الإستخبارات

العراق ونظريات العمق الاستراتيجي ـ الحلقة السادسه ،الجانب الاقتصادي

ar rahman mosque in baghdad iraqالعراق ونظريات العمق الاستراتيجي ـ الحلقة السادسه ،الجانب الاقتصادي
بقلم ـ هشام العلي ـ المركز الأوربي العربي لدراسات مكافحة الإرهاب والأستخبار

من الواضح ان النكسات الاقتصادية قد توالت على البلد منذ العقوبات الدولية التي رافقت حرب الخليج الثانية وتلتها حتى حرب اجتياح العراق , ومن السذاجه اعتبار ان سنوات ما بعد 2003م قد شهدت انتعاشا اقتصاديا في المفاهيم الاقتصاديه الحقيقية على الرغم من الدعم الدولي والزيادة الكبيرة في اسعار النفط , وذلك لكون الاجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة قد حولت المجتمع العراقي الى مجتمع استهلاكي من دون وجود فرص للتنمية اوتخطيط للنهوض بالواقع الزراعي والصناعي والحرفي .. كما كان الجهل في ابسط قواعد الاقتصاد عاملا كبيرا ادى الى اكبر انتكاسة شهدها القطاع الخاص منذ تاسيس الدولة العراقية بداية القرن الماضي ما ادى الى انهيار صناعات باكملها كانت تمثل واحدة من اقوى مرتكزات الاقتصاد للبلد فاختفت الزراعة في مناطق واسعة وتعرضت قطاعات صناعية حكومية الى الافلاس وعلى راسها صناعات الزيوت والاجهزة الكهربائيه والالكترونية فيما ترك المستثمرون وعمال صناعات النسيج والجلود عملهم بعد ان فقدوا الجدوى الاقتصاديه منه .. وبالمقابل منحت الدولة الموظفون رواتب وضمانات ومميزات مغرية جعلت الوظائف العامه هاجسا للجميع لتصبح مشكلة التوظيف عائقا امام دراسة اية موازنة سنوية , يضاف الى ذلك الاجراءات الغير مدروسة في محاولة القضاء على البطالة المتفاقمة في البلد من خلال حلول ترقيعية وقروض غير مجديه حولت جزءا كبيرا من البطالة الى بطالة مقنعه كما حولت الدولة الى دولة خيرية بدلا من قيامها بدعم الزراعة والصناعات والحرف , هذا فيما كان المسؤولون والمتنفذون في العراق يتغنون ويتفاخرون من خلال خطبهم وقنواتهم الاعلامية بفضلهم في انعاش الاقتصاد ويرون ان الاقتصاد العراقي يشهد عصرا ذهبيا بدليل كثرة السيارات الحديثة في الشارع العراقي وحصول المواطن العراقي على احدث اجهزة الاتصالات ما كان دليلا على جهل المسؤول بابسط قواعد الاقتصاد بدليل ان اول انتكاسة لاسعار النفط قد تحولت الى كارثة اصابت جميع مفاصل الحياة في البلد في وقت هو في امس الحاجه فيه لتغطية النفقات العسكرية ومعالجة مشاكل النازحين ! لا يمكن انكار جهود الاعمار خلال العشر سنوات الماضية لكن مع الاسف كانت مقتصرة على انشاء الجسور والمباني والمتنزهات يرافقها اهمال لمنشات ومؤسسات صناعية كانت معطلة في الحين الذي كان ولا يزال موظفوها يحصلون على شيء من رواتبهم شهريا …… اما الفساد الاداري والمالي فقد استنزف ولا يزال يستنزف اموال ضخمة من ميزانية الدولة ومن ضمنها الميزانية العسكريه ما اضاف ثقلا كبيرا على كاهل اقتصاد البلد المتهالك ….ما دعاني الى تناول الوضع الاقتصادي العام والانتكاسات الاقتصادية للبلد في هذا البحث هما امران رئيسيان يصبان في نظريات العمق الاستراتيجي اولهما (ان الاقتصاد هو مفتاح الحلول) كما يرى شمعون بيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق وغيره من القاده وثانيهما ان نسبة الاكتفاء الذاتي تمثل المجال الحيوي للدولة كما هو معروف بدليل ان اكبر المشاكل التي تواجه القوات المسلحة حاليا هي قلة الامكانيات الماديه للبلد بسبب انهيار اسعار النفط مضافا اليه النفقات الخاصة بملايين النازحين ما حولها الى مشكلة كبيرة تخص التسليح والتجهيز والاعاشة ودعم القوات الساندة ..وهي امور لها دور حاسم في نتائج المعارك , مضافا الى ذلك مسألة مهمة وهي مدى تاثر العلاقات الدولية بالاوضاع الاقتصادية للدول حيث نرى ان امكانية الدولة الاقتصاديه تتناسب طرديا مع تاثيرها في مجريات الاحداث الاقليمية والدولية بدليل العلاقات المتميزه الدائمة بين دول الخليج العربي من جهة ودول الغرب وشمال افريقيا من جهة اخرى وما يفسر ايضا مكانة العراق في الاقليم والمحيط العربي والعالمي ابان حقبة السبعينيات من القرن الماضي وواقعه اليوم ما يعني ان العامل الاقتصادي هو من اهم العوامل الحاسمة التي تصب في مبدا العمق الاستراتيجي موضوع البحث ….  
كنت قد نوهت في الحلقه الاولى من هذا البحث الى ان تناول جميع الافكار والمقترحات بصدد العمق الاستراتيجي للبلد يحتاج الى دراسات اختصاصيه اكاديميه مستقله لا يمكن لباحث مثلي مختص بالامور العسكرية الالمام بها وطرحها مجتمعه , خصوصا وهي تمثل حزمة من الاجراءات الاصلاحيه وفي شتى المجالات لتصب في هذا المبدا , وفي رايي ان اكثر الجوانب صعوبة امام الباحث الغير مختص هو الجانب الاقتصادي لكونه علم مستقل بحد ذاته ولا يمكن ربطه بباقي الجوانب والعلوم الا من قبل المختصين … لكن ومع ذلك اود طرح بعض الاسئلة التي امل ان يجيب عليها المختصين , كونها ان كان يمكن العمل بها فمن الممكن ان توفر مليارات الدولارات سنويا وتمتص مقدار هائل من البطالة المتفشية , كما ستساهم في ضبط جزء كبير من الفساد وتحجم مافياته والمنتفعين منه , اضافة الى كون بعضها يشكل علامات استفهام ملحة عن بعض الاجراءات الاقتصادية العقابية والتي تحاول مراكز صنع القرار ان تفرضها على اطراف اقليمية من غير ان تكون مستندة على قاعدة منطقية صحيحة .. ومن اهم الاسئلة المطروحه :
1-    هل بالامكان اعادة العمل بنظام مديرية الادارة والميرة لتسليح وتجهيز واعاشة القوات المسلحة حيث يتم التعاقد بينها وبين وزارة التجارة لتنفيذ العقود المطلوبة ما ينهي ظواهر الفساد التي تتخلل عمليات شراء احتياجات الوحدات من اسواق الجملة والتي تستهلك اموال ضخمة بكل معنى الكلمة ؟
2-    اثناء زيارتي لبعض المؤسسات والشركات العراقية المفلسة بهرني انتاج تلك المؤسسات من المواد المصنعه محليا والتي لا ابالغ ان قلت ان المواطن لا يعرف عنها شيئا ولم يرها منذ بداية القرن الحالي فعلى سبيل المثال عند زيارتي لشركة الزيوت النباتية في بغداد وجدت انواع من الصوابين ومواد التنظيف اكثر جودة بكثير من المستورد لكن مع الاسف لا يمكن تحويلها الى سلع منافسة للمستورد بسبب عدم وجود ضوابط للاستيراد تحدد نوع واسعار وجودة البضائع المستوردة .. مع عدم وجود قيود ورسوم تسمح للمنتوج العراقي بمنافستها , وهذه المشكلة لا تقتصر على الشركة المذكورة فقط وانما تشمل صناعات الجلود والغزل والنسيج في وسط وجنوب العراق والكثير من الصناعات الحرفية …. وهنا اتسائل اذا لم يكن هناك مجال لدعم تلك الصناعات وجعلها مستعدة لمنافسة المستورد في الاسواق المحلية فما المانع من الاعتماد عليها في اعاشة وتجهيز القوات المسلحة وما يمكن من دوائر ومؤسسات الدولة الاخرى ما يضمن التجهيز ذاتيا وبكلف وفساد اقل , كما يضمن انتعاشا كبيرا لتلك المؤسسات المفلسة ما يؤدي الى دعم اقتصاد البلد وامتصاص كم هائل من البطالة خصوصا ونحن لدينا واحدة من افخر الصناعات الجلدية في المنطقة اضافة الى الزيوت ومواد التنظيف والصناعات الصوفية والغزل والنسيج والمواد الكهربائية والالكترونيه كما ان لدينا مؤسسات لصناعة الاسلحة والاعتدة تحتاج الى تاهيل ؟
3-    تكثر زراعة الحبوب في المناطق الشمالية خصوصا الممتدة بين جزيرة العظيم ومحافظة صلاح الدين امتدادا الى نينوى ومرورا بكركوك والتي وجدنا ان من مميزاتها هو اعتمادها على الزراعة الديمية ما يجعلها بعيدة عن تاثيرات حرب المياه المتفاقمه .. فالى اي مدى تستطيع الجهات المعنية ان تقوم بحماية تلك المناطق ودعم الفلاحين فيها ومنحهم تسهيلات وضمانات وتجهيزهم بالمكننة خصوصا مع الانتعاش الاخير في زراعة الحبوب والذي يرى فيه المختصون ومن ضمنهم السيد وزير التجارة ان العراق سوف يصبح مصدرا لها بعد ان كان مستوردا .. وهو امر ذو اهمية كبرى من ناحية الاقتصاد القومي والامن الغذائي للبلد ؟
4-    ما هي الخطوات الواجب اتباعها للخروج من نتائج حرب المياه القادمة باقل الخسائر ؟ خصوصا وان زراعة الحبوب والفواكه والخضر في جنوب البلد تعتمد بالاساس على الري السيحي وتحتاج الى كميات هائلة ودائمة من المياة لاسيما زراعة الرز والتي تعتبر من اهم مرتكزات الاقتصاد لمناطق الفرات الاوسط وبعض مناطق الجنوب .. هل بامكان الدولة وقف التهديد المائي في الوقت الذي تعاني فيه من مشاكل كبيرة مع الجانبين التركي والكردي والذين يملكات منابع الماء الرئيسية ؟ والى اي مدى تستطيع القوات المسلحة الحفاظ على منابع وسدود نهر الفرات التي اصبحت خاضعة لسيطرة المسلحين المتطرفين فضلا عن مرور النهر في اجزاء تعمها الفوضى في سوريا ؟
5-    هناك توجه لانعاش الصناعات الثقيلة مثل صناعة السيارات فهل يمكن التركيز من خلاله على صناعة الشاحنات والمكننة الزراعية خصوصا وان القرن الماضي شهد مثل تلك الصناعات من قبل الشركات العراقية .. الى اي مدى يمكن انعاش تلك الصناعات لدعم الزراعة وبكلف اقل ؟
6-    تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات باجراءات اقتصادية عقابية ضد بعض الدول خصوصا المجاورة .. وقد استخدم اخيرا جهاز التقييس والسيطرة النوعية كذريعة لتنفيذ تلك الاجراءات وكان اخرها فرض حضر على استيراد منتجات اللحوم من الجانب التركي من قبل الجنوب والوسط اضافة الى بعض منتجات ومشتقات الحليب الخليجية .. مع حضر جميع السلع والمنتجات الايرانية من قبل المحافظات السنية …. هل يتلائم ذلك مع الاقتصاد الهش والمتهالك للبلد ؟ وهل تعي الجهات المتنفذة بان الورقة الاقتصادية التي تراهن عليها هي اخر ما يمكن لعبها من اوراق .. وان استنفاذ تلك الورقة سوف يجعل البلد مفلسا في مضاربات بورصة حرب المياه .. كما انها سوف تكون عاملا جديدا يصب في ظاهرة العزلة الاقليمية وشلل الدبلوماسية التي يعاني منها البلد ؟ وهل يدار الاقتصاد وفقا للمبادئ العلمية الصحيحة ام الاجراءات الارتجالية الغير مدروسة ؟ وحينما يتم تسييس الاقتصاد فهل يكون ذلك وفقا لنظرية فن الممكن ام وفقا للمشاعر والعواطف البدوية ؟
لا اعتقد ان الاجابة على هذة التساؤلات يمكن ان تكون صعبة من قبل المختصين … لكني ارى ان تنفيذ الاصلح منها سوف يكون صعبا جدا في ضل الازمات السياسية وتنفذ مافيات وكتل وجهات حولت الاقتصاد الى مفهوم للعمق الاستراتيجي الخاص بها وليس الخاص بالبلد !!!

مقالات ذات صلة

إغلاق