اختر صفحة

تنصبّ غالبية المقاربات التي تتصدى للإرهاب والتطرف الديني على الجانب العسكري والمجابهة المسلحة، وتتغافلُ عن أهمية المقارعات الفكرية والثقافية والجمالية.وإن كان استفاق، أخيراً، جهدٌ يرمي إلى تقويض الأفكار الظلامية بتطوير المناهج المدرسية، وتجويد مدخلات التعليم الأساسي والجامعي، فذلك أمر حسنٌ، لأنه يذهب إلى النظر للظاهرة الإرهابية باعتبارها نتاج «فكر» أو أيديولوجيا يحتاجان إلى التفكيك والتحليل وبناء استراتيجيات مضادة للتقويض.وبقي الجهد الثقافي والفني بعيداً من اقتحام تلك الحصون المعتمة التي ينهمك حرّاسُ الدم وفقهاء الفتنة بتأثيثها بكل ما يفتك بالروح الإنسانية ويعصف بخيريّتها، وهو أمر كان نبّه إليه عميد كلية محمد بن راشد للإعلام في الجامعة الأميركية بدبي الإعلامي علي جابر في ندوة أعدها الطلاب، ودارت حول «دور الإعلام في مكافحة التطرف» وشارك فيها إعلاميون بارزون في فضائيات وصحف ومراكز أبحاث.الفكرة، يرى جابر، تُقارع بفكرة، وليس بدبابة. وهو أمر يحوز مقداراً عالياً من المعقولية.

فإشاعة الجمال هو الحل، عبر فتح نوافذ له من خلال البرامج الفنية التي تكشف عن مواهب، أو تلك التي تحتفي بالموسيقى والغناء والرقص، أو بالعمل الفني المفتوح على المسرح والسينما والتشكيل والتصوير والنحت، وتعميم ثقافة الاحتفالات الكرنفالية التي تشيع البهجة، وتوحّد البشر الذين تمزقهم السياسة والاصطفافات الإثنية، والتحالفات الطائفية، والانحيازات الدينية والعرقية.للجمال بمفهومه الواسع مهمة جليلة تتمثل في مكافحة القبح، وكبح جماح التوحش، وإعادة الروح الإنــسانية إلى هدوئها وصفائها، وترقية النفس لتعلو نحو غيم السمو، وتتعالى على الأرضيّ الذي تفوح منه رائحة الدم والحرائق.ولا تحتاج إشاعة الجمال إلى مجهودات جبارة، حتى لا يقع المتبرمون في فخ الشكوى المزمنة من تجاهل المؤسسات الرسمية والحكومية هذه المهمة النبيلة. فالحكاية، إن شاء المرء أن يجعلها هدفاً له، بمقدورها أن تُنجَز بأبسط الإمكانات والقدرات.

وفي العالم العربي مبادرات كثيرة ومشاريع صغيرة وأفكار خلّاقة تقاوم العاصفة بكمشة أحلام، فلا تتوقف أمام أي ذريعة، ولا تبحث عن عوائق تعطل مسيرة الأفكار المبدعة، أو تكبح جماح الإيمان بلحظة تأبى أن تنكسر أو ترتجف أمام سطوة التدمير وهذيان الخارجين من كهوف الماضي الذين يتوهمون أن أرواح البشر هشة إلى حد لا تقوى فيه على هزيمتهم وردّهم على أعقابهم خائبين.وسواء حضّ الكتّاب والناشطون السياسيون والاجتماعيون على تجذير هذه المبادرات وإنعاشها وتعميمها أم لم يفعلوا، فماكينة الخلق والإبداع لن تتوقف، لأن محرّكها هو الشغف. والشغف هُوية الإنسان المقاوم وهو يدرّب حواسه على استئصال اليأس. ولنا في بطل رواية الراحل الكبير غونتر غراس «طبل الصفيح» أسوة حسنة، فـ «أوسكار» الناقم على الزيف والاستبداد لا يجد أمامه وسيلة للاحتجاج سوى أن يتسلح بطبل صفيحي وحنجرة فتاكة لها القدرة على تحطيم الزجاج!

موسى برهومة ، قنطرة