الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

العلاقات الألمانية الصينية: من الارتهان التجاري إلى الردع المتبادل.. قراءة في “واقعية” ميرز الجديدة

Germany
فبراير 24, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI وحدة الدراسات والتقارير “30”

العلاقات الألمانية الصينية: من الارتهان التجاري إلى الردع المتبادل.. قراءة في “واقعية” ميرز الجديدة

تجد القارة الأوروبية، وفي قلبها المحرك الألماني، نفسها اليوم أمام اختبار بنيوي غير مسبوق في تاريخ علاقاتها مع القوى العظمى. ففي الوقت الذي يسعى فيه المستشار الألماني فريدريش ميرز لترسيخ دعائم الاستقرار الاقتصادي لبلاده، تأتي زيارته إلى بكين لتشكل منعطفاً دراماتيكياً في مسار “السياسة الواقعية” لبرلين. لم تعد الصين بالنسبة لألمانيا مجرد “سوق ضخمة”، بل تحولت إلى “تحدٍ وجودي” يجمع بين الشراكة التجارية القسرية والخصومة الجيوسياسية الصريحة.

يصل ميرز إلى العاصمة الصينية في توقيت يفيض بالرمزية؛ فمع انطلاق “عام الحصان الناري” – الذي لا يتكرر إلا كل ستة عقود – تترقب الدوائر السياسية في برلين ما إذا كان هذا العام سيجلب “الحظ” المنشود لمهمة المستشار المعقدة. فالحفاوة التي أبداها الرئيس شي جين بينغ باستقبال ميرز، والتي وصفتها دوائر حكومية بأنها “لفتة كريمة”، لا يمكن فصلها عن سياق عالمي يتسم بـ “انعدام اليقين” الاستراتيجي، حيث باتت ألمانيا مضطرة للمناورة في مثلث خطر أضلاعه واشنطن “ترامب” وموسكو “بوتين” وبكين “شي”.

“مثلث الضغوط” وتآكل الثقة العابرة للأطلسي

لم تعد رحلة ميرز إلى الصين مجرد جولة اقتصادية تقليدية، بل هي “هروب استراتيجي” نحو الشرق بعد تصدع الثقة في الحليف الأمريكي التاريخي. فمع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما تبع ذلك من سياسات حمائية متطرفة تمثلت في تعريفات جمركية عالمية قاسية، وجد الاقتصاد الألماني نفسه مضطراً للارتماء في حضن الشريك الصيني مجدداً لتأمين سلاسل الإمداد.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس حالة من “الفوضى الجمركية” التي باتت تسم نهج الإدارة الأمريكية الحالية، مما دفع برلين للبحث عن “وضوح استراتيجي” في بكين. ورغم أن الصين استعادت مكانتها كأهم شريك تجاري لألمانيا في عام 2025، متجاوزة الولايات المتحدة، إلا أن هذا الصعود يحمل في طياته بذور القلق؛ فهو لم ينتج عن ازدهار حقيقي في الصادرات الألمانية، بل عن “انكماش قسري” في حجم التجارة مع واشنطن عقب رئاسة ترامب. لقد بات ميزان القوى يميل بوضوح لصالح التنين الصيني، مما جعل ميرز يسافر ليس فقط بصفته قائداً سياسياً، بل كـ “مفاوض تجاري” يحمل على عاتقه هواجس الشركات الألمانية الكبرى التي باتت ترى في الصين ملاذها الأخير والخطير في آن واحد، في ظل قناعة أوروبية متزايدة بأن الاعتماد على “الضمانات الأمريكية” التقليدية بات رهاناً خاسراً.

أزمة الميزان التجاري و”تشوهات المنافسة” الهيكلية

يكشف التدقيق في الأرقام الاقتصادية لعام 2025 عن فجوة هائلة تهدد استقرار النموذج الألماني القائم على التصدير، حيث لم تعد العلاقة التجارية تتسم بالتبادلية المنصفة. فعلى الرغم من أن حجم التبادل التجاري بلغ 251.8 مليار يورو، إلا أن التفاصيل تعكس واقعاً مريراً يتمثل في انكماش الصادرات الألمانية الأساسية بنسبة 10%، وهو مؤشر خطير على تآكل التنافسية الصناعية الألمانية أمام المنتجات الصينية المدعومة.

إن وصول العجز التجاري إلى قرابة 90 مليار يورو لم يكن أثراً اقتصادياً طبيعياً، بل هو نتيجة مباشرة لما يصفه الخبراء بـ “التشوهات المتعمدة” في الأسواق. وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في قطاع السيارات، الذي يمثل عماد الصناعة في برلين، حيث انخفضت الصادرات بنحو الثلث في عام واحد، لتفقد هذه الصناعة أكثر من نصف قيمتها مقارنة بقمة إنتاجها في عام 2022. يرى فريق ميرز أن السياسات الصينية المتمثلة في الدعم الحكومي الهائل للشركات المحلية، والتلاعب بسعر صرف “اليوان” لإبقائه منخفضاً بشكل مصطنع، تمنح المنتجات الصينية ميزة سعرية غير عادلة في الأسواق العالمية. هذا الوضع دفع الهيئات الصناعية الألمانية، مثل اتحاد الصناعات (BDI)، لمطالبة المستشار بانتزاع التزامات قانونية واضحة تتجاوز الوعود الشفهية، محذرين من أن استمرار هذا الخلل سيؤدي حتماً إلى “تجريف” القاعدة الصناعية الأوروبية لصالح المصانع الصينية.

سلاح “المواد الخام” والابتزاز البيروقراطي المنظم

لم تعد بكين تكتفي بالمنافسة السعرية، بل بدأت في استخدام نفوذها الاقتصادي كأداة “ردع سياسي” مباشر. ويبرز ملف “العناصر الأرضية النادرة” كأوضح مثال على تحويل التجارة إلى سلاح؛ ففي خضم النزاع التجاري مع واشنطن، فرضت بكين قيوداً صارمة على تصدير هذه المواد الحيوية اللازمة لصناعة التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة.

ورغم عودة التصدير جزئياً، إلا أن الشركات الألمانية واجهت واقعاً جديداً يتسم بـ “الابتزاز البيروقراطي”؛ حيث أصبحت عمليات الشراء تمر عبر إجراءات ترخيص معقدة وطويلة، وتراخيص صادرات قصيرة الأمد تضع الشركات في حالة دائمة من عدم اليقين. هذه الضوابط لا تهدد فقط الأمن الاقتصادي لأوروبا، بل تعكس قدرة الصين على شل قطاعات صناعية كاملة بقرار إداري واحد. إن هذا الوضع غير المواتي يفرض على ميرز ضرورة معالجة “محدودية الوصول” للأسواق الصينية وقيود التصدير التي تمنع الشراكة من تحقيق كامل إمكاناتها، خاصة وأن استمرار هذه القيود يعني أن الصين باتت تعامل حلفاء واشنطن كخصوم تجاريين، مما يقوض النظام العالمي القائم على القواعد ويحول التجارة الدولية إلى ساحة لـ “قانون الغابة” الاقتصادي.

الجيوسياسية الكبرى.. “صوت بكين المسموع في موسكو”

تدرك برلين اليوم أن استقرار القارة الأوروبية وإنهاء أخطر أزمة أمنية تواجهها منذ الحرب العالمية الثانية – والمتمثلة في غزو أوكرانيا – لم يعد رهناً بقرارات بروكسل أو واشنطن وحدها، بل بمدى نفوذ شي جين بينغ على فلاديمير بوتين. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة ميرز بُعداً أمنياً وجودياً؛ فالصين التي تواصل شراء كميات ضخمة من النفط والغاز الروسي، وتزود موسكو بتقنيات ومواد خام ذات استخدام مزدوج، باتت هي “الممول والداعم الخفي” لآلة الحرب الروسية.

موقف ميرز هنا يتسم بالواقعية القاسية التي تربط الاقتصاد بالأمن؛ حيث أكد مراراً أن “لو طلب شي من بوتين التوقف غداً، لكان عليه التوقف بعد غد”. إن هذا الإدراك لمدى التغلغل الصيني في القرار الروسي يفرض على ميرز صياغة “عقيدة تجارية دفاعية”؛ حيث لا يمكن لألمانيا الاستمرار في تقديم تنازلات اقتصادية لبكين بينما الأخيرة تدعم نظاماً يهدد أمن أوروبا القومي. إن الصمت الصيني وعدم اتخاذ أي خطوات للضغط على بوتين يمثل جوهر الخلاف الجيوسياسي، وهو ما سيجعل ميرز يتحدث “بحزم وثقة” للمطالبة بوضوح كامل في هذا الملف، معتبراً أن قوة الصين ونفوذها الهائل يجب أن يكونا عاملين حاسمين في إنهاء الصراع، وإلا فإن الشراكة الألمانية الصينية ستظل “شراكة هشة” مهددة بالانهيار تحت وطأة العقوبات والتوترات السياسية.

النتائج والآفاق المستقبلية

–  من المرجح أن تؤدي هذه الزيارة إلى ترسيخ قناعة أوروبية مفادها أن عصر “الحماية المجانية” من واشنطن أو “النمو الميسر” مع بكين قد انتهى. سيتحول الاتحاد الأوروبي نحو “السيادة الاستراتيجية” بشكل أكثر حدة، مما يعني الانتقال من سياسة التهدئة إلى تبني “ردود فعل متكافئة وحازمة” لحماية قطاعاته الصناعية الحيوية، والبدء في صياغة عقيدة تجارية دفاعية تتضمن تدابير استباقية ضد “الأحادية الأمريكية” و”التشويه الصيني”.

– تحول ميزان القوى لصالح “الردع الاقتصادي المتبادل”: ستشهد الفترة المقبلة سعياً ألمانياً لتقليل التبعية عبر استراتيجية “المرونة”، وهو ما يعني استثمارات ضخمة في الداخل الأوروبي في مجالات الدفاع والتكنولوجيا الرقمية. إن بروكسل وبرلين ستستخدمان “سلاح السوق الأوروبية المشتركة” كأداة ضغط مضادة لضمان التبادلية، حيث لم يعد أحد يقبل بالصفقات التي تُنتزع تحت وطأة التهديد الجمركي أو الابتزاز بالموارد الخام.

– نهاية عصر “الوعظ” وبداية “المصالح الباردة”: سيتكرس نهج ميرز القائم على “الواقعية السياسية”؛ حيث سيتم التعامل مع بكين كقوة عظمى لها مصالحها، دون محاولة تغيير نظامها السياسي، ولكن مع فرض شروط قاسية تتعلق بالوصول للأسواق وحماية الملكية الفكرية. هذا التحول يعني أن “الوضوح القانوني” سيصبح العملة الوحيدة المقبولة للاستمرار في أي شراكة، مما قد يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة وتحول العلاقة إلى “منافسة نظامية” طويلة الأمد.

– ارتباط الأمن القومي بالتجارة العالمية: ستصبح القضايا السياسية العالمية (مثل حرب أوكرانيا) جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات التجارية،. فمن المتوقع أن يربط الاتحاد الأوروبي بين التسهيلات التجارية الممنوحة لبكين ومدى تجاوب الأخيرة في كبح جماح الطموحات الروسية. هذا “الربط الاستراتيجي” سيجعل من التجارة الدولية ساحة لـ “قانون القوة” بدلاً من “قانون السوق”، مما يعيد رسم خارطة النفوذ الاقتصادي والسياسي في القرن الحادي والعشرين، حيث تصبح “الندية القاسية” هي القاعدة الحاكمة للعلاقات بين الأقطاب الكبرى.

رابط مختصر- https://www.europarabct.com/?p=115521

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...