محاربة التطرف

العلاقة بين #الأزهر و #محاربة_التطرف

هل يستطيع الأزهر تكفير إرهابيي داعش؟

قنطرة ـ الباحث عاصم حفني: كلما تعرضت مصر أو دولة أخرى إلى حادث إرهابي غادر تجدد السؤال عن علاقة الإرهابيين بالإسلام، وهل هم مسلمون، رغم ما يفعلون، أم كفار، وما علاقة الأزهر بالإرهاب؟ والتساؤل حول علاقة الأزهر بالإرهاب الديني والتطرف الفكري من عدمه لا ينبغي ـ رغم ما يبطنه أحيانا من هجوم واستعداء ـ أن يقابل باستهجان.الأزهر هو المؤسسة الإسلامية السنية الأكبر في العالم، ذات التاريخ الطويل في دراسة وتدريس علوم الإسلام، فضلا عن أنه بنص المادة السابعة من الدستور “المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم”، ومن ثم يرتبط أي أمر أو فعل يتعلق بالإسلام سلبا أو إيجابا بالأزهر، إما بشكل مباشر في الحالة المصرية، أو غير مباشر في غيرها.

يلاحظ على التعاطي مع هذه التساؤلات صعوبة التوفيق أو التفريق بين الفكرة والتجربة، أي بين الإسلام كعقيدة والمسلمين كممارسين لتعاليم تلك العقيدة، كذلك بين الأزهر كفكرة للقيام على علوم الدين دراسة وتدريسا ونشرا، وبين تجربة الأزهريين التاريخية في تطبيق هذه الفكرة، ويرجع هذا كله في رأيي إلى عدم وضع تعريف دقيق لا للإسلام ولا للأزهر، رغم ما يبدو من بداهة الإجابة على سؤال التعريف هذا.إذا أردت أن تحكم على علاقة الإسلام بالإرهاب من عدمه، فعليك أن تنطلق من تعريف واضح لكليهما، فالإسلام كما أفهمه يتكون من نص سماوي مقدس وهو القرآن الكريم، وهو المؤسس الأول للعقيدة وأركانها، ويضاف إلى القرآن السنة النبوية الصحيحة المكملة له شرحا وتطبيقا.

وهنا يطرح نفسه سؤال هام عن تجربة المسلمين التاريخية في تطبيق نصوص الإسلام، هل تعتبر هذه التجربة جزءا من الإسلام أم لا؟ لو أجبت هذا السؤال بلا، فستستفيد من نفي علاقة الإسلام بكل ما قام به مسلمون عبر التاريخ من قتل وظلم وقهر، خاصة فيما وقع بينهم من حروب، وسفك دماء، بل والاعتداء على أهم رمز للإسلام وهو الكعبة نفسها.عقب كل عملية إرهابية يقوم بها متطرفون إسلاميون في أي منطقة في العالم، تتعالى الأصوات في الغرب الداعية إلى ضرورة إصلاح الإسلام. وهو أمر يمكن تفهمه. لكن تلك الدعوات تعوزها الواقعية، خصوصا وأن الصورة التي يتوجب أن يأخذها الإصلاح ليست واضحة، ولا نعرف من يتوجب عليه أو تقع على عاتقه مسؤولية ذلك.

ولكنك في ذات الوقت تضع نفسك في حرج الاستشهاد بأفعال رموز إسلامية تاريخية اتصفت بالعدل والحكمة والرحمة على أنها هي الإسلام، ومن منا لا يستشهد بخطبة أبي بكر الصديق حين تولى الخلافة على أنها دليل على تأسيس الإسلام لحقوق الإنسان، وغيرها من الشواهد على سماحة الإسلام كثير.وإذا أجبت بنعم فسيصبح كل ما فعله المسلمون من خير وشر هو الإسلام، ويتوقف اختيار هذا الأمر أو ذاك كتعبير عن الإسلام على طبيعة الشخص الذي يختار وتكوينه النفسي والذهني والعلمي، على أن الإنصاف العلمي والمعرفة التاريخية يقتضيان الإقرار بأن كل ما يستشهد به المدافعون عن سماحة الإسلام حقيقة، وكذلك ما تستشهد به داعش، ويصعب تاريخا نفي هذا أو ذاك.

من جانب معرفي يصعب الفصل بين النص ومن يطبقه، فالنص لا يتحدث بنفسه ويطبق ذاته، ولكن الإنسان هو الذي يطبقه حسب فهمه له، وفي مقولة الإمام علي الشهيرة بأن القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال، خير دليل على هذه النظرية المعرفية التفسيرية. هذا يعني أن النص لم يأت ليبقى منفصلا عن الواقع، ولكنه يتفاعل معه عن طريق البشر، وكلما نضج وعي البشر المعرفي التسامحي ظهرت سماحة النص، وكلما تدهور مستوى الوعي بالكرامة الإنسانية والمساواة بغض النظر عن الديانة، أصبح فهم الناس للنص تمييزا وعدوانيا، ومن ثم إرهابيا يفهم الجهاد على أنه بسبب اختلاف العقيدة، ويفسر الفتنة الموجبة للقتال بنص القرآن على أنها الكفر، أي عليك أن تقاتل غير المسلم حتى يسلم، وهذه التفسيرات موجودة نصا وتطبيقا، حتى مع أهل الكتاب أنفسهم.

ربط الإرهاب بالإسلام مبني على ربط الإرهاب بالمسلمين الممارسين له كداعش وإخوانها، خاصة وأنها تستشهد بنصوص الإسلام وبتجربة المسلمين التاريخية، ولن يحل القضية نفي علاقة ما تفعله داعش بالإسلام، طالما أن قضية التداخل بين الإسلام كنصوص وبين المسلمين كمطبقين لها حسب أفهامهم لم تحل، وطالما أن الأزهر لا يؤسس في مناهجه ربط قراءة النص بمبادئ علم الاجتماع الإنساني، التي تربط قراءة النص التسامحية أو العدوانية بالظرف التاريخي، مما يحيل قضية الإرهاب إلى الإنسان أولا، لا إلى النص مباشرة، أي إلى بناء الإنسان معرفيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، وهذا ليس دور الأزهر وحده، بل واجب الدولة كافة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق