المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
العرب وإدارة الفوارق الاقتصادية
استكمالًا لسلسلة مقالات العرب وصناعة المستقبل، اتناول في هذا المقال موضوع مهم وهو التفاوت الاقتصادي بين الدول العربية والذي رسخ في العقل السياسي العربي كعقبة رئيسية أمام أي مشروع للتعاون الإقليمي. وتكررت هذه الفكرة حتى تحولت إلى مسلمة، رغم أن تجارب العالم تكشف العكس تمامًا. فالنظم الإقليمية الكبرى لم تنشأ بين دول متشابهة في مستويات التنمية أو في حجم الثروة أو في طبيعة الموارد، وإنما قامت على إدارة الاختلافات وتحويلها إلى عناصر قوة.
ومن هنا، فإن القضية ليست كيف نجعل الاقتصادات العربية متساوية، فهذا هدف لا يتحقق حتى داخل الدولة الواحدة، وإنما كيف نبني نظامًا إقليميًا يجعل من هذا التنوع ركيزة للتنمية المشتركة.
العالم العربي، في حقيقته، ليس اقتصادًا واحدًا، بل مجموعة من الاقتصادات المتباينة. ففيه دول تمتلك فوائض مالية هائلة، وأخرى تمتلك ثروات طبيعية متنوعة، وثالثة تتميز بوفرة الموارد البشرية، ورابعة تحتل مواقع جغرافية تجعلها مفاتيح لحركة التجارة الدولية. وفيه من يتحكم في أهم الممرات البحرية في العالم، ومن يمتلك أكبر احتياطيات النفط والغاز، ومن أصبح مركزًا رئيسيًا لإنتاج الغاز الطبيعي المسال، ومن يشكل حلقة أساسية في شبكات أنابيب الطاقة أو في حركة ناقلات النفط عبر البحار.
هذه الصورة، التي ينظر إليها البعض باعتبارها مصدرًا للتباين، يمكن أن تصبح مصدرًا للتعاون إذا تغيرت زاوية النظر إليها. فالاقتصاد الإقليمي لا يقوم على التشابه، وإنما على توزيع الأدوار، بحيث تصبح ميزة كل دولة إضافة إلى القوة الجماعية، لا سببًا للعزلة أو التنافس.
لقد أدرك الأوروبيون هذه الحقيقة منذ عقود. فعندما بدأ مشروعهم الوحدوي، لم تكن أوروبا متقاربة في مستوياتها الاقتصادية، بل كانت الفجوات بين شمالها وجنوبها، ثم بين غربها وشرقها، واسعة وعميقة. ومع ذلك، لم يعتبر الاتحاد الأوروبي أن التنمية شأن وطني منفصل، وإنما جعل تقليص الفوارق الاقتصادية هدفًا استراتيجيًا يخدم الجميع. ولذلك أُنشئت صناديق التماسك والتنمية الإقليمية، التي استثمرت مئات المليارات من اليورو في تحديث البنية الأساسية، وتعزيز القدرات الإنتاجية، ورفع كفاءة التعليم والتدريب، وربط المناطق الأقل نموًا بالشبكة الاقتصادية الأوروبية.
ولم يكن ذلك عملًا خيريًا، بل استثمارًا في مستقبل الاتحاد نفسه. فالسوق الموحدة لا تزدهر إذا بقيت أجزاء منها عاجزة عن الإنتاج أو الاستهلاك، والاستقرار الاقتصادي لا يتحقق إذا استمرت الفجوات في الاتساع.
وفي شرق آسيا، جاءت التجربة من زاوية مختلفة، لكنها حملت الفلسفة نفسها. فلم تحاول الاقتصادات الآسيوية إزالة الفوارق بينها، بل بنت شبكات إنتاج تتوزع فيها الوظائف الاقتصادية وفقًا للمزايا النسبية لكل دولة. وأصبح نجاح كل اقتصاد مرتبطًا بنجاح الاقتصادات الأخرى، لأن جميعها تشارك في إنتاج السلعة نفسها، وإن اختلفت مساهمة كل منها في مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق والخدمات.
وهنا تكمن الفكرة الجوهرية التي يحتاجها النظام العربي الجديد؛ فالاختلاف في الموارد ليس مشكلة، بل يصبح مشكلة فقط عندما يغيب الإطار المؤسسي الذي ينظم الاستفادة منها.
إن المنطقة العربية تمتلك من عناصر التكامل ما لا يتوافر في كثير من الأقاليم الأخرى. فهي تضم رأس المال، والطاقة، والغذاء، والعمالة، والأسواق، والموقع الجغرافي الذي يربط القارات الثلاث، فضلًا عن إشرافها على أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. لكن هذه العناصر ما زالت تعمل حتى الآن باعتبارها موارد وطنية منفصلة، لا باعتبارها مكونات لقوة إقليمية واحدة.
ومن هنا، فإن المستقبل العربي يتطلب الانتقال من مفهوم التعاون إلى مفهوم التكامل، ومن إدارة العلاقات الثنائية إلى بناء مؤسسات إقليمية قادرة على إدارة المصالح الجماعية.
فالعالم العربي يحتاج إلى صندوق عربي للتنمية والتماسك الاقتصادي، لا يقدم المساعدات، وإنما يستثمر في بناء القدرات الاقتصادية للدول الأقل نموًا، ويحولها إلى شركاء في النمو، لا متلقين للدعم.
ويحتاج إلى شبكة عربية متكاملة للطاقة، تربط إنتاج النفط والغاز والكهرباء والهيدروجين الأخضر، وتنسق بين خطوط الأنابيب ومحطات الإسالة والموانئ، بحيث تصبح المنطقة مركزًا عالميًا للطاقة، لا مجرد مصدر للمواد الخام.
كما يحتاج إلى شبكة نقل عربية حديثة، تربط الموانئ بالسكك الحديدية والطرق البرية والمناطق الصناعية، بما يعيد رسم الخريطة الاقتصادية العربية ويخفض تكلفة التجارة البينية، التي ما زالت دون إمكانات المنطقة بكثير.
ولعل الأهم من ذلك كله هو بناء سلاسل قيمة عربية مشتركة، بحيث تصبح الصناعات العربية نتاجًا لتكامل القدرات، لا لتكرار المشروعات ذاتها في كل دولة، وهو ما يرفع الكفاءة الاقتصادية ويزيد القدرة التنافسية للاقتصاد العربي في الأسواق العالمية.
إن النظام الإقليمي يُقاس بقدرته على إنتاج مصالح اقتصادية. فالمصالح هي التي تمنح المؤسسات حياتها، وهي التي تجعل التعاون أكثر رسوخًا من الشعارات.
ولذلك، فإن إدارة الفوارق الاقتصادية ينبغي أن تصبح أحد المبادئ المؤسسة للنظام العربي الجديد. فكل تجربة إقليمية ناجحة أثبتت أن التنوع في الموارد والإمكانات ليس نقطة ضعف، وإنما هو الشرط الأول لبناء اقتصاد إقليمي، إذا توافرت الرؤية والمؤسسات والإرادة.
لقد دخل العالم عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى، ولم يعد للدول المنفردة، مهما بلغت إمكاناتها، القدرة على المنافسة وحدها. أما العرب، فإنهم يمتلكون من عناصر القوة ما يجعلهم قادرين على بناء أحد أهم الأقاليم الاقتصادية في العالم، إذا انتقلوا من التفكير في إدارة الدول إلى التفكير في إدارة الإقليم.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120957
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

