل الأموال إلى بلدانهم لتطوير أنظمة الصحة والتعليم”.

يتفق الخبراء على أن نموذج الاتحاد الأوروبي الحالي الذي يربط المساعدات بضبط الهجرة يهدد بإلحاق الضرر بالعلاقات طويلة الأمد مع أفريقيا، ويفشل في معالجة الأسباب الجذرية. تقول أيوك: “يجب إدارة الهجرة، نعم، ولكن ليس تأمينها أو تسييسها. نحن بحاجة إلى علاقات متبادلة قائمة على الاحترام والمساواة والعدالة”. أكد أووسو على ضرورة الاحترام المتبادل لتحقيق النتائج المرجوة. وأردف قائلًا: “على أوروبا أن تتوقف عن اعتبار أفريقيا المشكلة، وأن تبدأ بمعاملتها كشريك”. وأعاد إيجيمي تسليط الضوء على أفريقيا والحاجة إلى قيادة فعّالة، قائلاً: “أفريقيا ليست خالية من الفقر تمامًا، بل تُدار بشكل سيئ، وقد أفقرتها القيادة السيئة”.

 

تقييم وقراءة مستقبلية

ملامح التحول في سياسة ألمانيا تجاه الهجرة والترحيل

منذ موجة اللجوء الكبرى عام 2015، واجهت ألمانيا تحديًا مزدوجًا: استقبال طالبي اللجوء من جهة، وإدارة من لا يملكون حق البقاء من جهة أخرى.طوال السنوات الماضية، كانت سياسة الترحيل القسري تُطبق بتفاوت، وغالبًا ما اصطدمت بمعوقات قانونية أو سياسية أو إنسانية، خصوصًا نحو دول مثل أفغانستان وسوريا.

أظهرت  حكومة “إشارة المرور السابقة ” (الائتلاف الثلاثي: الاشتراكي الديمقراطي، الخضر، والديمقراطي الحر) نهجًا أكثر تحفظًا في ملفات الترحيل، لكن تصاعد الضغوط الداخلية وأحداث العنف الأخيرة غيّرت الحسابات السياسية.

تشديد متوقع على قواعد اللجوء والترحيل القسري

تصاعد الأصوات السياسية (خصوصًا من المحافظين – CDU/CSU) المطالبة بـ “النظام والانضباط” في ملف الهجرة، سيؤدي إلى زيادة في عمليات الترحيل، بما في ذلك إلى دول تعتبر “غير آمنة” كأفغانستان وسوريا.

ـ من المرجح أن تُعتمد آليات جديدة لاعتبار بعض المناطق “آمنة نسبيًا”، من أجل تجاوز العوائق القانونية والبدء بعمليات ترحيل أوسع.

تزايد الاتفاقيات الثنائية مع دول ثالثة: في ظل غياب علاقات رسمية مع بعض الأنظمة (مثل طالبان)، ستسعى ألمانيا لتكثيف التنسيق عبر وسطاء إقليميين مثل قطر .

سوف تلجأ برلين لتوقيع اتفاقيات إعادة قبول اللاجئين مع دول المنشأ أو العبور مقابل دعم مالي أو مشاريع تنموية، على غرار اتفاقها السابق مع تونس أو المغرب.

الفصل بين الهجرة الاقتصادية واللجوء:ألمانيا تمضي في اتجاه فتح الهجرة المنظمة لسد النقص في العمالة خصوصًا في قطاع الصحة والبناء والتكنولوجيا، لكن في الوقت نفسه ستُشدد على منع “الهجرة غير النظامية” عبر اللجوء كغطاء.

ـ هذا التوجه سيُترجم إلى تشديد إجراءات اللجوء على الحدود، وتسريع البت بطلبات الحماية، والترحيل السريع لمن يُرفض طلبه.

تحوّل في المزاج السياسي والشعبي: صعود الأحزاب اليمينية الشعبوية مثل “البديل من أجل ألمانيا AfD”  وضغط الرأي العام، خاصة بعد أحداث عنف ارتكبها لاجئون أو مهاجرون، سيدفع الحكومة لتبنّي سياسات أكثر صرامة في الترحيل.

 سيكون الاتجاه العام في ألمانيا يميل نحو تشديد سياسة الترحيل، خصوصًا في ظل الضغط السياسي والشعبي المتزايد. في المقابل، تحتاج الحكومة الألمانية إلى موازنة دقيقة بين متطلبات الأمن والهجرة، وبين القيم الحقوقية والدستورية التي تُشكل جوهر النظام الديمقراطي.

من المرجح أن تلعب الدبلوماسية الألمانية دورًا محوريًا في بناء شراكات جديدة لتسهيل العودة الآمنة والمنظمة للمهاجرين غير الشرعيين. كما يُتوقع أن تُمثل أدوات التكنولوجيا والهويات الرقمية والرقابة الحدودية المتقدمة جزءًا من أدوات ألمانيا المستقبلية في ضبط الهجرة غير النظامية.

تعكس التطورات في سياسة الهجرة الألمانية تحوّلًا واضحًا نحو نهج أكثر تشددًا، مع سعي برلين لتولي زمام المبادرة الأوروبية في ملف الهجرة.

التوافق الذي أُعلن بين ألمانيا وخمس دول أوروبية أخرى يشير إلى رغبة جماعية في إعادة فرض السيطرة على الحدود ومواجهة التحديات المتزايدة للهجرة غير النظامية.

أصبح الترحيل إلى دول مثل أفغانستان وسوريا، رغم المخاوف الحقوقية، جزءًا من خطاب واقعي جديد يركّز على “الردع” وتعزيز الثقة في النظام.

يُنظر إلى الدعوة لتفعيل مراكز العودة خارج الاتحاد الأوروبي وتوسيع صلاحيات “فرونتكس” كمؤشرات على تحول جذري في منطق التعامل مع اللاجئين من نهج الاستقبال إلى نهج الحماية الخارجية.

تُظهر التصريحات المشتركة تركيزًا متصاعدًا على محاربة شبكات التهريب وتعزيز التعاون مع دول العبور والمنشأ.

من المرجح أن هذا الاتجاه سيقود إلى مزيد من التوتر بين المواقف الحقوقية والمصالح الأمنية، خاصة مع تزايد الضغوط السياسية الداخلية في الدول الأوروبية.

بالنظر إلى الديناميات الحالية، يبدو أن سياسة اللجوء الأوروبية ستشهد خلال السنوات المقبلة مزيدًا من التقييد والانضباط تحت شعار “التحكم بدلاً من الفوضى”.

**

يُعدّ ربط مساعدات التنمية الأوروبية بالتعاون في قضايا الهجرة تحوّلًا استراتيجيًا يكرّس نهجًا “معاملاتيًا” يُهدّد بتقويض أسس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية. فبدلًا من معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، كالفقر، وسوء الحُكم، والصراعات، اختار الاتحاد سياسة الضغط عبر أدوات التمويل، ما يضع الدول المتلقية أمام خيار صعب، إما التعاون الأمني أو تقليص الدعم التنموي.

لا يُراعي هذا النهج التفاوتات البنيوية بين الجانبين، ويعزز علاقات غير متكافئة، تُظهر فيها أوروبا وكأنها تُملي شروطها مقابل “المساعدة”. ومع تصاعد النقد الأفريقي، يُخشى من أن يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة، وتعميق الانقسامات، بل وربما إعادة تموضع أفريقيا في تحالفات بديلة مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا.

على المدى المتوسط، قد تستمر بعض الدول في الاستجابة للضغوط الأوروبية بحكم هشاشة اقتصاداتها، لكن ذلك لن يُنتج حلولًا مستدامة. فاستقرار القارة مرتبط بتمكين داخلي، وقيادة رشيدة، واستثمارات تنموية حقيقية، لا بسياسات ردع خارجي.

إذا لم يُراجع الاتحاد الأوروبي استراتيجيته الحالية، فسيُجازف بفقدان شراكته الاستراتيجية مع أفريقيا، ويفتح الباب أمام ترتيبات عالمية جديدة تُقلّص من نفوذ أوروبا في إفريقيا.

**

إشادة وزير الداخلية الألماني بجهود بولندا تكشف عن إدراك متزايد لدى الدول الأوروبية بخطورة “الهجرة كسلاح”، وتُبرز تحوّل الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي إلى جبهة أمنية متقدمة في مواجهة سياسات روسية وبيلاروسية يُعتقد أنها تستهدف زعزعة الاستقرار من خلال دفع موجات بشرية باتجاه أوروبا.

من المرجح أن يشهد الاتحاد الأوروبي مزيدًا من التشدد في سياسات حماية الحدود، مصحوبًا بزيادة في الإنفاق الأمني والتقني، لا سيما عند نقاط العبور الحساسة.

بات متوقعا تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، ليس فقط على مستوى ضبط الحدود، بل في صياغة استراتيجية موحدة تربط الأمن الداخلي بالأمن الخارجي الأوروبي.

قد تثير هذه الإجراءات تحديات قانونية وإنسانية، خاصةً مع تنامي الانتقادات من المنظمات الحقوقية بشأن التعامل مع المهاجرين. وبينما يبدو التنسيق البولندي الألماني واعدًا، فإن مستقبل هذه السياسات سيعتمد على مدى قدرتها على الموازنة بين الحماية والالتزام بالقيم الأوروبية.

نحو سياسة ألمانية أكثر تشددًا في ملف الهجرة واللجوء

تشير التطورات الأخيرة، وعلى رأسها ترحيل دفعة جديدة من المهاجرين الأفغان إلى كابول، إلى أن ألمانيا بصدد الدخول في مرحلة جديدة من التعامل مع ملف الهجرة واللجوء، تتسم بالحزم وتكثيف إجراءات الترحيل، حتى في ظل التعقيدات السياسية والدبلوماسية. فعلى الرغم من عدم وجود علاقات رسمية مع نظام طالبان، تحاول الحكومة الألمانية تجاوز هذا العائق عبر وساطة دولية، أبرزها قطر، التي باتت تؤدي دورًا محوريًا في تسهيل عمليات الترحيل غير المباشرة.

من الواضح أن المزاج السياسي في برلين يشهد انزياحًا تدريجيًا نحو اليمين، في ظل صعود الأصوات المحافظة والضغط المتزايد من الأحزاب الشعبوية، مما يدفع الحكومة لتشديد خطابها السياسي، واتخاذ خطوات عملية تهدف إلى طمأنة الرأي العام. وتترافق هذه التحولات مع ارتفاع في مستوى العنف المرتبط ببعض المهاجرين أو طالبي اللجوء، وهو ما يُستخدم كورقة ضغط لتبرير السياسات الأكثر صرامة.

في المرحلة القادمة، ستتجه ألمانيا إلى تفعيل عدد من الآليات التي من شأنها إعادة تشكيل سياسة اللجوء والهجرة، وفق منظور أمني وإداري أكثر انضباطًا. من المتوقع أن تشمل هذه الإجراءات:

  • توسيع نطاق تعريف المناطق الآمنة في بلدان مثل أفغانستان وسوريا، ما سيسمح قانونيًا بترحيل عدد أكبر من اللاجئين المرفوضة طلباتهم.
  • إبرام اتفاقيات ثنائية جديدة مع دول المنشأ أو العبور، تتيح إعادة قبول المهاجرين مقابل دعم مالي أو تنموي، كما جرى سابقًا مع بعض الدول المغاربية.
  • الفصل المؤسسي بين الهجرة الاقتصادية واللجوء الإنساني، بحيث تُفتح مسارات شرعية منظمة لجذب العمالة المتخصصة، بينما تُغلق الأبواب أمام محاولات الدخول غير النظامي عبر قنوات اللجوء.
  • استخدام أدوات التكنولوجيا والرقابة الحدودية المتقدمة لرصد الدخول غير القانوني، وتحديد هوية المهاجرين، وتسريع إجراءات البت والترحيل.

ولا يمكن فهم هذه السياسات دون الربط بينها وبين السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتجه معظم دول فضاء الشنغن نحو تنسيق سياسات اللجوء على أساس تشاركي أكثر صرامة، يتضمن توزيعًا “عادلًا” للمسؤولية، ولكن أيضًا إجراءات أكثر سرعة في الردع والعودة.

ألمانيا، بصفتها القوة الاقتصادية والديمغرافية الأكبر في الاتحاد الأوروبي، تتحمل العبء الأكبر، لكنها في الوقت نفسه تسعى لقيادة التحول الأوروبي نحو نظام هجرة “قابل للإدارة”، يُوازن بين القيم الإنسانية من جهة، والضغوط السياسية والاقتصادية من جهة أخرى.

الخلاصة أن ألمانيا لن تعود إلى سياسة “الترحيب المفتوح” التي عرفتها في 2015، بل ستسير في اتجاه سياسة هجينة: تُشجع الهجرة القانونية والانتقائية، وتشدد في ملف اللجوء غير النظامي، مستخدمةً كل أدواتها السياسية والدبلوماسية والتقنية لتنفيذ ذلك على الأرض.

**

هل نشهد نهاية موجة الهجرة البولندية إلى ألمانيا؟

التراجع الملحوظ في أعداد المهاجرين البولنديين إلى ألمانيا خلال عام 2024 لا يُعد حدثًا عابرًا، بل يمثل بداية لتحوّل أعمق في أنماط الهجرة الأوروبية، قد يعيد رسم الخريطة الديموغرافية والاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل.

من المرجح أن يتواصل هذا الانخفاض في أعداد المهاجرين من بولندا، وربما من دول أوروبا الشرقية عمومًا، بفعل مجموعة من العوامل المتراكمة. ففي ظل استمرار التقارب الاقتصادي بين شرق وغرب أوروبا، ومع تحسّن مؤشرات التنمية داخل بولندا (خصوصًا معدلات النمو، وانخفاض البطالة، وارتفاع القدرة الشرائية)، ستفقد ألمانيا تدريجيًا موقعها كوجهة أولى للعمالة البولندية.

بل إن بعض المدن البولندية، مثل وارسو وكراكوف، بدأت تجذب الكفاءات البولندية التي سبق أن هاجرت للعمل في الخارج، وهو ما ينبئ بعكس حركة الهجرة على نحو متزايد. ومع إعلان الحكومة البولندية عن خطط لتحفيز عودة العقول المهاجرة واستثمارها في الداخل، قد نكون أمام مرحلة جديدة عنوانها “الهجرة العكسية”.

بالنسبة لألمانيا، فإن هذا التحول يُنذر بتحديات بنيوية في سوق العمل، لا سيما في القطاعات التي لطالما اعتمدت على عمالة من بولندا ودول أوروبا الشرقية، مثل التمريض، والرعاية، والبناء، والزراعة. وإذا لم تنجح الحكومة الألمانية في تعويض هذا النقص من خلال استقطاب كفاءات من دول أخرى (ربما من خارج الاتحاد الأوروبي)، فقد تواجه فجوات في العرض العمالي قد تؤثر في إنتاجية بعض القطاعات الحيوية.

سياسيًا، يمكن لهذا الاتجاه أن يُغذي النقاشات الداخلية حول الهجرة، ويدفع الحكومة الألمانية نحو إعادة تقييم سياساتها الخاصة بالتوظيف والهجرة المنظمة. كما قد يسهم في تعزيز التعاون الثنائي مع بولندا في مجالات التدريب المهني، والهجرة الدائرية، وربما تشجيع استثمارات ألمانية في المدن البولندية الصاعدة.

أوروبياً، سيُعيد هذا التحول رسم توازنات القوى الاقتصادية والديموغرافية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ستكتسب دول شرق ووسط أوروبا مزيدًا من الثقل بفعل تنامي دورها كمراكز استقرار وجذب، بعد أن كانت لعقود مناطق طاردة للهجرة.

في المحصلة، قد لا تكون ألمانيا بعد اليوم “الحلم الاقتصادي” للمهاجرين البولنديين، كما كانت في العقدين الماضيين. والسنوات المقبلة ستشهد على الأرجح استمرار هذا التحول، مع تصاعد دور بولندا كمركز اقتصادي صاعد قادر على استبقاء مواطنيه، بل وربما جذب مهاجرين جدد من مناطق أخرى.

انعكاسات اجتماعية وأمنية محتملة

التحول في مسار الهجرة البولندية من ألمانيا باتجاه العودة إلى الداخل أو التوجه إلى وجهات أوروبية أخرى لن يكون بلا أثر على المستوى الاجتماعي والأمني في ألمانيا. فعلى مدى عقود، لعبت الجاليات البولندية دورًا مهمًا في سد فجوات العمالة، خصوصًا في قطاعات الرعاية الصحية والخدمات. وبالتالي، فإن تناقص هذه اليد العاملة قد يؤدي إلى ضغط اجتماعي متزايد على البنية التحتية للرعاية، لا سيما مع تسارع شيخوخة السكان الألمان وازدياد الطلب على الخدمات الاجتماعية.

على المستوى الأمني، ورغم أن الجاليات البولندية تُعد من الأقل إشكالية في ألمانيا من حيث المؤشرات الجنائية أو التماهي مع شبكات متطرفة، فإن أي فراغ في سوق العمل قد يُغري جماعات إجرامية منظمة أو شبكات استغلال العمالة من خارج أوروبا بملء هذا الفراغ، ما يتطلب من السلطات الألمانية تكثيف الرقابة على عمليات التوظيف العابرة للحدود، ومراقبة شبكات الاستقدام غير الشرعي.

من جهة أخرى، قد ينعكس هذا التحول على خطاب الاندماج في ألمانيا، إذ أن مغادرة أعداد كبيرة من البولنديين، وهم من خلفية ثقافية قريبة نسبيًا من المجتمع الألماني، قد يُعقّد من جهود إدماج مهاجرين من خلفيات ثقافية ودينية أكثر تنوعًا، لا سيما إذا تم استقطابهم لسد الفجوات في سوق العمل.

في المحصلة، لا يمكن فصل التحولات الاقتصادية عن آثارها الاجتماعية والأمنية، وستحتاج ألمانيا في المرحلة المقبلة إلى مراجعة شاملة لسياسات الهجرة والاندماج، تأخذ في الحسبان ليس فقط من يأتي إلى البلاد، بل أيضًا من يغادرها ولماذا.

ماذا تعني عودة البولنديين لألمانيا ولأوروبا الشرقية؟

يشير الانخفاض الملحوظ في أعداد المهاجرين البولنديين إلى ألمانيا، بل وتفوق أعداد العائدين إلى بولندا، إلى تحول بنيوي في خارطة الهجرة الأوروبية. فمع تقارب مستويات الدخل وتحسن مؤشرات الاقتصاد في بعض دول أوروبا الشرقية، ولا سيما بولندا، يبدو أن فكرة “الهجرة من أجل الفرص” لم تعد كما كانت في العقود السابقة. فقد تحوّلت بولندا من دولة مصدِّرة للعمالة إلى دولة جاذبة، ما يعكس نجاحًا نسبيًا في التنمية الاقتصادية ورفع مستويات المعيشة. من المتوقع أن تستمر هذه الاتجاهات في السنوات القادمة، مدفوعة بعدة عوامل:

تراجع الجاذبية الاقتصادية لألمانيا في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع التضخم، والمخاوف من الركود.

صعود الحس الوطني في بولندا وتشجيع الحكومة البولندية للمواطنين على العودة والاستثمار في الاقتصاد المحلي.

استقرار سوق العمل البولندي وارتفاع الأجور نسبيًا، ما يجعل الهجرة أقل إغراءً للشباب البولندي. لكن هذا التحول لا يخلو من تداعيات، خاصة على ألمانيا، التي تعاني من نقص كبير في الكوادر المهنية والعمال المهرة. ومع تراجع أعداد المهاجرين من أوروبا الشرقية، قد تضطر ألمانيا إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة والانفتاح على أسواق عمل جديدة خارج الاتحاد الأوروبي، ما قد يُعقّد تحديات الاندماج الثقافي والاجتماعي.

كما قد يُشكّل هذا التحول بداية لإعادة توازن ديموغرافي داخل الاتحاد الأوروبي، يُعيد تعزيز اقتصادات الدول التي كانت في السابق تعاني من نزيف في الكفاءات والعمالة. وفي المقابل، ستجد دول غرب أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، نفسها في مواجهة معضلة: كيف تحافظ على قوة سوق العمل دون الاعتماد الكامل على الهجرة الأوروبية التقليدية؟

يمثل هذا التحول فرصة لبولندا، وتحديًا لألمانيا، ونقطة انطلاق جديدة للنقاش حول مستقبل الهجرة والتوازن الاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي.

رابط نشر مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106609

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...