خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
لماذا رحّلت باكستان 211 أفغانيًا رغم قبولهم ضمن البرنامج الألماني؟
وفقًا لمعلومات رسمية صادرة عن الحكومة الألمانية، قامت السلطات الباكستانية خلال أغسطس 2025 بترحيل 211 شخصًا من بين الأفغان المدرجين في برنامج الاستقبال الألماني المخصص للفئات الأكثر ضعفًا. ويهدف هذا البرنامج إلى حماية أولئك الذين تعرضوا للخطر بسبب تعاونهم مع مؤسسات ألمانية أو بسبب نشاطهم الحقوقي أو الإعلامي.
أعربت برلين عن قلقها العميق إزاء هذه التطورات، لا سيما وأن الأشخاص المعنيين لم تُستكمل بعد إجراءات سفرهم إلى ألمانيا. وقد أفاد متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية في العاصمة برلين أن السلطات الباكستانية سبق أن احتجزت ما يقرب من 450 شخصًا مسجلين ضمن هذا البرنامج، وكانت تعتزم ترحيلهم إلى أفغانستان. واعتُبر هذا الإجراء تصعيدًا غير متوقع من الجانب الباكستاني، ما استدعى تحركًا عاجلًا من قبل الخارجية الألمانية.
من خلال جهود مكثفة واتصالات دبلوماسية جرت، تمكنت السفارة الألمانية في إسلام آباد، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، من التوصل إلى تفاهم مع السلطات الباكستانية أسفر عن إطلاق سراح 245 شخصًا من المحتجزين، وتم ذلك في نهاية الأسبوع الماضي. وقد تم الإفراج عنهم من معسكرات الترحيل التي كانوا محتجزين فيها، فيما لا يزال مصير الباقين، وعددهم 211، محل اهتمام ومفاوضات مستمرة.
وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية، فإن الحكومة الألمانية، بالتعاون مع أحد مقدمي الخدمات، تمكنت من تأمين أماكن إقامة في أفغانستان لأولئك الذين تم ترحيلهم بالفعل من باكستان. وفي الوقت نفسه، تسعى برلين لإيجاد صيغة مشتركة مع الحكومة الباكستانية تسمح بإعادة هؤلاء الأشخاص إلى باكستان كخطوة تمهيدية لاستكمال إجراءات هجرتهم إلى ألمانيا.
ثغرات في آليات تنفيذ برامج القبول الألمانية
تكشف هذه الأزمة عن ثغرات حقيقية في آليات تنفيذ برامج القبول الألمانية، حيث ينتظر أكثر من 2000 أفغاني في باكستان استكمال إجراءاتهم للسفر إلى ألمانيا. ويمثّل هؤلاء الأشخاص شرائح مختلفة من المجتمع الأفغاني، من بينهم موظفون محليون سابقون عملوا مع القوات الألمانية أو في مشاريع التنمية الألمانية، بالإضافة إلى صحفيين، قضاة، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، ممن باتت حياتهم في خطر منذ سيطرة حركة طالبان على البلاد في أغسطس 2021.
بسبب إغلاق السفارة الألمانية في كابول عقب سيطرة طالبان، يتم إجراء تدقيق أمني وبيروقراطي شامل لهؤلاء الأشخاص في باكستان، وهو ما يستغرق وقتًا طويلًا، ما يضعهم في مواقف قانونية هشة قد تستغلها السلطات الباكستانية لترحيلهم.
من جهته، دعا النائب في البوندستاغ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، هاكان دمير، الحكومة الألمانية إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه حماية هؤلاء الأشخاص. وأكد أن العديد منهم خاطروا بحياتهم بسبب تعاونهم مع مؤسسات ألمانية، وأنه من واجب الدولة الألمانية، أخلاقيًا ودستوريًا، الوفاء بوعدها في تأمين الحماية لهم. وطالب دمير بتحرك فوري قائلاً: “على الاتحاد أن يتحمل مسؤوليته ويتخذ إجراءً حاسمًا”.
في المقابل، شددت وزارة الداخلية الاتحادية، بقيادة الوزير ألكسندر دوبريندت على ضرورة إجراء فحص دقيق لكل حالة على حدة. وصرّح دوبريندت: “أن قبول اللاجئين يجب أن يستند إلى التزامات قانونية صريحة، وأنه لا يمكن التساهل في مسألة الفحص الأمني”. وأكدت الوزارة أن موظفين من المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) يتواجدون بالفعل في باكستان للمساعدة في تسريع هذه الإجراءات.
لا تزال الانتقادات تتصاعد بسبب بطء وتيرة تنفيذ برامج القبول الألمانية، وهو ما أدى إلى احتجاز عدد من الأفغان، حتى بعد حصولهم على الموافقة المبدئية لدخول ألمانيا. وتدعو منظمات حقوقية إلى مراجعة الإجراءات البيروقراطية وتكثيف الضغط على باكستان لمنع تكرار هذه الترحيلات القسرية.
النتائج
تكشف حادثة ترحيل 211 أفغانيًا من باكستان، رغم إدراجهم ضمن برنامج الاستقبال الألماني، عن هشاشة البنية التنفيذية لبرامج اللجوء الأوروبية، وخصوصًا في السياقات التي تعتمد على دول ثالثة مثل باكستان لتسهيل الإجراءات.
من جهة، يواجه الجانب الألماني ضغوطًا داخلية للوفاء بالتزاماته الأخلاقية والدستورية تجاه من تعاونوا معه؛ ومن جهة أخرى، تُظهر باكستان استعدادًا لاستخدام ملف اللاجئين كورقة ضغط سياسية أو تنظيمية، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية.
المخاوف من التعقيد الأمني والتدقيق البيروقراطي تؤخر عمليات الإجلاء، ما يعرّض المستفيدين لخطر حقيقي في بيئة غير آمنة. وإذا استمرت هذه الوتيرة، قد تفقد ألمانيا ثقة المتعاونين المحتملين مستقبلاً في مناطق النزاع، وهو ما سيقوّض من قدرتها على تنفيذ عمليات دولية تعتمد على الشركاء المحليين.
مستقبليًا، من المرجح أن تضطر الحكومة الألمانية إلى مراجعة آليات تنفيذ البرامج، وتسريع الفحوص الأمنية، أو حتى إنشاء ممرات إنسانية مباشرة لتفادي الاعتماد المفرط على دول مثل باكستان.
سيتعين على الاتحاد الأوروبي دعم هذه الجهود، وربما فرض إطار تفاوضي مشترك لضمان احترام حقوق اللاجئين وعدم تعريضهم للترحيل في مراحل ما قبل اللجوء.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107760
