المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة ـ هل تتحول الرقابة على الحدود إلى سياسة دائمة في ألمانيا؟
مدد وزير الداخلية الاتحادي الألماني ألكسندر دوبريندت إجراءات مراقبة الحدود الداخلية البرية حتى شهر سبتمبر 2026 على الأقل، في خطوة تعكس استمرار الحكومة الألمانية في تبني نهج حازم في قضايا الهجرة والأمن. ووفقا لبيان صادر عن وزارة الداخلية الاتحادية، تم إبلاغ المفوضية الأوروبية بأن العمل بالضوابط المعاد فرضها سابقا سيستمر لما بعد 15 مارس لمدة ستة أشهر مبدئيا، ما يعني عمليا بقاء الإجراءات سارية. يؤكد دوبريندت، أن هذه التدابير لا تزال ضرورية في ظل التحديات المرتبطة بسياسات الهجرة والأوضاع الأمنية. ويستند موقفه إلى قناعة مفادها أن الرقابة على الحدود تمثل أداة مكملة لإعادة تنظيم سياسة الهجرة في ألمانيا، خصوصا في ظل الضغوط المستمرة على أنظمة الاستقبال والإيواء، وتزايد أعداد الوافدين عبر طرق الهجرة غير النظامية. وقد صرح متحدث باسم الوزارة بأن “إجراءات الرقابة الحدودية هذه لا تزال ضرورية لأسباب تتعلق بسياسات الهجرة والأمن القائمة”، في إشارة إلى استمرار المخاوف من الهجرة غير الشرعية وشبكات التهريب.
توسع تدريجي وفرض ضوابط إضافية
تأتي هذه الخطوة في سياق توسع تدريجي في نطاق الضوابط خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2015، تُطبق عمليات تفتيش دائمة على الحدود مع النمسا، وذلك في أعقاب أزمة اللجوء التي شهدتها أوروبا آنذاك. وفي أكتوبر 2023، قررت وزيرة الداخلية الاتحادية السابقة نانسي فايزر فرض ضوابط إضافية على الحدود مع بولندا وجمهورية التشيك وسويسرا. ثم توسعت الإجراءات مجددا في سبتمبر 2024 لتشمل الحدود مع الدنمارك وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا، ما جعل معظم الحدود البرية لألمانيا خاضعة لنوع من الرقابة. وعقب توليه منصبه في مايو 2025، عمد دوبريندت إلى توسيع هذه الضوابط المؤقتة وتكثيفها، مع الالتزام بإخطار المفوضية الأوروبية وفقا للقواعد المنظمة لمنطقة شنغن. كما أصدر مرسوما يسمح بإعادة طالبي اللجوء عند الحدود الداخلية، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل ألمانيا وخارجها. ورغم ذلك، تنص التعليمات على وجود استثناءات إنسانية تشمل النساء الحوامل، والقاصرين غير المصحوبين بذويهم، والأشخاص الذين يعانون من أوضاع صحية حرجة.
سياسات الهجرة تثير نقاشا سياسياً حاداً
تثير هذه السياسة نقاشا سياسيا حادا داخل ألمانيا. فقد انتقد حزب الخضر استمرار الرقابة على الحدود الداخلية، معتبرا أنها تتعارض مع روح التكامل الأوروبي ومبادئ حرية التنقل التي تقوم عليها منطقة شنغن. وقال المتحدث باسم الحزب لشؤون السياسة الداخلية، مارسيل إميريش، إن توسيع نطاق الرقابة “يضر بأوروبا، ويشل عمل الشرطة، ويثقل كاهل الاقتصاد، وينتهك القانون القائم من خلال عمليات الإعادة القسرية”. ويرى منتقدو هذه الإجراءات أن الاعتماد المتزايد على الضوابط الحدودية قد يؤدي إلى تقويض أحد أهم إنجازات الاتحاد الأوروبي، والمتمثل في إزالة الحواجز بين الدول الأعضاء. في المقابل، تدافع الحكومة عن موقفها باعتباره إجراء مؤقتا ومتناسبا مع التحديات القائمة. وتشير إلى أن قواعد شنغن نفسها تسمح بإعادة فرض الرقابة في حالات استثنائية تهدد النظام العام أو الأمن الداخلي. وتؤكد أن الهدف ليس إغلاق الحدود بشكل دائم، بل تعزيز القدرة على ضبط تدفقات الهجرة والتصدي لشبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن تحسين تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية.
التداعيات المحتملة لسيسات اللجوء والهجرة
اقتصاديا، يثير استمرار الرقابة مخاوف لدى قطاعات الأعمال والنقل، خصوصا في المناطق الحدودية التي تعتمد على الحركة اليومية للعمال والبضائع. وقد حذرت بعض الاتحادات الصناعية من أن التأخيرات المتكررة عند المعابر قد تؤثر سلبا في سلاسل الإمداد والتنافسية. إلا أن أنصار السياسة الحالية يرون أن الكلفة الاقتصادية المحتملة تبقى محدودة مقارنة بما يعتبرونه مخاطر أمنية أكبر. على الصعيد الأوروبي، يعكس تمديد الإجراءات التوتر القائم بين متطلبات الأمن الوطني ومبادئ حرية الحركة داخل الاتحاد. فبينما تسعى المفوضية الأوروبية إلى الحفاظ على تماسك منطقة شنغن، تواجه في الوقت ذاته ضغوطا من عدة دول أعضاء تطالب بمرونة أكبر في إدارة حدودها. ويضع القرار الألماني هذا التوازن الدقيق أمام اختبار جديد، خاصة أن ألمانيا تمثل إحدى أكبر دول الاتحاد وأكثرها تأثيرا.
يبدو أن برلين ماضية في الإبقاء على الرقابة الحدودية كأداة مركزية في سياستها للهجرة خلال العام 2026. ومع اقتراب سبتمبر 2026، سيعتمد مستقبل هذه الإجراءات على تطورات أعداد الوافدين، ومستوى التنسيق الأوروبي، ومدى نجاح الحكومة في إقناع الرأي العام بأن هذه التدابير تظل ضرورية ومتناسبة مع التحديات الراهنة.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن تمديد إجراءات مراقبة الحدود في ألمانيا قد لا يكون خطوة عابرة، بل جزءا من اتجاه أوسع نحو إعادة تعريف سياسة الهجرة والأمن الداخلي في إطار أوروبي مضطرب. فإذا استمرت معدلات الهجرة غير النظامية عند مستويات مرتفعة، أو تصاعدت المخاوف الأمنية، فمن المرجح أن تميل الحكومة الألمانية إلى تمديد العمل بهذه الضوابط مرة أخرى، مع محاولة إضفاء طابع أكثر مؤسسية عليها ضمن استثناءات شنغن.
على المدى القريب، سيظل القرار مرتبطا بتقييم فعالية الإجراءات. فإذا أظهرت البيانات انخفاضا ملموسا في أعداد العبور غير النظامي أو تحسنا في ضبط شبكات التهريب، فقد تستخدم الحكومة هذه النتائج لتبرير الإبقاء على الرقابة لفترة أطول. أما إذا تبين أن التأثير محدود مقابل كلفة اقتصادية وإدارية مرتفعة، فقد تتصاعد الضغوط الداخلية، خاصة من الأحزاب الداعية إلى حماية حرية التنقل.
أوروبيا، قد يشجع المسار الألماني دولا أخرى على تبني أو تمديد ضوابط مماثلة، ما يخلق واقعا جديدا داخل منطقة شنغن يقوم على رقابة مرنة لكنها شبه دائمة. هذا السيناريو قد يدفع المفوضية الأوروبية إلى السعي لإصلاح قواعد الحوكمة الحدودية، عبر آليات تنسيق أكثر صرامة أو توزيع أوسع لأعباء اللجوء بين الدول الأعضاء.
في المقابل، إذا نجحت مساعي الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون الخارجي وضبط الحدود المشتركة بفعالية أكبر، فقد تتراجع الحاجة إلى الرقابة الداخلية تدريجيا. وعليه، فإن مستقبل هذه السياسة سيتحدد عند تقاطع ثلاثة عوامل: تطور تدفقات الهجرة، مستوى التوافق الأوروبي، والميزان السياسي الداخلي في ألمانيا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115095
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
