المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
العلاقات الروسية الاوروبية… مستويات التوتر وعدم الثقة
تشهد العلاقات الروسية الأوروبية في السنوات الأخيرة تحولات عميقة تعكس تصاعدًا في مستويات التوتر وعدم الثقة، مدفوعة بعوامل جيوسياسية وعسكرية متشابكة. ولم يعد هذا التوتر محصورًا في الخلافات التقليدية حول النفوذ أو الأمن، بل امتد ليشمل قضايا استراتيجية حساسة، أبرزها التسلح النووي وإعادة تشكيل منظومات الردع في القارة الأوروبية. وفي هذا السياق، تأتي التحذيرات الروسية الأخيرة من استضافة دول أوروبية لقاذفات نووية فرنسية لتسلط الضوء على مرحلة جديدة من التصعيد قد تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي. تصدعات في الضفة الأطلسية
من منظور روسي، فإن أي تحرك أوروبي لتعزيز القدرات النووية، سواء عبر التوسع في الترسانة أو نشر وسائل حملها في دول جديدة، يُنظر إليه كتهديد مباشر للأمن القومي. هذا الإدراك لا ينبع فقط من اعتبارات عسكرية، بل من تاريخ طويل من التوتر مع حلف شمال الأطلسي، الذي تعتبره موسكو أداة لاحتواء نفوذها الاستراتيجي. وعندما تعلن فرنسا نيتها السماح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية، فإن ذلك يفسَّر في موسكو على أنه خطوة نحو تطويقها وتعزيز التفوق العسكري الغربي على مقربة من حدودها. ليست معركتنا ـ “حرب إيران”
في المقابل، ترى الدول الأوروبية، وخاصة تلك المنضوية في الحلف، أن هذه الخطوات تأتي في إطار تعزيز الردع الجماعي، خصوصًا في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة. فالحرب في أوكرانيا، والحرب الايرانية الأمريكية، دفعت العديد من العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في قدراتها الدفاعية، والسعي إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. كما أن التصريحات والضغوط السياسية الأمريكية في السنوات الأخيرة لعبت دورًا في دفع أوروبا نحو تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، وهو ما انعكس في مبادرات مثل توسيع المظلة النووية الفرنسية.
غير أن هذه الديناميكيات المتقابلة تخلق حلقة مفرغة من التصعيد. فكل خطوة أوروبية لتعزيز الدفاع تُقابل برد فعل روسي حاد، يتضمن تهديدات بإعادة تصنيف الأهداف العسكرية وتحديث العقيدة القتالية. وفي هذا الإطار، فإن تحذير موسكو من أن الدول التي تستضيف هذه القاذفات ستصبح أهدافًا محتملة في حال النزاع، يعكس انتقال الخطاب من مستوى التحذير السياسي إلى التلويح بإجراءات عسكرية ملموسة. وهذا بدوره يزيد من حالة القلق داخل أوروبا، ويدفعها إلى مزيد من التحصين العسكري، ما يعمّق الأزمة بدلًا من احتوائها.
أحد العوامل الأكثر خطورة في هذا المشهد هو غياب أطر فعالة للحد من التسلح. فمع انتهاء آخر معاهدة كانت تنظم حجم الترسانات النووية بين روسيا والولايات المتحدة، دخل العالم مرحلة جديدة تتسم بفراغ قانوني واستراتيجي. هذا الفراغ يفتح الباب أمام سباق تسلح غير منضبط، ويزيد من احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود. وفي ظل هذا الواقع، تصبح المبادرات الأحادية، مثل نشر قدرات نووية في دول جديدة، مصدرًا إضافيًا لعدم الاستقرار. أوروبا تكسر الاصطفاف
كما أن إدخال البعد الأوروبي في المعادلة النووية بشكل أوسع يطرح إشكاليات معقدة. فروسيا باتت تطالب بأن تشمل أي مفاوضات مستقبلية القدرات النووية لجميع دول الحلف، وليس فقط الولايات المتحدة. وهذا يعكس إدراكًا روسيًا بأن ميزان القوى لم يعد ثنائيًا كما كان خلال الحرب الباردة، بل أصبح متعدد الأطراف، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاقات شاملة وملزمة.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه التطورات عن السياق الأوسع للتوترات الدولية. فالتصعيد في أوكرانيا، والحرب الايرانية، يعزز مناخ عدم الثقة ويجعل أي مبادرة عسكرية تُفسَّر بأسوأ الاحتمالات. كما أن الخطاب السياسي المتشدد من مختلف الأطراف يسهم في تضييق هامش المناورة الدبلوماسية، ويجعل العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر تعقيدًا. الدفاع ـ تزامن المناورات البحرية، استعراض قوة ورسائل استراتيجية متبادلة
في المحصلة، تعكس الأزمة الحالية في العلاقات الروسية الأوروبية مزيجًا من المخاوف الأمنية الحقيقية والحسابات السياسية والاستراتيجية. وبينما تسعى أوروبا إلى تعزيز أمنها وردع أي تهديد محتمل، ترى روسيا في هذه التحركات تهديدًا مباشرًا يستدعي الرد. وبين هذا وذاك، يبقى الخطر الأكبر هو انزلاق الأطراف إلى مواجهة أوسع نتيجة سوء التقدير أو التصعيد المتبادل. المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا
إن تجنب هذا السيناريو يتطلب إعادة إحياء قنوات الحوار، والعمل على بناء ترتيبات أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار مخاوف جميع الأطراف. فبدون ذلك، ستظل العلاقات الروسية الأوروبية رهينة للتوتر والتصعيد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على أمن القارة والعالم بأسره.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=117621
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
