المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة في ألمانيا ـ ما التغييرات التي طرأت على قانون اللجوء؟
يُشدد البرلمان الألماني قانون اللجوء، من خلال إجراءات أسرع، وضوابط أكثر صرامة، وقواعد جديدة للعمل. . أقرّ البرلمان الألماني (البوندستاغ) قوانين لجوء أكثر صرامة وتسهيلات في دخول طالبي اللجوء إلى سوق العمل. وصوّت كل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي CDU/CSU/SPD لصالح هذه القوانين، بينما صوّت ضدها كل من حزب البديل من أجل ألمانيا AFD، وحزب الخضر، وحزب اليسار. وبذلك، يُطبّق الائتلاف الحاكم في ألمانيا، في معظمه، إصلاحا سبق الاتفاق عليه على مستوى الاتحاد الأوروبي في عام 2024.
يجري تسريع إجراءات الاختصاص القضائي في أوروبا
تشمل الجوانب الرئيسية للإصلاح إجراء فحوصات إلزامية للهوية عند الوصول، وإجراءات اللجوء على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لطالبي اللجوء من الدول ذات معدلات الاعتراف المنخفضة. وتتأثر ألمانيا، باعتبارها دولة تقع في قلب أوروبا، بهذا الأمر فقط فيما يتعلق بالمطارات والموانئ الدولية. وفي حال رفض طلباتهم، قد يتم ترحيل طالبي اللجوء مباشرة من هذه المواقع. يتم اختصار إجراءات طالبي اللجوء الذين سبق لهم تقديم طلباتهم في دولة عضو أخرى. كما سيُتاح نقلهم إلى الدولة المسؤولة عن الإجراءات المعنية لفترات أطول، على سبيل المثال، في حال اختفى أحدهم خلال هذه الفترة. ويمكن للدول إنشاء ما يسمى بمراكز الهجرة الثانوية، مع منح تصاريح إقامة إلزامية، لإيواء الأشخاص الذين يغادرون ألمانيا لأن دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي ستكون مسؤولة عن قضاياهم.
السماح لبعض طالبي اللجوء بالعمل في وقت مبكر
بالإضافة إلى ذلك، سيُسمح لطالبي اللجوء المقيمين في مراكز الاستقبال بالعمل في ألمانيا بعد ثلاثة أشهر فقط. حتى العام 2026، يُفرض حظر فعلي على عمل طالبي اللجوء المقيمين في مراكز الاستقبال لمدة ستة أشهر. أما من غادروا هذه المراكز، فيُسمح لهم الآن بالعمل بعد ثلاثة أشهر. ويجوز لوكالة العمل الاتحادية منح استثناءات لسكان مراكز الاستقبال الأولية في حالات معينة. انتقد حزب البديل من أجل ألمانيا الإجراءات الأكثر صرامة ووصفها بأنها غير كافية. وصرح النائب ماكسيميليان كراه قائلا: “ما تقدمونه هنا مجرد خدعة”. لكن لوكاس بينر، من حزب الخضر، تحدث عن “أهم تشديد لقانون اللجوء منذ عام 1993”. وبينما يجب تطبيق القواعد الأوروبية، جادل بأن الائتلاف الحاكم قد استخدم صلاحياته التقديرية بقسوة مفرطة. وفي إشارة خاصة إلى القيود المفروضة على حركة طالبي اللجوء، قال إن هذا “خاطئ ومثير للإشكاليات للغاية بموجب القانون الدستوري”.
انتقادات من حزب الخضر واليسار
أعلنت كلارا بونغر، من حزب اليسار الألماني، أن الإصلاح سيؤدي إلى “مزيد من الفوضى والمعاناة وانعدام القانون” بدلا من النظام الذي وعد به وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي. وقال دوبريندت إن سياسة الهجرة الأوروبية كانت مختلة لسنوات، وأشاد بالإصلاح باعتباره خطوة مهمة إلى الأمام. وعد السياسي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، سيباستيان فيدلر، قائلا: “سيحصل المحتاجون للحماية عليها”. ورفض اتهامات حزب اليسار وحزب الخضر الألماني بإمكانية احتجاز الأطفال، مؤكدا أن الأمر يتعلق باستثناء نادر للأطفال الذين تم احتجاز آبائهم. انخفض عدد طالبي اللجوء في ألمانيا لأول مرة منذ العام 2023. فبينما قُدم ما يقارب 230 ألف طلب لجوء مبدئي في عام 2024، تراجع هذا العدد إلى حوالي 113 ألف طلب في العام 2025. ويرجح الخبراء أن يكون لتغيير السلطة في سوريا في ديسمبر 2024 دور في هذا الانخفاض، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود الداخلية.
النتائج
يشير تشديد قانون اللجوء في ألمانيا إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف الهجرة، تتسم بمحاولة تحقيق توازن بين ضبط الحدود والحفاظ على الالتزامات الإنسانية. ومن المتوقع أن تؤثر هذه التعديلات في عدة مستويات، وطنيا وأوروبيا، خلال السنوات القليلة المقبلة.
على المستوى الداخلي، قد تسهم تسريع الإجراءات وتقليص مدد الانتظار في خفض الضغط على مراكز الاستقبال والمحاكم الإدارية. فكلما حُسمت الطلبات بسرعة، تراجعت حالات الإقامة الطويلة غير المستقرة. غير أن تسريع الإجراءات يظل مرهونا بقدرة الإدارات على توفير كوادر كافية وضمان جودة القرارات، حتى لا يؤدي عامل السرعة إلى ارتفاع معدلات الطعن القضائي وما يرافقه من أعباء إضافية.
أما السماح لطالبي اللجوء بالعمل بعد ثلاثة أشهر، فيحمل أبعادا اقتصادية مهمة. في ظل النقص المستمر في العمالة الماهرة وشبه الماهرة، قد يشكل هذا الإجراء فرصة لدمج شريحة من الوافدين مبكرا في سوق العمل، مما يقلل الاعتماد على المساعدات الاجتماعية ويعزز الاندماج اللغوي والمهني. لكن نجاح ذلك سيتوقف على توافر برامج تأهيل فعالة، وسرعة الاعتراف بالمؤهلات، واستعداد أرباب العمل للانخراط في هذه العملية.
على المستوى الأوروبي، يعكس الإصلاح اتجاها نحو تنسيق أكبر بين الدول الأعضاء، خاصة فيما يتعلق بمسؤولية دراسة الطلبات وإعادة من سبق لهم التقديم في دول أخرى. وإذا طُبقت هذه القواعد بصرامة وتعاون فعلي، فقد تحد من ظاهرة التنقل غير النظامي داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن التجربة السابقة أظهرت أن توزيع الأعباء بين الدول يظل نقطة خلاف مزمنة، ما قد يحد من فعالية النظام الجديد.
من المرجح أن يبقى ملف اللجوء موضوعا محوريا في النقاش العام، خاصة في ظل صعود الأحزاب الشعبوية وانتقادها المتواصل لأي إجراءات تعتبرها غير كافية. وفي المقابل، ستواصل منظمات حقوق الإنسان مراقبة التطبيق العملي للقانون، خصوصا ما يتعلق بالاحتجاز والقيود على الحركة، تحسبا لأي تعارض محتمل مع الدستور أو الاتفاقيات الدولية.
يمكن القول إن مستقبل هذه الإصلاحات سيقاس بمدى قدرتها على تحقيق ثلاثة أهداف متوازنة: تسريع عادل للإجراءات، اندماج اقتصادي حقيقي لمن يُسمح لهم بالبقاء، والحفاظ على المعايير القانونية والإنسانية. فإذا تحقق هذا التوازن، قد يشكل النموذج الألماني مرجعية أوروبية جديدة. أما إذا اختل، فقد تتجدد دوامة الجدل والانقسام حول سياسة اللجوء في ألمانيا وأوروبا.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115595
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
