اختر صفحة

العراق و تركيا … تصعيد عسكري مع توتر شرق المتوسط . بقلم اللواء الركن الدكتور عماد علوّ

سبتمبر 13, 2020 | أمن دولي, الإتحاد الأوروبي, دراسات, دفاع

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

الدكتور اللواء الركن عماد علو

الدكتور اللواء الركن عماد علو

العراق و تركيا … تصعيد عسكري مع توتر شرق المتوسط . بقلم اللواء الركن الدكتور عماد علوّ

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

 اعداد : اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب

توطئة

 

 

وسط استمرار التوتر بين تركيا واليونان بشأن التنقيب عن الغاز، عززت فرنسا من تواجدها العسكري في المنطقة رافق ذلك زيارات مكوكية الى دول المنطقة لمسؤولين فرنسيين رفيعي المستوى من ضمنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار بيروت وبغداد في ظل توتير شهدته العلاقة بين بغداد وأنقرة جراء العمليات العسكرية التي تشنها الأخيرة ضد حزب العمال الكردستاني، ليقوم رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، بعد يومين من زيارة ماكرون لبغداد ، بزيارة مفاجئة إلى تركيا، التقى خلالها بالرئيس رجب طيب أردوغان.

الأمر الذي اثار التساؤل ، حول أسباب زيارة نيجيرفان البارزاني ولقائه بالمسؤولين الأتراك.. وإلى أي حد يمكن أن تنهي التوتر المتصاعد بين بغداد وأنقرة بسبب المعارك ضد حزب العمال الكردستاني، وهل لها علاقة بزيارة الرئيس الفرنسي إلى العراق؟

فبعد الصراع المفتوح بين أنقرة وباريس بسوريا وليبيا، رفع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، من وتيرة تحركه الدبلوماسي والعسكري، هذه المرة، بشرقي البحر المتوسط والشرق الأوسط مؤخراً. بمحاولة ماكرون سحب العراق الى ساحة الصراع في شرق المتوسط ، وهي مؤشرات تدل على محاولة ماكرون الحدَّ من تزايد النفوذ التركي بالمنطقة، بل تطويقه.

مقارنة قوات الطرفين

ميزان القوى العسكرية مابين تركيا و العراق

ميزان القوى العسكرية مابين تركيا و العراق

إن الحديث عن سيادة العراق يأتي امتداداً للموقف الفرنسي الرافض لتحركات تركيا بالمنطقة، في وقت لا تزال تركيا تشن هجمات جوية وبرية ضد معاقل حزب العمال الكردستاني التركي PKK في جنوب شرق تركيا، إضافة إلى هجمات جوية وبرية على مواقعه في شمال العراق ، دون التنسيق والتشاور مع الحكومة العراقية الاتحادية ، وهو ما يعد انتهاك واضح لكل المواثيق والقوانين الدولية ويمكن ان يسهم بخلق صراع مسلح جديد في المنطقة .

حيث يشكل تواجد أكثر من (5000) عنصر من مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي (P.K.K.) في شمال العراق (اقليم كردستان) ذات الطبيعة الجبلية المعقدة مبررا” قويا” للتدخلات العسكرية التركية في الاراضي العراقية .

ومن الجدير بالذكر أنه أثناء زيارة رئيس الوزراء العراقي الاسبق نوري المالكي الى تركيا في أب ٢٠٠٧ أتفق الطرفان على توقيع اتفاق بخصوص مكافحة الارهاب و تشكيل لجنة ثلاثية(عراقية-تركية-أمريكية) لوضع حد لمسألة حزب العمال الكردستانيPKK عن طريق تبادل المعلومات الاستخبارية وقطع التموين والدعم لمقاتلي حزب العمال من القرى العراقية الحدودية .  إن التحرك الفرنسي ضد تركيا بالعراق يأتي رداً على تزايد النفوذ التركي على المستويين العسكري والاقتصادي. في وقت تحاول فرنسا سد أي فراغ تركه الأمريكيون في البلاد.

الاهداف التركية

  • إخضاع شمال العراق للنفوذ التركي بحجة ملاحقة نشاطات مقاتلي حزب(P.K.K.).
  •  اقامة مناطق عازلة لغرض تعزيز الرقابة على تحركات مقاتلي حزب(P.K.K.) من خلال اقامة ونشر المقرات العسكرية والاستخباراتية التركية .

انفتاح القوات التركية في شمال العراق

تنتشر القواعد والمقرات العسكرية والاستخباراتية التركية اعتباراً من معبر خابور الحدودي نحو المناطق الشرقية مروراً بمناطق باتوفان، باميرني، أمديه، ديرلوك وشيلادزي، وكاني ماسي ومنطقتي زاب وزاغروس وجبل قنديل  وكذلك في مناطق برزان وميركا سور وصوران مروراً من سهل هيلي وصولاً إلى سيدكان.. لغرض السيطرة على كل منطقة حفتانين ومتينا وقنديل، واستخدامها في شن هجمات ضد مقاتلي حزب(P.K.K.). وكان موقع الرئاسة التركية قد نشر خريطة مواقع انتشار جيشها في شمال العراق، حيث تظهر الخريطة وجود 37 موقعا عسكريا تركيا ضمن حدود شمال شرق إقليم كردستان العراق، وبعمق يصل في بعض المناطق إلى 40 كيلومترا داخل الأراضي العراقية. كما أقام الجيش التركي حزاما عسكريا على طول شمال العراق، بعمق بين عشرين وأربعين كيلومترا.

وتظهر الخريطة نشر تركيا وحدات عسكرية بالقرب من عاصمة الإقليم أربيل، وكذلك بالقرب من مدن زاخو ودهوك وبعشيقة.

نشر تركيا وحدات عسكرية بالقرب من أربيل

نشر تركيا وحدات عسكرية بالقرب من أربيل

 

القوات المسلحة التركية

شكل اتساع مساحة التدخلات العسكرية التركية في مناطق مثل شمال افريقيا والخليج العربي وسوريا والعراق  وشرق البحر المتوسط ، حافزا”  لفرنسا بعدم الاستهانة  بتزايد ثقل وزن تركيا عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً. خصوصا” بعد تغير التوازنات الجيوستراتيجية بالمنطقة مع ارتفاع قدرة تركيا على التفاوض وفرض وجهة نظرها في مختلف الملفات موضوع الخلاف مع فرنسا. فتركيا تملك حالياً ثاني جيش بحلف الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى احتضانها قاعدة إنجرليك العسكرية التي تعد مركزاً محورياً لانطلاق عمليات الحلف العسكرية بالشرق الأوسط. ، و الجيش التركي ثامن أكبر جيش عالمياً من حيث عدد الجنود الموضوعين في الخدمة، و الجيش التركي أكبر من الجيشين الفرنسي و الإنكليزي مجتمعين بعدد (735) ألف جندي في الخدمة و (380) ألف في الاحتياط.

هيكلية القوات المسلّحة التركيّة

تتألف القوّات المسلّحة التركية تحت رئاسة الأركان العامة من قيادة القوات البرية وقيادة القوات البحرية وقيادة القوات الجوية، وهناك أيضاً القيادة العامة للدرك وهي تابعة لوزارة الداخلية في الحالات العادية والطبيعية أي في السلم، ولقيادة القوات البرية والبحرية عند حالات التعبئة العامة و الحرب، وكذلك هناك قيادة الأمن الساحلي.

وتنضوي تحت قيادة القوات البرية أربع قيادات للجيوش، وقيادة لوجيستية، وقيادة للتدريب الميداني، و هي تتوزع على الشكل التالي:

  • الجيش الأول: تقع قيادته في اسطنبول و قسم كبير منه منتشر في الجزء الأوروبي من تركيا. مهمّته حماية اسطنبول، مضيق البسفور و الدردنيل و شبه جزيرة كوجائلي.
  • الجيش الثاني: مقرّه في مالاطيا، و ينتشر في منطقة جنوب شرق الأناضول و مهامه دفاعية في مواجهة سوريا، إيران و العراق. والشكل التالي يوضح انفتاح الجيش الثاني في منطقة مسؤوليته .
  • الجيش الثالث: و مقره في ارزينجان، و ينتشر شرقي الأناضول و يغطي الحدود مع جورجيا، أرمينيا، أذربيجان و من الشرق و المنطقة الشمالية الشرقية.
  • الجيش الرابع (الجيش الإيجي): و مقرّه أزمير، و أُنشئ في السبعينيات نتيجة التوتر المتعاظم آنذاك مع اليونان في بحر إيجة.

وقد نجحت الصناعة العسكرية التركية في عام 2015، بإنتاج أسلحة بقيمة 4.3 مليارات دولار صدَّرت منها 1.3 مليار، وذلك بارتفاع نسبته 35% مقارنة بالعام السابق، وتخطط تركيا لرفع قيمة صادراتها العسكرية لملياري دولار عام 2016، لتقفز من المرتبة الـ 15 إلى العاشرة عالميا لجهة التصدير العسكري. لقد أصبح قطاع التسلح إحدى ركائز قوة تركيا التصديرية بالنظر إلى ارتفاع عدد الشركات الدفاعية المُصدرة، حيث دخلت سبع شركات تركية، سنة 2020، الترتيب الدولي الذي يصنف أهم مئة شركة بالعالم عاملة في صناعة الأسلحة.

ان تداعيات الملفين اللبناني والعراقي على الصراع المحتدم بين باريس وأنقرة ليست إلا جزءاً من الملفات المغذية للعداء التاريخي بين البلدين. ويبدو أن فرنسا وبعض دول الاتحاد الاوربي يسعيان لتوظيف القدرات العسكرية العراقية والخبرة القتالية في الحرب ضد داعش التي اكتسبتها القوات العراقية لتحجيم توسع النفوذ التركي باتجاه منطقة الشرق الاوسط .

القوات المسلحة العراقية

يحتل الجيش العراقي المرتبة 50 عالمياً من حيث القوة حسب تصنيف موقع غلوبال باور لعام 2020. و يتألف الجيش العراقي من تسع قيادة عمليات، وتدار القطعات العراقية من قبل (قيادة العمليات المشتركة)، بينما لا تدير قيادة القوة البرية فرق الجيش مباشرة. وينقسم الجيش العراقي إلى 14 فرقة، وبدورها تنقسم إلى 56 لواء، أو إلى 185 فوج ، وفي عام 2010م أصبح عدد الافواج 197 فوج.

كل فرقة تنقسم إلى اربع ألوية، وفوج هندسي وفوج مدفعية. وقد جاء في تقرير عن موازنة وزارة الدفاع الأمريكية، الصادر في تشرين الثاني 2014، بالجزء الخاص بتسليح و تدريب القوات العراقية لعام 2015، أن “قوات الجيش العراقي تقلصت من 14 فرقة إلى 10 فرق بعد حزيران 2014  واجتياح تنظيم داعش الارهابي لمحافظة نينوى ومناطق عراقية اخرى ، في وقت لايزال فيه العراق يفتقر الى صناعات حربية حقيقية اثر حل هيئة التصنيع العسكري العراقية بعد عام 2003 ، وهو ينفق ما يقدر بـ600 مليون دولار لغرض شراء العتاد الحربي الضروري لمواجهة تحدي الارهاب والوضع الامني الداخلي .

الاستنتاجات

  • من الواضح أن هناك رغبة فرنسية في إعادة إحياء قطاع صناعتها الدفاعية عن طريق المساهمة في تأجيج الصراع بين دول المنطقة. والدليل على ذلك تزايد حجم عقود مبيعات الأسلحة الفرنسية مع اليونان ومصر والإمارات، خاصةً مبيعات طائرات “رافال”.
  • ان ميزان القوة العسكرية بين العراق وتركيا والموضح بالجدول اعلاه لا يشجع العراق على الدخول في مواجهة عسكرية مع الجيش التركي ، ولكن في نفس الوقت لا يعني أن القوات المسلحة العراقية غير قادرة على الدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية.
  • العراق لايزال يخوض معارك ضد تنظيم داعش الارهابي في عدد من مناطق العراق ، ليس في وضع يسمح له بفتح جبهة جديدة.
  • ان الوضع الامني الداخلي هش بسبب السلاح المنفلت والتقاطعات السياسية وحالة الفوضى والاحتجاجات بسبب سوء الخدمات .
  • اكدت زيارة السيد نيجيرفان بارزاني لأنقرة ولقاءه بالرئيس رجب طيب اردوغان عدم رغبة الحكومة العراقية بتصعيد التوتر في العلاقات بين العراق وتركيا ، حيث ان الذهاب الى خيار المواجهة العسكرية بين العراق وتركيا لا يصب في مصلحة العراق ولن يكون وسيلة لحل او تسريع حل المشاكل بين العراق وتركيا بل على العكس فانه سيكون عامل تعقيد وارباك للعلاقات بين البلدين فضلا” عن تأثيراته السلبية على الامن والاستقرار الداخلي والاقليمي .
  • بالمقابل لا يمكن استبعاد المواجهة العسكرية بين العراق وتركيا اذا ما تعنتت تركيا واصرت على التمدد وابقاء قواتها في الاراضي العراقية وانتهاك السيادة العراقية ، الامر الذي ينبغي الاستعداد والتهيؤ له .

التوصيات

لما كانت تركيا دولة جوار مهمة للعراق وهناك مصالح مشتركة بينهما فانه من مصلحة العراق وشعبه وحفاظا” على أمنه واستقراره الوطني الحرص على استمرار العلاقات الودية مع تركيا، من خلال اللقاءات عالية المستوى لخلق الظروف والاجواء الملائمة لحل المشاكل والازمات بين العراق وتركيا . ان الحلول الدبلوماسية والوساطات الدولية والعمل بطريقة الحوار الجاد الذي يضع اسس العلاقات الرصينة امام جميع المواقف الحالية، افضل حاليا” لجهة الدفع باتجاه تخفيف حدة التوتر بين بغداد وانقرة  وذلك من خلال :-

  1. تفعيل عمل مجلس التعاون الاستراتيجي التركي – العراقي رفيع المستوى، والذي يترأسه رئيسا وزراء البلدين والذي سيكون مدخلا” مقبولا” ومناسبا” للدفع باتجاه تحسين العلاقات العراقية التركية مما يهيئ بيئة ملائمة لحل الازمات والملفات العالقة بين البلدين الجارين .
  2. اعادة تفعيل عمل اللجنة الثلاثية المشتركة بين العراق وتركيا والولايات المتحدة الامريكية لمعالجة قضية حزب العمال الكردستاني التركي (K.K.) وبالتعاون مع اقليم كردستان باتجاه اخراج مقاتلي (P.K.K.) من الاراضي العراقية وذلك من خلال ما يلي :
  • تبادل المعلومات الاستخبارية بين البلدين حول مواجهة ومكافحة التنظيمات الارهابية ومن ضمنها داعش و(K.K.).
  • قطع التموين والدعم لمقاتلي حزب العمال من القرى العراقية الحدودية بالتعاون مع اقليم كردستان .
  • عدم السماح باستخدام الاراضي العراقية منطلقا” لزعزعة الامن والاستقرار او الاعتداء على الدول المجاورة ، تماشيا” مع المادتين السابعة والثامنة من الدستور العراق .
  1. تجنب الصدام أو الاحتكاك العسكري المسلح ، بين البلدين قدر الامكان ، لأن ذلك لن يكون بمصلحة الشعبين العراقي والتركي خصوصا” وأنهما يرتبطان بعلائق ووشائج تاريخية ودينية وثقافية قديمة ، مما قد يعقد المواقف ويغلق الطرق والسبل أمام الحلول السلمية للمشاكل العالقة بينهما .
  2. تهيئة ساحة العمليات العسكرية في شمال العراق باتجاه تركيا ، من خلال اعادة النظر بالترتيبات العسكرية والامنية وانفتاح القطعات العسكرية العراقية الاتحادية في المنطقة الحدودية بين العراق وتركيا بما يكفل فرض مستوى مقبول من الامن والاستقرار في المنطقة وبما يشعر الجانب التركي بجدية الاستعداد العراقي للدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية .
  3. ان تعزيز العلاقات العراقية الفرنسية ومن خلالها مع الاتحاد الاوربي لاسيما في موضوع رفع القدرات الدفاعية للقوات المسلحة العراقية سيساهم بشكل كبير في تعزيز الموقف العراقي في أي مفاوضات تتعلق بالسيادة العراقية مع تركيا وحتى ايران ، وعليه فان المضي باتجاه الانفتاح على فرنسا واوربا سيصب في مصلحة العراق على المستوى الاستراتيجي .

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=71757

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك