خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة ـ هل تفقد ألمانيا مكانتها كوجهة لللاجئين بسبب تشديد الحدود؟
منذ تولي الحكومة الألمانية الجديدة مهامها خلال العام 2025، اتخذت وزارة الداخلية الاتحادية نهجًا أكثر تشددًا تجاه الهجرة غير النظامية، في خطوة تهدف إلى الحد من تدفق المهاجرين عبر الحدود الألمانية. وقد أعلن وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت عن رفض 12 ألف محاولة دخول غير قانونية إلى البلاد خلال الفترة التي تلت بدء تنفيذ السياسات الجديدة، مشيرًا إلى أن ذلك تم منذ الثامن من مايو 2025.
صرّح دوبريندت: “أن من بين هؤلاء الذين تم رفض دخولهم، حوالي 660 شخصًا فقط تقدموا بطلبات لجوء”، وهو ما اعتبره الوزير دليلًا على نجاح الإجراءات في ردع المهاجرين قبل وصولهم إلى داخل الأراضي الألمانية. أضاف دوبريندت: “لقد انتشر سريعًا خبر أن ألمانيا لم تعد وجهة يسهل الوصول إليها”، وهو ما انعكس، برأيه، على انخفاض عدد طلبات اللجوء مقارنة بالفترات السابقة.
تشديد الرقابة على الحدود الخارجية
السياسة الجديدة التي تبنّاها دوبريندت تمثّلت في تشديد الرقابة على الحدود الخارجية لألمانيا، لا سيما في المناطق التي كانت تخضع سابقًا لنظام رقابة متقطعة، أي غير دائمة، مما فتح ثغرات استُغلّت من قبل المهاجرين غير النظاميين. وقد تم تنفيذ هذه الإجراءات بناءً على أمر وزاري مباشر، يتضمن توجيهًا بإعادة طالبي اللجوء من عند الحدود مباشرة، وهو الإجراء الذي أثار جدلًا قانونيًا كبيرًا داخل الأوساط الحقوقية والسياسية.
تأتي هذه الإجراءات في إطار برنامج حكومي أوسع يهدف إلى “استعادة السيطرة على الهجرة”، وفقًا لتعبير الوزير. إلا أن هذا البرنامج يواجه انتقادات من المنظمات الحقوقية وبعض الأحزاب السياسية التي ترى فيه تجاوزًا للمعايير الإنسانية والالتزامات الدولية التي قطعتها ألمانيا على نفسها، خصوصًا بعد أزمة اللاجئين في عام 2015.
لا رقم محدد للهجرة، لكن “هناك حدود”
رغم الضغوط السياسية، رفض وزير الداخلية تحديد رقم معين للهجرة السنوية إلى ألمانيا، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في العدد، بل في القدرة على الاندماج والتعامل مع أعباء الخدمات العامة. أكد: “لا يمكننا أن نواصل استقبال المزيد والمزيد دون حساب. هناك حدود لما يمكن لأي مجتمع تحمّله. كل حالة جديدة تضاف إلى أعباء السنوات السابقة”. أوضح الوزير: “أن الوضع لا يمكن معالجته بمجرد تحديد رقم معين، بل يجب النظر إلى الصورة الكاملة والتراكمات على مدى عشر سنوات”.
ردود الفعل والانقسامات
أثارت هذه التصريحات والإجراءات الجديدة ردود فعل متباينة داخل ألمانيا. فقد رحب بها التيار المحافظ وبعض الأصوات داخل الحزب الديمقراطي المسيحي، معتبرين أن تشديد الإجراءات على الحدود هو خطوة ضرورية لحماية الأمن الداخلي والنظام العام. في المقابل، عبّرت أحزاب يسارية ومنظمات غير حكومية عن مخاوفها من تحوّل ألمانيا إلى دولة طاردة للاجئين، وناشدت الحكومة احترام مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
أن البعد الأوروبي لا يمكن إغفاله، إذ إن تشديد الحدود الوطنية يتعارض مع مبادئ حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي، ويعيد إلى الواجهة الخلافات القديمة حول كيفية توزيع اللاجئين والتعامل مع الحدود الخارجية للاتحاد بشكل مشترك، بدلًا من الانفراد بالإجراءات الوطنية.
تساؤلات مستمرة
بينما تستمر عمليات الرفض عند الحدود، يطرح المراقبون تساؤلات جوهرية حول مستقبل سياسة الهجرة الألمانية: هل تمضي ألمانيا فعلًا نحو إغلاق تدريجي لأبوابها؟ أم أن هذه الإجراءات مجرد مرحلة مؤقتة للحد من التراكمات القديمة؟ وفي كل الأحوال، فإن نقاش الهجرة سيبقى في صلب السياسة الداخلية في ألمانيا، لا سيما في ظل ارتفاع التوترات الاجتماعية واشتداد المنافسة الحزبية.
إعادة توطين عائلات أفغانية في ألمانيا
قررت الحكومة الألمانية، في الأول من سبتمبر 2025 إعادة توطين 10 عائلات أفغانية في ألمانيا، بعد تعليق إعادة توطين اللاجئين الأفغان المعرّضين للخطر لعدة أشهر. كانت المحاكم الألمانية قد قضت، في ما لا يقل عن 20 قضية، بأن برلين ستحتاج إلى الوفاء بالتزاماتها السابقة بإصدار تأشيرات كانت جزءًا من خطة إنسانية للأفغان الذين يواجهون تهديدات خاصة، بعد تولي طالبان السلطة في عام 2021. لم تحصل العائلات العشر، التي تضم 47 فردًا، والتي كانت في طريقها إلى ألمانيا، على التأشيرات إلا بعد لجوئها إلى المحكمة.
حملة أوسع نطاقًا على الهجرة
كانت الحكومة الألمانية، بقيادة الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) ، قد أوقفت إعادة توطين اللاجئين الأفغان الذين كان من المقرّر قبولهم، في مايو 2025، وسط حملة أوسع نطاقًا على الهجرة. وقد نقلت الخطة نحو 45 ألف أفغاني إلى ألمانيا منذ عام 2022، بما في ذلك الأفغان الذين عملوا في القوات المسلحة الألمانية قبل سقوط الحكومة المدعومة من الغرب في عام 2021. وقد أثارت التقارير، التي زعمت عدم كفاية عمليات فحص الأمن للوافدين، شكوكًا حول هوية بعض الوافدين الأفغان في العام 2025.
في المعارضة آنذاك، انتقد حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الرحلات الجوية، معتبرًا إياها تقوّض جهود الحد من الهجرة غير النظامية. في يوليو 2025، أوقفت الحكومة بقيادة الحزب، رحلات إعادة التوطين من أفغانستان، بل علّقت أيضًا جميع برامج التأشيرات الإنسانية الطوعية، بهدف إنهائها نهائيًا.
في هذه المرحلة، ينتظر نحو 2000 أفغاني، وُعِدوا بالقبول، مغادرتهم إلى ألمانيا في باكستان، بسبب إغلاق السفارة الألمانية في كابول بعضهم ينتظر منذ سنوات. قد تفاقمت أوضاعهم، بعد أن رفضت إسلام آباد تمديد التأشيرات للاجئين الأفغان العابرين، وتحركت لطرد المئات منهم.
النتائج
يمثل قرار الحكومة الألمانية بإعادة توطين عائلات أفغانية تحوّلاً حذرًا بعد التجميد في برامج اللجوء الإنساني، في ظل تنامي الضغوط الحقوقية والقضائية. إلا أن القرار لا يغطي سوى جزء ضئيل من الالتزامات السابقة، ما يفتح الباب أمام انتقادات مستمرة للحكومة، خاصة في ضوء الوضع الإنساني المتدهور للاجئين في باكستان.
المستقبل القريب قد يشهد تصاعدًا في القضايا القانونية ضد الحكومة الألمانية، خاصة من اللاجئين الذين ينتظرون تنفيذ وعود التوطين. كما أن سياسة الهجرة قد تُعيد إنتاج أزمة ثقة بين ألمانيا وشركائها في برامج الإجلاء السابقة، لا سيما الولايات المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.
قد تضطر الحكومة الألمانية إلى إعادة النظر في موقفها إذا تفاقمت الظروف في باكستان أو ازداد الضغط الداخلي من الأحزاب المعارضة والمنظمات الإنسانية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108565
