خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
اللجوء والهجرة ـ إلى أين تتجه سياسات الهجرة الألمانية؟
صرّح وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت يوم 21 نوفمبر 2025 : “أنه يريد مكافحة إساءة استخدام قانون اللجوء بحزم أكبر، مع الحفاظ على حق الفرد في اللجوء. ومن شأن هذا أن يُضعف موقف حزب البديل من أجل ألمانيا، تابع وزير الداخلية الاتحادي ألكسندر دوبريندت: “أنه لم يُقدَّم الكثير فيما يتعلق بسياسة الهجرة. أضاف دوبريندت: “مساري صعب، وهذا بالضبط ما يُنظر إليه. منذ اليوم الأول، اتخذنا القرارات اللازمة لضمان تعزيز الرقابة على الحدود ومنع أي محاولات صد”.
انخفاض طلبات اللجوء الأولية في ألمانيا “نجاح باهر”
يعتبر دوبريندت انخفاض طلبات اللجوء الأولية في ألمانيا بنسبة 60% “نجاحًا باهرًا”. يقول دوبريندت: “أن الهجرة غير الشرعية كانت الحافز الأكبر للأحزاب المتطرفة لسنوات. يعتقد دوبريندت أن الأمر سيستغرق بعض الوقت قبل أن يُلمس هذا التحول المُبادِر في سياسة الهجرة كـ”تجربة عاطفية في مجتمعات الناس أنفسهم”. حقق حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب معارض ذو ميول يمينية متطرفة في بعض الأوساط، تقدمًا ملحوظًا في استطلاعات الرأي، على الرغم من “التحول في سياسة الهجرة” الذي بدأه الائتلاف الحاكم المكوّن من الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي CDU/CSU/SPD. يعزو خبراء الهجرة انخفاض عدد طالبي اللجوء ليس فقط إلى الرقابة على الحدود ورفض طلباتهم في ألمانيا.
أسباب انخفاض طلبات اللجوء
أدى انتهاء الحرب الأهلية في سوريا وتشديد الرقابة على طريق البلقان من اليونان إلى النمسا إلى انخفاض أعدادهم، وفقًا لما ذكرته باحثة الهجرة بيرجيت غلوريوس من جامعة كيمنتس للتكنولوجيا لموقع tagesschau.de التابع لقناة ARD. يظل حق اللجوء ساري المفعول. يواصل ألكسندر دوبريندت رفضه لأي تقييد لحق الفرد في اللجوء قائلًا: “أنا لا أشارك في هذا النقاش، لدينا حق فردي في اللجوء، لا أشكك في ذلك، لكنني أشكك في الإساءة، يجب مكافحتها بأقصى فعالية ممكنة”. كما يوضح وزير الداخلية بضرورة تسريع وتيرة التحول في سياسة الهجرة على المستوى الأوروبي. من أهداف ميثاق الهجرة للاتحاد الأوروبي، المقرر أن يدخل حيز التنفيذ العام 2026، جعل توزيع اللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي أكثر عدالة. وتحث ألمانيا دول الدخول الأولى على معالجة طلبات طالبي اللجوء بشكل أكثر اتساقًا ومنعهم من مواصلة سفرهم. تابع دوبريندت: “مع ذلك، غالبًا ما تكون إعادتهم إلى دول الدخول الأولى صعبة؛ ويجب أن يكون ذلك ممكنًا”.
البحث عن شريك لإنشاء ما يسمى “مراكز العودة”
يريد وزير الداخلية، بالتعاون مع بلدان أوروبية أخرى، البحث عن شريك في أفريقيا لإنشاء ما يسمى “مراكز العودة”، أي المناطق التي يمكن ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين إليها، حتى لو لم يكونوا من ذلك البلد. يؤكد دوبريندت: “هناك عدد من الدول تناقش ما إذا كانت ستُعالِج هذه المسألة معًا، ومع أي دولة شريكة. ولكن من المؤكد أن ذلك سيقتصر على دولة شريكة من القارة الأفريقية”. فشلت محاولات سابقة لتسليم إجراءات اللجوء من إيطاليا إلى ألبانيا، الدولة غير العضو في الاتحاد الأوروبي، بسبب العقبات القانونية والتكاليف الباهظة. ومنذ ذلك الحين، تخلّت الحكومة البريطانية عن محاولاتها لترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا. ومع ذلك، لا يزال “نموذج رواندا” محل نقاش داخل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في ألمانيا (CDU/CSU).
التغييرات في سياسة الهجرة
يتم قبول عدد أقل من الأشخاص من أفغانستان، كان من بين التغييرات في سياسة الهجرة إنهاء برامج إعادة توطين الأفغان “قدر الإمكان”، كما هو منصوص عليه في البرنامج الحكومي. صرّح وزير الداخلية الاتحادي دوبريندت: “أنه بحلول نهاية العام 2025، يجب نقل جميع الأفغان الذين لديهم عرض مُلزِم قانونًا لإعادة التوطين إلى ألمانيا”. وينتظر معظم الأشخاص المؤهلين، والبالغ عددهم حوالي 2000 شخص، في باكستان المغادرة. لم يسمح دوبريندت بالسفر إلى ألمانيا إلا لمن نجحوا في رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الإدارية لقبولهم. أوضح وزير الداخلية، ناقلًا المسؤولية إلى ائتلاف شولتس الحاكم السابق المكوّن من الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر والليبراليين: “هذه مشكلة موروثة، إنها إرث من الفترة التشريعية السابقة، ومن الحكومة السابقة”. وعدت الحكومة الائتلافية بحماية الأشخاص الذين عملوا في المؤسسات الألمانية في أفغانستان أو الذين تعرضوا لاضطهاد شديد من قبل نظام طالبان. إلا أن دوبريندت، على ما يبدو، يُعيد النظر في هذه الالتزامات المُلزِمة قانونًا، التي قطعتها الحكومة الائتلافية.
حزب البديل يستغل سياسة الهجرة في ألمانيا كورقة ضغط سياسية
يستغل حزب البديل سياسة الهجرة في ألمانيا كورقة ضغط سياسية لتوسيع قاعدته الانتخابية، وفي هذا السياق يقول وزير الداخلية: “لا تحظروا حزب البديل من أجل ألمانيا، بل احكموه حتى يُمحى من الوجود”. رفض وزير الداخلية مجددًا حظر حزب البديل من أجل ألمانيا، ذي التوجه اليميني المتطرف جزئيًا قائلًا: “لطالما أوضحتُ في الماضي أن مهمة السياسة يجب أن تتمثل في القضاء على حزب البديل من أجل ألمانيا، وليس حظره”.يرجع السبب وراء ارتفاع شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا في استطلاعات الرأي هو استقطاب المجتمع. ووفقًا لدوبريندت، يجب معالجة هذا الاستقطاب من خلال تغيير السياسات، وليس بحظر الأحزاب السياسية. في استطلاع رأي أجرته قناة ARD Deutschlandtrend، حصل حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي يسعى إلى وقف الهجرة تمامًا، على 26%، بفارق نقطة مئوية واحدة فقط عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي الذي حصل على 27%.
النتائج
يشير موقف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت إلى مرحلة جديدة في خطاب الحكومة تجاه ملف الهجرة، تقوم على الجمع بين رسالتين متوازيتين: التشدد في الحدّ من إساءة استخدام إجراءات اللجوء، والحفاظ على الحق الفردي في الحماية الدولية. هذا الجمع بين الحزم والالتزام بالمعايير الإنسانية يبدو محاولة واضحة لسحب البساط من تحت حزب البديل من أجل ألمانيا، الذي بنى جزءًا كبيرًا من تقدمه السياسي على استثمار المخاوف المرتبطة بالهجرة غير الشرعية.
يعكس خطاب دوبريندت اقتناعًا بأن السيطرة الحدودية وتراجع طلبات اللجوء الأولية بنسبة ملحوظة يمنحان الحكومة فرصة لإعادة صياغة السردية السياسية بعيدًا عن شعارات اليمين المتطرف، مع التأكيد على أن التغيرات لن تنعكس على المزاج الاجتماعي بشكل فوري، وهو اعتراف ضمني بأن الرأي العام بات أكثر حساسية تجاه المسائل الأمنية والاجتماعية. من ناحية أخرى، تكشف الإشارة إلى أسباب التراجع في أعداد طالبي اللجوء، مثل نهاية الحرب الأهلية السورية وتشديد طريق البلقان
لا يعود انخفاض الأرقام فقط للإجراءات الألمانية، بل لعوامل خارجية تتجاوز قدرة برلين على التحكم بها. هذا يُضعف فكرة النجاح المحلي الخالص التي يروج لها دوبريندت. كما أن الدفع نحو تسريع التحول في سياسة الهجرة الأوروبية بحلول العام 2026 يعكس إدراكًا بأن الحلول الوطنية لم تعد كافية، وأن إدارة الهجرة باتت بحاجة إلى نموذج توزيع أكثر عدالة والتزامًا.
يشير مقترح إنشاء ما يسمى مراكز العودة في دولة أفريقية شريكة، إلى توجه مشابه لنماذج بريطانية وإيطالية سابقة أثبتت محدوديتها، سواء لأسباب قانونية أو مالية أو لرفض المجتمعات المحلية. لذا، يبقى هذا الخيار في نطاق التصورات النظرية أكثر منه مسارًا عمليًا ناجزًا. وبالنسبة لبرامج إعادة توطين الأفغان، فإن تعليق التنفيذ وتحميل المسؤولية للحكومة السابقة يعكسان توترًا سياسيًا بين الالتزامات الإنسانية والضغوط الداخلية. يٌمكن القول أن ملف الهجرة سيظل نقطة خلاف رئيسية في السياسة الألمانية خلال العامين 2026 و2027، خصوصًا مع اقتراب دخول ميثاق الهجرة الأوروبي حيّز التنفيذ.
من المرجح أن يواصل حزب البديل استغلال أي فشل أو تأخير حكومي في ملف الهجرة لتعزيز روايته. وفي المقابل، تعتمد الحكومة على نتائج ملموسة في تقليص الهجرة غير الشرعية لإقناع الناخبين بفاعلية نهجها. وفي حال فشل برلين في التنسيق الأوروبي أو إيجاد حلول قابلة للتطبيق لإعادة طالبي اللجوء المرفوضين، فقد تتسع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة. أما نجاحها في ترسيخ منظومة عادلة وفعالة للهجرة، فقد يسهم في تهدئة الاستقطاب السياسي المتصاعد، ويعيد تشكيل خريطة القوى داخل المشهد الحزبي الألماني.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111911
