خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة ـ كيف ستؤثر قواعد اللجوء الأوروبية الجديدة على سياسات الهجرة الألمانية؟
اتفقت دول الاتحاد الأوروبي على قواعد أكثر صرامة للجوء، لكن التنفيذ العملي لا يزال يواجه عقبات قانونية وتطبيقية كبيرة. اعتبر وزير الداخلة الألماني ألكسندر دوبريندت التفاهم بين وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي بشأن إصلاح اللجوء بأنه لحظة أوروبية لسياسة هجرة جديدة. استطاع دوبريندت الإعلان عن إنجاز آخر، إذ ستوافق إيطاليا واليونان، وفقًا لما قاله وزير الداخلية الألماني، على إعادة استقبال طالبي اللجوء الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد دخولهم الاتحاد الأوروبي عبر أراضي هذين البلدين. أكد دوبريندت إن ألمانيا توصلت مع اليونان وإيطاليا إلى اتفاق يقضي بأن تعيد هذه الدول قبول المهاجرين الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي من خلالها. فما الذي يعنيه كل هذا بالنسبة لسياسة الهجرة الألمانية؟ وما النقاط الإشكالية في القرارات التي لا يزال البرلمان الأوروبي مطالبًا بإقرارها نهائيًا؟ هناك الكثير من المسائل التي تحتاج إلى توضيح، والكلمة الأخيرة لم تُقل بعد. فيما يلي نظرة عامة على أبرز الأسئلة.
دول ثالثة آمنة
القرار: سيكون من الأسهل مستقبلًا نقل طالبي اللجوء إلى ما يسمى الدول الثالثة الآمنة خارج الاتحاد الأوروبي. كان يتعيّن حتى العام 2025 أن تكون لطالبي اللجوء صلة وثيقة بهذه الدول، مثل وجود عائلة أو إقامة طويلة، وهو ما يسمى عنصر الارتباط. لكن في المستقبل قد يكفي وجود اتفاق بين دولة من الاتحاد الأوروبي وتلك الدولة لإجراء الترحيل. وبذلك يصبح ممكنًا نقل إجراءات اللجوء إلى دول لا تربط طالبي اللجوء بها أي علاقة.
النقاط الإشكالية: رحّب خبير الهجرة جيرالد كناوس بهذا الاتفاق واعتبره خطوة ربما تاريخية. تابع كناوس إن من شأن ذلك أن يقلل بشكل كبير عدد الداخلين إلى الاتحاد الأوروبي، وإن حذف عنصر الارتباط سيجعل الكثير من الأمور أسهل. يرى كناوس أن التحدي يكمن الآن في إيجاد دول تُحترم فيها المعايير الحقوقية. يُشار غالبًا إلى اتفاق بريطانيا مع رواندا بوصفه مثالًا سلبيًا. فقد كان ينص على نقل طالبي اللجوء الذين دخلوا بريطانيا بطريقة غير نظامية إلى رواندا لإجراء طلبات لجوئهم هناك، دون السماح لهم بالعودة إلى بريطانيا حتى لو تم الاعتراف بهم كلاجئين. رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أوقف الخطة بعد توليه السلطة، إضافة إلى وجود عقبات قانونية سابقة. لكن المقارنة لا تنطبق إلا جزئيًا. فحتى العام 2025، لا ينص المقترح الأوروبي على أن يبقى الأشخاص الذين تُمنح لهم الحماية قسرًا في الدولة الثالثة. كما أن على الاتحاد الأوروبي أولًا التوصل إلى اتفاقات مع دول من خارجه.
يؤكد المجلس الأوروبي أن الدول غير الأعضاء لا يمكن اعتبارها آمنة إلا إذا استوفت معايير أمنية مرتفعة. حذّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال العام 2025 من أن نقل طالبي اللجوء إلى دولة ثالثة يتطلب ضمانات حماية صارمة. ومن المتوقع تقديم طعون قانونية ضد نماذج الدول الثالثة المحتملة، ولا سيما فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان. التحدي هنا هو إبرام اتفاقات تكون محكمة قانونيًا. وقد سبق لإيطاليا إبرام اتفاق ثنائي مع ألبانيا، لكنه أُلغي قانونيًا بنجاح.
مراكز العودة
القرار: ينص الاتفاق على إمكانية إنشاء مراكز إعادة في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي. وفي هذه المراكز سيتم إيواء طالبي اللجوء الملزمين بمغادرة أوروبا، والذين لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. أي أن الأمر يتعلق بأشخاص رُفضت طلباتهم بالفعل داخل أوروبا.
النقاط الإشكالية: هناك انتقادات واسعة لهذه الخطط، حذرت وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي في فيينا من وجود مخاطر جسيمة على الحقوق الأساسية عند تشغيل هذه المراكز. وأكدت ضرورة إدراج آليات مستقلة وفعّالة لمراقبة حقوق الإنسان في أي اتفاق مع الدول الثالثة. مرة أخرى، يبرز التحدي في صياغة اتفاقات صلبة قانونيًا. كما يجب العثور على دول توافق أصلًا على استقبال أشخاص رُفضت طلباتهم في أوروبا. وقد تُلغى أي اتفاقات مستقبلية إذا تغيّرت الحكومات أو نشبت أزمات. ويجب كذلك ضمان تنفيذ المعايير المطلوبة على الأرض. وتُذكر أوغندا في الاتحاد الأوروبي كدولة يمكن أن تكون خيارًا محتملًا. ليس جميع دول الاتحاد مقتنعة بفكرة المراكز، شكّك وزير الداخلية الإسباني فرناندو غرانده مارلاسكا في توافقها مع القانون الدولي والإنساني. انتقدت النائبة الاشتراكية الأوروبية بيرغيت سيبل الخطط، متسائلة عن مصير الأشخاص في هذه المراكز هل سيبقون في تلك الدول؟ أم يأمل الاتحاد في أن تستقبلهم بلدانهم الأصلية؟ ووصفت الوضع بأنه غامض وغير محسوم.
آلية التضامن
القرار: اتفقت دول الاتحاد الأوروبي ضمن آلية تضامن جديدة على إعادة توطين 21 ألف طالب حماية داخل الاتحاد عام 2026، بهدف تخفيف الضغط عن الدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد. وبموجب هذه الآلية، ستوفر الدول الأقل ضغطًا 420 مليون يورو، ويمكن احتساب المساعدات العينية ضمن هذه المساهمات. الحكومة الألمانية تؤكد أن ألمانيا لن تستقبل أعدادًا إضافية بموجب هذه الآلية.
النقاط الإشكالية: تصنف المفوضية الأوروبية دول قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا على أنها دول تحت ضغط الهجرة، ويمكنها الاستفادة من صندوق التضامن. يمكن للدول التي استقبلت أعدادًا كبيرة سابقًا احتساب مساهماتها السابقة، وهذا ينطبق غالبًا على ألمانيا، ويحتاج فقط إلى تأكيد نهائي. ليست جميع دول الاتحاد متحمسة لهذه الآلية. فالمجر، على سبيل المثال، ترفض المشاركة. أعرب المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية ماغنوس برونر عن أسفه لذلك، وقال إن النظام يحقق فوائد للجميع، وإن المشاركة في الاتحاد تستلزم الالتزام بالقواعد. وقد تواجه بودابست غرامات إذا أصرت على الرفض. لا يزال غير واضح كيف ستتصرف دول أخرى من المتوقع أن تستقبل مهاجرين أو تسهم ماليًا وفق القواعد الجديدة، مثل السويد والبرتغال ورومانيا ولوكسمبورغ. كما وصفت النائبة الأوروبية سيبل الآلية بأنها مثيرة للدهشة، وقالت إنه من المدهش إثارة كل هذا الجدل حول واحد وعشرين ألف إعادة توطين فقط، معتبرة الأمر نكتة ثقيلة.
دول المنشأ الآمنة
القرار: سيتم اعتماد قائمة أوروبية موحدة للدول الآمنة. وستضم القائمة المغرب وتونس ومصر وكوسوفو وكولومبيا والهند وبنغلاديش. كما ستُعتبر الدول المرشحة للانضمام إلى الاتحاد آمنة من حيث المبدأ، مثل ألبانيا والجبل الأسود وتركيا. ورغم ذلك، سيُنظر في كل حالة على حدة، فلا توجد عمليات ترحيل تلقائي، بل إجراءات لجوء معجّلة فقط.
النقاط الإشكالية: ستكون القائمة ملزمة لجميع دول الاتحاد. لكن إدراج أي دولة ضمن قائمة الدول الآمنة يستوجب معايير قانونية صارمة. ولدى العديد من دول الاتحاد، بما فيها ألمانيا، قوائم خاصة ومعايير خاصة. وقد قرر البرلمان الألماني مؤخرًا تسهيل تصنيف الدول كدول منشأ آمنة دون الحاجة لموافقة مجلس الولايات الألماني.
النتائج
تكشف القرارات الأوروبية الجديدة بخصوص اللجوء عن محاولة جادة لإعادة رسم سياسة الهجرة داخل الاتحاد، في ظل ضغوط سياسية داخلية، وارتفاع أعداد الوافدين، وتصاعد الجدل حول قدرة الدول على إدارة الحدود. بالنسبة لألمانيا، تمثل هذه التغييرات تحوّلًا مهمًا في نهج الحكومة الاتحادية التي تسعى إلى تقليل أعداد طالبي اللجوء عبر اتفاقات إعادة القبول، ونقل بعض الإجراءات خارج الحدود الأوروبية، وتخفيف العبء الإداري والقانوني على السلطات الألمانية.
يظهر من القرارات المتعلقة بالدول الثالثة الآمنة ومراكز العودة أن الاتحاد يسعى إلى ما يُشبه سياسة “الخارج المُدار”، أي إدارة اللجوء خارج أراضيه. غير أن هذه الخطوة تصطدم بإشكاليات قانونية كبيرة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية حقوق الإنسان، ومعايير السلامة، وتوفر آليات رقابة مستقلة. ولعل التجربة البريطانية مع رواندا تبرز حجم التعقيد، إذ أُحبط البرنامج لأسباب قانونية وأخلاقية وسياسية. وبالنسبة لألمانيا، فإن أي اتفاقات مع دول ثالثة تحتاج إلى ضمانات قوية حتى لا تواجه طعونًا أمام القضاء الإداري والمحاكم الأوروبية.
أما مراكز العودة، فتمثل رهانًا محفوفًا بالشكوك. فمن الصعب سياسيًا وأخلاقيًا إيجاد دول مستعدة لاستقبال أشخاص رُفضت طلباتهم، كما أن استدامة هذه الاتفاقات تعتمد على استقرار تلك الدول وتوازناتها الداخلية. وقد يشهد المستقبل خلافات داخل الاتحاد حول مدى التزام هذه المراكز بالمعايير الحقوقية، خصوصًا مع اعتراضات واضحة من إسبانيا وبعض النواب الأوروبيين.
في ما يتعلق بآلية التضامن، يبدو أن الاتحاد يعيد تدوير فكرة إعادة التوطين دون معالجة جذور الانقسام بين دول الشرق والغرب. فالأعداد المقترحة محدودة جدًا مقارنة بحجم التدفقات، ورفض دول مثل المجر يعكس استمرار التشرذم الأوروبي بشأن الهجرة. بالنسبة لألمانيا، قد تُسهم الآلية في تخفيف الضغط الرمزي، لكنها لن تغيّر واقع استقبال أعداد كبيرة سنويًا، مع بقاء ملف الهجرة موضوعًا حساسًا في الساحة السياسية الداخلية.
أما قائمة الدول الآمنة، فتُعد محاولة لتسريع إجراءات اللجوء وتقليص المدد البيروقراطية. لكن نجاح ذلك يتوقف على قدرة الاتحاد على إثبات أن هذه الدول تلبّي معايير الحماية. وفي ألمانيا، قد يؤدي الأمر إلى تسريع البتّ في آلاف الحالات، لكنه قد يواجه اعتراضات من منظمات حقوقية.
ستظل الهجرة ملفًا محوريًا في النقاشات الأوروبية، وستعتمد فعالية القرارات الجديدة على قدرة الاتحاد على تنفيذها دون خرق معايير حماية اللاجئين، وعلى قدرة ألمانيا على الموازنة بين ضبط الحدود والحفاظ على التزاماتها الإنسانية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112612
